📰 آخر الأخبار
كَامـوُدِي/جواني عبدالانها الرغبة في التغيير/سالم الياس مدالوCaged Bird by Maya Angelouكلما زاد عتابي، زاد رجائي/ سارة القصبيPoems By Dr. Lee Hye -Seonزَهْرَةُ ٱلْيَاقُوتِ – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك-ترجمة: آصال أبسالA Morning /Manik Chakrabortyحين تأخر الإنقاذ / عبدالستار الراشديستة قرون ونيف لا تختزلها مقولة أدونيس! هل الدولة العثمانية بلا قيمة تاريخية؟ أ.د. سيّار الجميلغواية الملامح السمراء.. كيف يعيد البُن صياغة قلقنا الوجودي؟علي نفنوف /دبيرثاء اللقاء /  سميرة جدي -الجزائرOn the Way Home, Without a Home/Menda VRETOMoon / Anjali Denandee, MOM سبعُ لغاتٍ فيْ بيتِ العائلةِ .... نظرةٌ لسانيةٌ فيْ كِتَاْبِ (اللغة والثقافة) لـ (كلير كرامش) كريم عبيد علويأخطاء كمال أبو ديب في ترجمة كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / الأردنخلف أبواب الخوف/هاميس جمالالصُّراخ والعَيَاط في الفضاء الحضري: مقاربة أنثروبولوجية في أثر الصوت على الأسرة والمجتمع/ا.د حمام  محمد - الجزائرأشياء لا يعرفها الموتى عنّا/الدكتور حسن العاصيHow Do We Transform Ourselves And The World By Salim Elias Madaloأمركة العالم أم انسنة العالم ثقافياً/عدي عدنان البلداوي   يي – سون شين .. أغنية جزيرة هانسان : قصيدة سيجو كورية كلاسيكية/بنيامين يوخنا دانيالليلى الأُخيْلية/مصطفى معروفيليلة انتظار/بدر شاكر السيابحدود العقل/خليل شيبوب ١٨٩٢م - ١٩٥١موصف الحرب/أسعد خليل داغر
كَامـوُدِي/جواني عبدالانها الرغبة في التغيير/سالم الياس مدالوCaged Bird by Maya Angelouكلما زاد عتابي، زاد رجائي/ سارة القصبيPoems By Dr. Lee Hye -Seonزَهْرَةُ ٱلْيَاقُوتِ – للشاعرة الأمريكية لويز غلوك-ترجمة: آصال أبسالA Morning /Manik Chakrabortyحين تأخر الإنقاذ / عبدالستار الراشديستة قرون ونيف لا تختزلها مقولة أدونيس! هل الدولة العثمانية بلا قيمة تاريخية؟ أ.د. سيّار الجميلغواية الملامح السمراء.. كيف يعيد البُن صياغة قلقنا الوجودي؟علي نفنوف /دبيرثاء اللقاء /  سميرة جدي -الجزائرOn the Way Home, Without a Home/Menda VRETOMoon / Anjali Denandee, MOM سبعُ لغاتٍ فيْ بيتِ العائلةِ .... نظرةٌ لسانيةٌ فيْ كِتَاْبِ (اللغة والثقافة) لـ (كلير كرامش) كريم عبيد علويأخطاء كمال أبو ديب في ترجمة كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد/إبراهيم أبو عواد / الأردنخلف أبواب الخوف/هاميس جمالالصُّراخ والعَيَاط في الفضاء الحضري: مقاربة أنثروبولوجية في أثر الصوت على الأسرة والمجتمع/ا.د حمام  محمد - الجزائرأشياء لا يعرفها الموتى عنّا/الدكتور حسن العاصيHow Do We Transform Ourselves And The World By Salim Elias Madaloأمركة العالم أم انسنة العالم ثقافياً/عدي عدنان البلداوي   يي – سون شين .. أغنية جزيرة هانسان : قصيدة سيجو كورية كلاسيكية/بنيامين يوخنا دانيالليلى الأُخيْلية/مصطفى معروفيليلة انتظار/بدر شاكر السيابحدود العقل/خليل شيبوب ١٨٩٢م - ١٩٥١موصف الحرب/أسعد خليل داغر
أدب عالمي

لمسة/جيل ستيجمان – د.محمد عبدالحليم غنيم

امرأة مسنّة مبتسمة ترتدي بلوزة داكنة في خلفية غير واضحة.

