من طين إلى حين/سميرة جدي -الجزائر

خرج إلى الدنيا باكيا، لكنه كان يجهل أن بكاؤه الأول كان بمثابة الإعلان عن بداية رحلة لا عودة منها إلى المكان الذي جاء منه.
علّموه أنه خلق من طين، وضحك حين كان طفلا غير مدرك كيف للطين أن يتحرك ويحلم ويتكلم…. يكبر ويتطور حتى صار يكره أن يذّكروه بأصله، فراح يستر ذلك الطين بألقاب ومناصب مرموقة وثياب فاخرة، حتى ظن أنه صار أي شيء ماعدا أنه طين.
أحب… فاكتشف أن الحب دائرة تهدم فيها القلوب كما تبنى.
حارب… فأدرك أن المنتصر حاله حال المنهزم، كلاهما يحمل جراحا، غير أن أحدها جراحه تُرى والآخر لا يراها أحد.
جمع… ورغم امتلاء خزائنه إلا أن قلبه لا زال يطمح إلى شيء لم يعرض للبيع بعد.
ورغم أن مرآته شهدت تغيرات وجهه المستمرة، إلا أنه لم يتفطن إلى أن الزمن هو الذي يتغير ويسلب من عمره أقساطا كما يقتطع الفخار من عجين الطين لصنع شكل جديد.
وفي يوم مر بجنازة شخص يجهله… نظر إلى النعش برهة ثم أكمل طريقه وكأن الموت حالة لا تخصه في تلك الآناء.
مرت سنوات وجاء دوره ليكون هو داخل النعش، بينما مر شاب آخر بجنازته رمقها بنفس العين في ذلك الحين وأكمل طريقه.
كانت فعلته هو من قبل… وهنالك اكتملت الحلَقة، واستعادت الأرض ما أعارته للحياة من طين.
أما السماء، فلم تنظر إلى لون بشرته، ولا إلى رقم ممتلكاته، ولا شهاداته وألقابه
ولا حتى لصدى اسمه بين الناس، بل نظرت إلى ما زرع في ذلك الزمن القصير الذي منح له.
فالإنسان ليس حالة تبدأ بالولادة وتنتهي بالوفاة، بل هو حفنة من طين أعطيت فرصة لتثبت ما تستطيع الروح أن تقدم، وأن تلك الروح كانت جديرة بحفنة الطين تلك.
وبين القبضة الأولى والقبضة الثانية من التراب الذي ينهال على قبره…. كان هناك حين…. رغم قصر مداه…لكنه يكفي ليخلد إنسانا أو يدفن إنسانا.





