رثاء اللقاء / سميرة جدي -الجزائر

لم يعد أحد يعرف متى اختفت مظاهر اللقاء.
لم يكن هناك إعلان رسمي، ولا يوم حداد، ولا خبر عاجل يتناقله الناس. اختفت ببساطة، كما تختفي الأشياء التي اعتدناها كثيرًا حتى نظن أنها لن تغادرنا أبدًا.
كان جدي يقول إن العائلة كانت تجتمع قديمًا حول مائدة واحدة. نستغرب… نضحك من قوله أحيانًا.
مائدة واحدة؟
كان الأمر يبدو لنا أشبه بحكاية أسطورية من زمن بعيد؛ زمن كان الناس فيه يتركون هواتفهم جانبًا، ويتبادلون الأخبار بأصواتهم بدل أن يكتبوها في مجموعات تواصل العائلة.
في بيتنا، كانت غرفة الجلوس لا تزال موجودة، والأريكة تتسع للجميع، والمائدة تكفي لثمانية أشخاص، لكن أحدًا لم يكن يجلس إليها.
الأب يأكل أمام شاشة الحاسوب.
الأم تتناول عشاءها وهي تتابع مسلسلًا.
الأخ الأكبر يتحدث إلى أصدقائه في غرفة مغلقة.
الأخت تضحك على مقطع قصير لم يره غيرها….
أما الصغير، فكان يأكل بيد، ويمسك هاتفه باليد الأخرى.
كنا نعيش تحت سقف واحد، لكن كل واحد منا كان يسكن عالمًا منفصلا لا يصل إليه الآخرون.
في إحدى الأمسيات، جلس الجد وحده إلى المائدة.
وضع أمامه ستة أطباق، سألته أمي: لماذا كل هذه الأطباق؟ نحن لسنا جائعين.
ابتسم وقال: أعرف.
إذن لماذا؟
أجاب وهو ينظر إلى المقاعد الفارغة:
لأنني لا أريد أن أنسى شكل لمة العائلة.
ضحكنا دون أن نحاول فهم ما يقول:
في اليوم التالي، مات الجد…
لم نكن حوله حين لفظ أنفاسه الأخيرة.
كان أبي في اجتماع عبر الإنترنت، وأمي في المطبخ تشاهد مسلسلها، وأخي منشغلًا بهاتفه، وأختي نائمة.
وجدناه بعد ساعات…ز
وعندما اجتمعنا أخيرًا حول جسده، أدركنا شيئًا غريبًا.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات نجلس فيها جميعًا في مكان واحد.
لم نتحدث…لم يحتج أحد إلى هاتف ولم نعرف حتى ماذا نقول في مثل هذا الموقف.
كانت الجثة في وسطنا، وكأن الموت نجح فيما فشلت فيه الحياة…جمعنا ولم شمل العائلة.
بعد الدفن، عثرنا في غرفة الجد على دفتر صغير.
فتحناه.
كانت الصفحات مليئة بتواريخ وأسماء.
كتب في إحدى الصفحات:
«اليوم اجتمعنا جميعًا على العشاء»
وتحتها.
«اليوم لم يجتمع أحد»
ثم صفحات أخرى:
«الأحد: جاء الأولاد»
«الخميس: لم يأت أحد»
«العيد: كانوا هنا، لكنهم لم يكونوا معي»
توقف أبي طويلًا عند الجملة الأخيرة.
ثم قلب الصفحة.
كانت هناك عبارة وحيدة:
«أخشى أن يأتي يوم يصبح فيه اللقاء ذكرى، فيرثيه الناس بدل أن يعيشوه»
أغلق أبي الدفتر…. وفتح باب الحوار.
للمرة الأولى منذ سنوات، قال:
ما رأيكم أن نتعشى معًا الليلة؟
نظرنا إليه باستغراب.
سألته أمي بتأييد:
دون هواتف؟
هز رأسه.
جلسنا حول المائدة.
خمسة أشخاص…. وستة كراسٍ
كرسي الجد بقي فارغًا.
في البداية، كان الصمت ثقيلًا.
ثم بدأت أمي تتحدث، تحدث أبي…ضحك أخي، حكت أختي شيئًا لم نكن نعرفه عنها.
واكتشفنا، وسط دهشتنا، أننا لا نعرف بعضنا كما كنا نظن.
تلك الليلة لم نعد للماضي، لكننا أدركنا أننا كنا على وشك أن نصبح الماضي نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، صارت المائدة موعدًا ثابتًا.
لم نكن نستعيد الزمن القديم.
كنا نحاول فقط أن ننقذ ما تبقى من اللقاء.
أما كرسي الجد، فلم يشغله أحد.
بقي فارغًا…لا حدادًا عليه وحده، بل رثاءً لزمنٍ كان الناس فيه يلتقون قبل أن يتساءلوا
كيف نتواصل؟
فقط كانوا يلتقون… ببساطة المعنى والمراد اللقاء.