   لم يُستعاد سوى عظمة واحدة. كانت عظمة يبلغ طولها حوالي أربع بوصات، ملفوفة في غلاف فقاعي واقٍ، وملساء كقطعة خشب جرفتها المياه. لم تكن ميريام تعرف من أي جزء من جسده جاءت تلك العظمة، ولم تسأل عن ذلك. كل ما عرفته هو أنها وُجدت في كمبوديا، وأن فحص الحمض النووي أثبت أنها تعود لـزوجها “لاري”.

     كانت عملية التنقيب طويلة وشاقة. توجب على الجهة المعنية بشؤون المفقودين في المعارك  التواصل مع الحكومة الكمبودية قبل أن يتمكن فريق يضم علماء أنثروبولوجيا جنائية، وأفراداً من الجيش الأمريكي، وعلماء آثار، من الحفر في الموقع الموحل الذي تحطمت فيه مروحية “لاري” من طراز “كوبرا”. كان أحدهم قد أرسل لها صورة لموقع الغابة النائي، فراودتها أحلام رأت فيها “لاري” داخل مروحيته وهي تهوي من السماء نحو الغطاء النباتي الأخضر الكثيف في الأسفل؛ أحلامٌ لم يقطع صمتها سوى صرير المعدن الملتوي وهو يدور خارجاً عن السيطرة.

     أخذت ميريام تدير العظمة برفق بين كفيها. عادةً ما تُحرق الرفات، لكنها أرادت ، بعد كل هذه السنوات، شيئاً ملموساً بين يديها لتشعر بثقله؛ وقد أقنعتهم بالسماح لها بالاحتفاظ بها.

    قالت: “هل يمكنني دفنه؟”

    ابتسم الملازم هولكومب وقال:

   “نعم، بالطبع يمكنك ذلك يا سيدة ستينسون. بعد خمسة وعشرين عاماً، يمكنك أخيراً دفن زوجك”.

  وعندما رأى نظرتها الجادة، تلاشت ابتسامته. مد يده نحو معصمها وقال:

 “أنا آسف، لم أدرك الأمر. لقد تزوجتِ مرة أخرى الآن، بالطبع”.

  “ثلاث مرات أخرى. لكن ليس الآن”.

      كانت يده متعرقّة، لكنها لم تسحب يدها بعيداً. شعرت بالأسف تجاه الملازم هولكومب؛ فقد كان متوتراً، وهو محق في توتره ذاك. لم يكن يتجاوز الثلاثين من عمره على أقصى تقدير؛ أي أنه كان في الخامسة من عمره فقط حين أُسقطت طائرة “لاري”. يا تُرى، ما الذي كانوا يظنون أنهم يفعلونه بإرسال صبي للقيام بمهمة تليق بالرجال؟

    “إذن، هذا كل شيء؟”

   كانت تتوقع بقايا هيكل عظمي كامل، أو جمجمة على الأقل.

   مسح الملازم هولكومب بيده على شعره المقصوص قصيراً واحمرّ وجهه خجلاً؛ فما قالته لم يكن ضمن السيناريو المتوقع.

 “سيُقام له حفل تأبين عسكري كامل.”

    أومأت ميريام برأسها شاردةً، متخيلةً نفسها تلعب دور الأرملة المكلومة في مناسبة كهذه. وتساءلت:

“مع إطلاق واحد وعشرين طلقة تحيةً له؟”

    شبّك يديه فوق الطاولة، وبدا عليه الارتياح لأن الأمر قد انتهى. وقال:

    “إذا كان هذا ما تريدينه.”

