تمائم الحقائق/سميرة جدي – الجزائر

لم يكن أكثر ما يؤلمه أن الناس يكذبونه، بل أن الحقيقة كانت كلما خرجت من فمه فقدت شيئًا من نقائها، واحتاجت إلى عمر كامل كي تجد أذنا تستقر فيها، حتى تصل إلى الآخرين شبحًا لا يشبهها.
كان يشعر أن الحقائق كائنات هشة، تموت في الطريق بين القلب واللسان، ثم تُدفن في آذانٍ أغلقتها القناعات قبل أن يطرقها الصوت.
في البداية اتهم اللغة بالخيانة، أو أن المشكل في الكلمات، فجمع أجمل العبارات وتعلّم البلاغة، ونقّح جمله، وحذف كل كلمة تحتمل التأويل. كان يظن أن الحقيقة إذا ارتدت ثوبًا بديعًا ستجد من يستقبلها، فصقل جمله حتى صارت تلمع كالبلور.
لكن الحقيقة كانت تعود إليه في المساء، متعبة، ممزقة، كمسافر طرده الجميع من الأبواب. يصعب عليه حملها من فرط ثقلها في حين كانت الأكاذيب خفيفة تطير على ألسنة الناس كحبوب لقاح تزهر في كل رأس.
ثم اتهم صوته. وظن أن المشكل فيه، رفعه حتى صار صراخًا، وخفضه حتى غدا همسًا، وألقاه مرة ببرودة العلماء، ومرة بحرارة العشاق، ومرة بحياد القضاة. وفي كل مرة كان يرى الحقيقة نفسها تتبدل في عيون الناس، كأنها تتشكل على هيئة من ينظر إليها، لا على هيئة ما هي عليه.
حينها بدأ يصنع تمائمه.
حمل وثائق تثبت صدقه، ورسائل، وصورًا، وشهودًا، وأرقامًا، وكلما أضاف دليلًا شعر أن الحقيقة أصبحت أضعف، كأنها لم تعد قادرة على الوقوف وحدها.
ومع الأيام، لم يعد يحمل الحقيقة…. بل لم يعد يشعر بضغط الحقيقة وحدها، بل بضغط الدفاع عنها، أدرك أن الألم يكمن في الاضطرار لأثباتها وحمل وسائل إقناعها.
كان الكاذب يكتفي بثقةٍ لا يملكها، أما هو فكان يجر وراءه قافلة من البراهين، ومع ذلك يصل متهمًا.
ذات مساء، عاد إلى بيته بعد نقاش طويل خسره، لا لأن منطقه انهزم، بل لأن الضجيج كان أعلى من الحقيقة.
وقف أمام المرآة…. لم ير وجهه كعادته.
رأى رجلًا تتدلى من عنقه تمائم لا تُحصى؛ شهادة هنا، وصورة هناك، وذكرى، وندم، وجملة كان يتمنى لو قالها بطريقة أخرى. كانت كلها تلمع، لكن ينقصها النور.
سأل انعكاسه:
كم تميمة يحتاج الصدق ليصبح مقنعًا؟
ظل السؤال معلقًا في الزجاج، بينما سقطت من عينه دمعة لم تكن حزنًا، بل إنهاكًا.
وفي تلك اللحظة أدرك ما لم تعلمه له سنوات الدفاع عن الحقيقة:
أن بعض الناس لا يرفضون الحقيقة لأنها ناقصة، بل لأنها كاملة أكثر مما يحتملون.
خرج من بيته خفيف اليدين. ترك وراءه الوثائق، والصور، والشهادات، وكل التمائم التي صنعها خوفًا من ألا يُصدَّق.
احتفظ بشيء واحد فقط…
بالحقيقة.
ولأول مرة، شعر أن أثقل ما في الحقيقة لم يكن حملها…
بل الاعتقاد بأنك مسؤول عن إقناع العالم بها.