    أعادت لفّ العظمة بعناية ووضعتها مجدداً في الصندوق الكرتوني. كان المسؤولون عن ملف المفقودين قد اقترحوا عليها اصطحاب قريب أو صديق، لكنها لم تكن واثقة من ردة فعلها؛ فقد أرادت الآن أن تكون وحدها مع هذا الجزء من لاري. كانت بحاجة إلى كنيسة أو حانة، وربما كليهما.

    عندما كانت تجلس في المقعد الأمامي لسيارتها، أخرجت الصورة من حقيبتها. كانت تلك آخر صورة أرسلها لاري إلى المنزل، وقد وصلت قبل أن تتلقى نبأ اعتباره مفقوداً في المعركة. كان يقف بجوار مروحيته من طراز “كوبرا” يرتدي زي القتال المخصص للأدغال، رافعاً قبضته مع إبراز إصبعه الأوسط. وكُتب على ظهر الصورة: “إلى ميريام”. لم يرَ أحدٌ تلك الصورة، ولا حتى ابنتها “تيف”. ولم يقرأ أحدٌ غير ميريام الرسالة التي وصلت مع الصورة؛ وهي الرسالة التي كتبها بعد أن رداعلى رسالة منها .

    لا أستطيع أن أبدأ بعبارة “عزيزتي ميريام” لأنكِ لستِ كذلك. حين غادرتُ، وعدتِيني بالإخلاص. لكنكِ الآن سلبتِيني حياتي بأكثر مما فعل الجيش يوماً، لأنكِ سرقتِ روحي. لمستكِ سمٌّ زعاف. تتحدثين عن الحب، وأنتِ لا تعرفين عنه شيئاً. لا أصدق أنني هنا أقاتل من أجل عاهرات مثلكِ. لا أصدق أنكِ تحملين طفلتي، صغيرتي. لم تمنحينا حتى فرصة لنكون عائلة. إنها هي من أقاتل لأجلها.

     كانت الرسائل هي الرابط الذي يجمع بينهم الثلاثة. وقد وصلت الرسالة الأخيرة بعد الإبلاغ عن فقدان لاري؛ إذ كان قلقاً بشأن القصص التي قد تسمعها “تيف”. وكانت ميريام قد أطلعت “تيف” على تلك الرسالة حين بلغت العاشرة من عمرها.

    إذا لم أعد، أريدكِ أن تعرفي أنني… لم أكن قاتلاً. لم أكن لأقتل طفلاً أبداً. ولهذا السبب كتبتُ لكَ هذا؛ إنها قصة حقيقية.

    16 يونيو 1970

    كان عليّ أن أنقل نقيباً إلى منطقة نائية عند الحدود اللاوسية، في عمق أراضي العدو؛ حيث كان من المفترض أن يلتقي ببعض عملاء وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). كان مكاناً موحشاً ومريباً، يقع في قلب مناطق سيطرة “الفيت كونج”. لم يكن المكان يشبه بأي حالٍ المواقع التي تتواجد فيها عادةً وكالة الاستخبارات؛ فقد كان منطقةً مكشوفةً تتصاعد فيها الأتربة وتدور حول المنازل. هبطنا عند أطراف قرية خالية تماماً من البشر، باستثناء امرأة وطفلة صغيرة؛ كانتا تقفان عند مدخل أحد البيوت المسقوفة بالقش. دخل النقيب إلى أحد المنازل وتركني بجوار المروحية، بينما ظلت المرأة والطفلة واقفتين تحدقان بي، وكأنهما تنتظران مني القيام بشيء ما. ثم قالت المرأة شيئاً للطفلة ، التي بدت في الخامسة من عمرها، فبدأت الطفلة تمشي نحوي ويدها مخفية خلف ظهرها. لم تكن تبتسم ولا تبدو خائفة، لكنها كانت تتقدم نحوي مباشرة.

   جفَّ حلقي وشعرت بالغثيان. لقد حُذِّرنا من النساء والأطفال، وكيف أنهم قد يحملون قنابل يدوية. قبضتُ بقوة على بندقيتي وراقبتها عن كثب. واصلتْ هي التقدم حتى وقفت أمامي مباشرةً؛ كانت عيناها بنيتين واسعتين ووجهها في غاية البراءة واللطف. كانت تبتسم الآن وكأنها تخفي مفاجأة سارة، بينما تجمدتُ أنا في مكاني أمامها، واقعاً تحت سحرها. خطرت ببالي صور أولئك الرجال الذين أُعيدوا من الجبهة، وتذكرتُ جرحاً في البطن رأيته بنفسي؛ فبعضهم كان يعود أشلاءً ممزقة. لكنها كانت طفلة، ولم يسبق لي أن رأيت طفلة تنظر إليّ بتلك الطريقة.

   أخرجت الفتاة يدها ببطء من خلف ظهرها وأدت لي التحية العسكرية، واضعةً أصابعها عند جبينها. ثم أطلقت ضحكة خافتة وركضت عائدةً إلى أمها. جلستُ على الأرض وبكيت؛ كان من المفترض أن أقف في وضع الاستعداد العسكري، لكنني تركت سلاحي يسقط عن كتفي.

    حتى بعد مرور خمسة وعشرين عاماً، كان لا يزال بإمكان “ميريام” سماع صوت “لاري” الغاضب. كان الرجل الذي شاركته فراشها جندياً التقت به في مستشفى المحاربين القدامى، وقد فقد معظم ساقه اليسرى؛ كانت خطيبته قد هجرته، وكان يظن أن أي امرأة لن ترغب به مجدداً. حاولت هي أن تشرح لـ “لاري” كيف حدث الأمر: أنها إن لم تستطع لمس “لاري”، فقد كان بإمكانها ضم شخص آخر.

   أعادت الرسالة والصورة إلى محفظتها، وعثرت على قرص مدمج لآخر حفل موسيقي أحياه “جيم موريسون” داخل صندوق التخزين في لوحة القيادة. أنزلت زجاج النوافذ لتتمكن من سماع نغمات الغيتار الجنائزية لأغنية (هذه هي النهاية)، بينما كانت تهبط ببطء عبر المنحدرات المعتمة لمبنى المواقف، متجهةً نحو خيوط ضوء الشمس المتناثرة.

~ ~ ~

    كانت الحانة الواقعة في “الشارع السابع” هي الأقرب؛ ورغم صخبها، كانت تتمتع بجوٍ من السكينة. كانت الجدران مزينة بصور لمشاهير من عقدي الأربعينيات والخمسينيات، بينما كانت النوافذ الكبيرة تطل على ميناء سان دييجو وحركة القوارب. كانت أكبر سناً من الجميع هنا، مما جعل احتمالية الانخراط في محادثة مع الغرباء ضئيلة للغاية. وحين جلست، رمقها شابان بنظرات عابرة قبل أن يعودا لمناقشة الفروق بين خيارات الأسهم وخطط ” التقاعد. وللمرة الأولى، استمتعت بكونها امرأة في منتصف العمر تبدو “غير مرئية” للآخرين؛ فقد منحها ذلك فرصة للتنصت على أحاديثهما. طلبت مشروب “مارجاريتا” مع مكعبات الثلج، وراحت ترتشفه بينما تتأمل أرجاء المكان.

     كان بإمكانها دائماً العثور على قدامى المحاربين في حرب فيتنام داخل الحانات في أي وقت من اليوم. كان من السهل التقرب منهم، وكانت هي مستمعة بارعة؛ إذ كانت تسألهم عن التفاصيل الدقيقة: الكلمات الأخيرة لرفاقهم المحتضرين، وملامح الوجوه لحظة خروج الأرواح من الأجساد المهشمة. وفي النهاية، كانت تقدم لهم بطاقة عملها المطبوعة بخط مزخرف وأنيق:

“العلاج بالتدليك: لمسة الشفاء- تخصص: قدامى المحاربين”

    كانت تستخدم إبهاميها القويين للضغط على الأنسجة العميقة أسفل لوح الكتف، مع توخي الحذر الشديد نظراً لأن العديد من الإصابات القديمة كانت تتركز في تلك المنطقة الحساسة من الجسم. كانت تواصل عملها نزولاً، واضعةً إبهاميها على جانبي العمود الفقري، حتى تصل إلى منطقة الأرداف. فإذا كان الضغط مناسباً تماماً، يزول الشد العضلي المؤثر على العصب الوركي، وتتدفق القصص والحكايات.

    كانت قد تلقت تدريباً خاصاً في مستشفى المحاربين القدامى حول كيفية التعامل مع المشاعر المكبوتة؛ فالتدليك كان كفيلاً باستحضار أكثر الذكريات حيوية ووضوحاً. كانت تدرك المخاطر جيداً، إذ قد يفقد الرجال السيطرة على أنفسهم أو يشعرون بانفصال عن أجسادهم أثناء الجلسة، بل إن بعض المعالجين تعرضوا لهجمات من قبل عملائهم. لكنها كانت حذرة للغاية عند التعامل مع “نقاط الزناد” (trigger points) العضلية، لا سيما تلك المحيطة بالغدد الكظرية، وكانت تعرف تماماً مدى العمق المناسب للضغط على منطقة ما قبل الانتقال إلى منطقة أخرى. ولهذا، كان الرجال يثقون بها.

   كانت تودّ لو كانت  “تيف” ابنتها معها الآن، لكن ابنتها كانت مضطرة للعمل في ذلك اليوم، وقد أقنعت والدتها بأنها قادرة على تدبّر أمورها بمفردها. في هذه اللحظة، كانت “تيف” على الأرجح تمتطي عمود الرقص في ملهى “كيتي كات”، وتنزلق ببطء إلى الأسفل حتى تتباعد ساقاها في وضعية القرفصاء. حاولت “ميريام” تشجيعها على الالتحاق بالجامعة، لكن “تيف” كانت فتاة واقعية؛ فلماذا تذهب إلى الجامعة بينما يمكنها كسب خمسة آلاف دولار أسبوعياً من الرقص؟ كانت “ميريام” تحاول ألا تفكر فيما يدور بالضبط في أذهان الرجال وهم يشاهدون ابنتها، بينما كانت “تيف” تكتفي بالابتسام ورفع حاجبيها الجميلين كلما طُرح هذا الموضوع.

    قالت “تيف” في إحدى نقاشاتهما:

    “ما أفعله أقل خطورة بكثير مما تفعلينه أنتِ. لا أحد يستطيع لمسي، وإلا سينقضّ عليهم حراس الأمن فوراً”.

    ثم أمسكت بشعرها الطويل بقبضة يدها وربطته بشريط مطاطي لتثبته عالياً فوق رأسها.

    “لكن بإمكانهم تخيّل أمور عنكِ. ويمكنهم تتبعكِ إن أرادوا ذلك حقاً”.

    لم تجب “تيف” لدقيقة، إذ كانت تتفحص زوجاً من الجوارب الشفافة التي تنوي ارتداءها في العمل. وقالت:

    “مجرد النظر لا يضر يا أمي. وعلى أية حال، لم يحدث شيء حتى الآن”.

   كان الشاب الذي يجلس على يسار “ميريام” قد غادر وحلّ محله رجل أكبر سناً. بدا الوشم الباهت على ساعده أشبه بالثعبان. لم يكن يرتدي خاتم زواج. كان شعره مقصوصاً بأسلوب عسكري قصير، لكن ملابسه كانت أنيقة، وكان يحافظ على رشاقة جسده؛ ومع ذلك، كان هناك شيء من الحزن يكسو وجهه.

    قالت وهي ترمقه بنظرة جانبية: “مشاة البحرية أم البحرية؟”

   لم يكن الرجل من ذلك النوع الذي قد تختاره عادةً؛ فقد كانت ملامح وجهه حادة تشبه ملامح الصقر، وعيناه متهدلتين، وجلد رقبته تغطيه شبكة من التجاعيد العميقة.

  قال مشيراً إلى الوشم الذي وقعت عليه عيناها:

   “بحرية… حدث ذلك منذ زمن بعيد، حين كنتُ أحمق “.

  ابتسمت له قائلة:

   “تعلم أنه يمكنك إزالته الآن”

    وبدا أنه تجاوب مع ابتسامتها. كان ساعداه المشعران أكثر سمرةً من وجهه.

   ابتسم وقال:

   “أجل، أعلم ذلك. يمكن للمرء أيضاً الخضوع لحقن البوتوكس وعمليات شد الوجه. لكن هذا الوشم جزء من تاريخي، فلماذا لا أبقيه؟ أنا كال”.

   لعقت الملح عن شفتيها ومدت يدها الحرة لمصافحته مصافحةً خفيفة وقالت:

   “ميريام”.

     وظلت يدها الأخرى داخل حقيبتها، ممسكةً بالعظمة.

” ماذا تحملين هناك؟ مسدساً؟ هل تخافين مني؟”

  أجابت بعفوية قبل أن تتمالك نفسها:

   “لا، إنها عظمة. لقد حصلت عليها للتو”.

   هز كال رأسه وقال:

 “تحمل النساء أغرب الأشياء في حقائبهن”.

  ثم تراجع إلى الوراء متظاهراً بالفزع:

 “أليس هذا نوعاً من طقوس الفودو، أليس كذلك؟”

“لا تقلق. لقد التقيت بي  في وقت غير معتاد؛ فقد تسلمتُ للتو رفات زوجي. كان طيار مروحية في فيتنام، وأُسقطت طائرته في كمبوديا قبل خمسة وعشرين عاماً”.

وضع كال كأس البيرة ونظر إليها بتمعن وسأل:

      ” هل أحببتيه؟”

     “نعم. أكثر من أي رجل عرفته بعده”.

     تنقلت عيناه بين ملامح وجهها ويديها. بدا غارقاً في أفكاره، وتساءلت ميريام عما إذا كانت قد ارتكبت خطأً؛ فقد اعتادت ألا تفصح عن الكثير من تفاصيل حياتها الشخصية، إذ كانت هي من تتوق لسماع قصص الآخرين. لكن كال عاد ليبتسم مجدداً.

    قال: “لنذهب إلى مكان ما… مكان في الهواء الطلق حيث يمكننا التحدث”.

   عثرا على مقعد يطل على الميناء. تحسس “كال” ما تحت قميصه وأخرج قارورة صغيرة معلقة   بسلسلة حول عنقه، وقال:

    “أتفهم وضع زوجك؛ فأنا أحمل هنا بعضاً من رماد “ليندا”… لقد رحلت منذ عام الآن”.

      تجاهلت “ميريام” تسارع نبضها الطفيف. ألم يكن من الممكن أن يلعب القدر دوره أحياناً، فيجمع شخصين في ظروف غير معتادة، وكأن الأمر مقدّرٌ سلفاً؟ لم تكن “ميريام” ترغب في البقاء وحيدة في تلك اللحظة، بينما لم يكن موعد استراحة “تيف” قد حان بعد.

    انتقلا إلى مقعد في الظل، وبدأ “كال” يتحدث بصدق وجدية:

    “تعلمين، حين رأيتكِ في الداخل، أدركتُ أن بيننا قواسم مشتركة”.

     “حقاً؟ ظننتُ أنني أبدو في حالة سُكرٍ شديد”.

     لم تكن تتخيل أنها تبدو جذابة؛ فشعرها الطويل الممزوج بخصلات رمادية كان مشدوداً إلى الخلف ومصففاً على هيئة ضفيرة فرنسية قديمة الطراز. لقد توقفت عن النظر إلى صورتها ، إذ كانت تشعر بالرعب من تلاشي بروز عظام وجهها وارتخاء عضلاته التدريجي. كانت قد قررت، حين بلغت الخامسة والأربعين، أن تتقبل تقدمها في العمر بثقة وألا تلجأ إلى إجراء أية عمليات تجميل لإخفاء ذلك. لم تجد صعوبة في جذب الرجال من فئتها العمرية أو حتى الأصغر سناً؛ فقد كان من المدهش رؤية ذلك العدد الكبير من الرجال الذين يفضلون امرأة أكبر سناً لتقوم بمهمة التدليك.

    مدّ “كال” ذراعه خلفها مستنداً إلى ظهر المقعد وقال:

 “لنبدأ من البداية إذن. ماذا تفعلين حين لا تكونين في الحانات؟   “

    أجابت:

   “أنا أخصائية تدليك، ومتخصصة في علاج المحاربين القدامى”.

   أخرجت بطاقة عمل من حقيبتها وناولته إياها، ثم أضافت:

  “أمارس تدليك الأنسجة العميقة وأعالج الإصابات القديمة” 

   ألقى “كال” نظرة سريعة على البطاقة ووضعها في جيب قميصه.

  “لا بد أن لديكِ الكثير من الزبائن. هل سيكون لديكِ وقتٌ لي؟”

  ترددت “ميريام”؛ فلطالما كانت الأمور تبدأ على هذا النحو. فبعد انتهاء زيجتها الثالثة الفاشلة، حاولت ابنتها “تيف” التحدث إليها قائلة: “أنتِ بحاجة إلى مساعدة يا أمي. واجهي الحقيقة: باستثناء أبي، أنتِ تختارين دائماً رجالاً فاشلين”.

 قالت:

   “عليّ أن ألتقي بابنتي، كما أنني لا أحمل معي طاولة التدليك أو الزيوت”.

  فقال:

   “لستُ بحاجة إلى أي شيء متكلف. وأنا أقيم هنا في المرسى، على متن قاربي”. “إنها على بعد خمس دقائق فقط.”

    ضحكت ميريام، تغمرها السعادة لحداثة الموقف؛ فقد قررت اليوم أن تتبع حدسها. إنه محارب قديم، ويحمل رماد جثمان زوجته في قارورة صغيرة تتدلى حول عنقه… فما الذي يدعو للخوف إذن؟

    أمسك بيدها وهما يسيران بمحاذاة الرصيف البحري، مارّين بجوار الهياكل الضخمة لسفن الرحلات البحرية، حتى وصلا إلى المرسى حيث كان قارب “كال” رابضاً. وقف بجوار قارب شراعي (من طراز “سلوب”) يبلغ طوله أربعين قدماً وله هيكل أخضر، وترك لها المجال لتصعد على متنه أولاً. وضع يده على وجهها ثم مررها لأسفل نحو خصرها، وضَمَّها إليه بقوة جعلتها تشعر بملامسة القارورة لعظمة صدرها.

    تبعته إلى داخل القارب؛ كانت الأجواء في الأسفل مظلمة لكنها حميمية، وبدت مألوفة لها؛ فهكذا بدأت جميع علاقاتها السابقة. كان كل ما يهمها هو أنهم يرغبون بها. ولماذا لا يمكن للعلاقات أن تنشأ مع غرباء تماماً؟

    دخلا إلى المطبخ الصغير ثم تحركا نحو منطقة النوم. جلسا على حافة السرير وتشابكت أيديهما للحظات دون أن ينبسا ببنت شفة. كان القارب يتأرجح برفق ويصدر صريراً خافتاً، واستطاعت أن ترى خطاً من المياه الآسنة (المختلطة بماء البحر) يتخلله لون أزرق عبر النافذة الدائرية الصغيرة التي تعلو رأس “كال”.

    جثت على ركبتيها أمام “كال” وفكت أزرار قميصه، ممسدةً صدره. ثم خلعت القميص عنه وساعدته على الاستلقاء على السرير. وبينما كانت لا تزال جاثية، خلعت حذاءه ورفعت ساقيه لتستقرا فوق السرير. طلبت منه أن يستلقي على بطنه، فلاحظت وجود ندبة عند أسفل عموده الفقري. لمستها برفق وقالت:

     “أخبرني عن إصابتك لأعرف كيف أتعامل معها”.

“كنا نقود مروحية من طراز ‘هيوي’ لانتشال بعض الجرحى، وهبطنا بقوة شديدة…” “لقد سحق ذلك عدة فقرات في عمودي الفقري.”

    أغمضت عينيها وتركت أطراف أصابعها تتحرك بحركات دائرية فوق جسده للحظة. جثت على ركبتيها فوق السرير عند مستوى رأس “كال” ومررت يديها على طول ظهره. كان ملمس جلده يمنحها شعوراً بأن هذا هو أفضل ما يمكنها فعله في تلك اللحظة. أغمضت عينيها وراحت تحرك يديها صعوداً وهبوطاً على ظهره، مع زيادة الضغط تدريجياً في كل مرة، حتى سرت حرارة جسده إلى أطراف أصابعها. كانت هناك نتوءات في بعض المواضع، لكن الجلد كان ينبض بالحياة. كان بإمكانها التواجد مع شخص ما دون الحاجة إلى الكلام… أو الاستماع. وسرعان ما بدأ هو بالحديث، بينما راحت هي ترسم أنماطاً على ظهره، وتضغط بعمق أكبر مستخدمةً مفاصل إبهاميها القويين.

   شرع يتحدث عن تجربته. كانت قد أصبحت تفهم لغة الاختصارات العسكرية: مروحيات “هيوي” (Hueys) و”سرية تشارلي” (Charlie Company)، وعرفت أن “ARVN” تشير إلى القوات النظامية الفيتنامية الجنوبية. وفي أغلب الأحيان، لم يكن المحاربون القدامى يتذكرون حتى أسماء الرجال الذين قاتلوا بجانبهم. تحدث “كال” عن تكديس جثث جنود الجيش الفيتنامي الجنوبي الملطخة بالدماء داخل المروحية، وكيف كانت سوائل الجثث تسيل وتتطاير بفعل الهواء داخل قمرة القيادة لتلطخ الجميع، وكيف ظلت تلك الرائحة عالقة به.

“وماذا عن هذا؟”

تساءلت “ميريام” وهي تمرر إبهامها برفق حول الندبة الموجودة في أسفل ظهر “كال”.

   قال:

   “حدث ذلك في الوقت نفسه. لقد تعرضنا لانفجار صاروخي أصاب إحدى مراوح المروحية.” “لقد كان هبوطي عنيفاً، وكدتُ لا أنجو منه.”

      تحسست الفقرات بحذر ،  فأضاف :

     ”  لقد وضعوا لي مسماراً تثبيتياً هناك الآن.”

     كانت مقصورة القارب الصغيرة تفوح برائحة أبخرة البنزين وزيت الطهي. نظرت نحو السلم المؤدي إلى السطح، حيث كانت خيوط ضوء الشمس تتسلل لتكشف الزوايا المظلمة. خشيت أن تُذكّره تلك الأبخرة والضوء بروائح المعركة وبأضواء المروحيات الكاشفة الحادة التي كانت تمشط المنطقة في مهمات “البحث والتدمير”. كانت تترقب علامات الخطر ، كسرعة النبض والتعرق وتصاعد القلق ، التي قد تشير إلى أنه يعيش أجواء المعركة فعلياً، أو أنه فقد السيطرة على جسده. وأخيراً، هدأ؛ لقد روى القصة، لكنه لم يعش تفاصيلها المؤلمة مجدداً.

   أدارته نحوها ونظرت في عينيه؛ لم ترَ فيهما سوى الحزن. أيقنت أن بإمكانهما الاستمرار. رفع ذراعيه وداعب فخذيها، ثم دفعت يداه تنورتها للأعلى وانتقلتا إلى قميصها.

    “أظن أنك مستعدٌ للجزء التالي”،

   قالت ذلك وهي تداعب باطن فخذيه وبطنه، ثم تصعد بحركةٍ متجهةٍ للخارج نحو عنقه، وتُثبّت راحتيها على عينيه للحظة.

    بعد ذلك، استلقت بجانبه وهي تداعب رأسه. سرعان ما غطّ في النوم؛ وكان جلد عنقه يتحرك صعوداً وهبوطاً مع أنفاسه. سكن القارب الآن في هدوء ما بعد الظهيرة، وخارج كوى القارب، كانت بقع ضوئية صغيرة تتراقص على سطح الماء. نهضت وقد غمرها الانبهار وصعدت الدرج. لم تكن تقصد أن يحدث هذا؛ لم تكن تقصد ذلك أبداً، ولا حتى في المرة الأولى.

~ ~ ~

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية