الحبر من شرياني/سميرة جدي -الجزائر
كان مطالبا من الجميع أن يكتب، الصحف تطلب مقالا، ودور النشر تطلب رواية والجمعيات الثقافية تدعوه لإلقاء محاضرات عن سر الإبداع.
كانوا ينظرون إلى الرجل صاحب الستين عاما بوصفه الكاتب المحظوظ الذي عرف كيف ينقش اسمه بخيوط من ذهب، بينما لم يكن هو يرى في نفسه سوى شاهد استطاع أن ينجو من حوادث كثيرة لكنها تركت الأثر بداخله.
لم يكن الحب للكتابة هو الدافع لها، بل لأنه لم يجد وسيلة غيرها ليمنع ذاكرته من الانفجار، فقد كان الإبن البكر لأسرة فقيرة. والده توفي وهو في بداية مراهقته مما جعله يترك مدرسته ليعمل كأجير في ورشة نجارة، ثم في سوق الخضار، ثم حارسا ليليا. وفي كل عمل كان يرى من الناس ما يكفي لتدوين العديد من المؤلفات، غير أنه لم يكتب شيئا، ببساطة لأنه كان في اعتقاده أن الحياة تعاش ولا تكتب.
حتى جاءت الليلة التي ماتت فيها والدته… الحبيبة الغالية.
عاد إلى البيت بعد الانتهاء من مراسم الدفن، جلس قبالة سريرها الفارغ، لم يجد من يبكيها أمامه، حتى دموعه أبت أن تحمل ما في داخله. لم يشعر إلا وهو يتناول ورقة وقلما، لا لتأليف قصة أو تنظيم شعر، بل ليحفر اسمها…. ثم توقف.
وانهمرت الكلمات بدلا من الدموع، كما ولو كانت محجوزة تنتظر لحظة التحرر.
كتب وكتب حتى أسفر اليوم الجديد عن خيوطه. ولما أعاد قراءة ما كتبه، لم يجد رثاءً لأمه، بل كان ما كتب عمراً كاملاً لم ينتبه أنه كان يحمله فوق كتفيه.
وكانت البداية للكتابة كلما فقد شيئا، حين خانه صديق، كتب.
وحين سلم ابنته لعريسها، كتب.
وحين أكلت الغرغرينة اصبعه الذي بتر، كتب.
والأغرب أنه حتى عندما ضحك من قلبه لأول مرة منذ سنوات، كتب وكأن إطلاق الضحكة البكر …. فقدٌ أيضا.
كان يشعر أن الأحداث لا تكتمل إلا إذا مرت عبر الورق، وكأن الكتابة ليست تسجيلا للحياة، بل الطريقة المثلى لفهمها.
ذاع صيته وتداولته القنوات التلفزيونية… وفي كل مرة كان المذيع يطرح السؤال نفسه: من أين تأتي بكل هذه الأفكار؟
كان يجيب مبتسما بجملة عامة عن القراءة والتجربة، لأنه كان يعلم أن الحقيقة لن تروق لأحد. كيف لا والجميع يتخيل أن الكاتب ساحر يصنع العوالم من الخيال، بينما الحقيقة أن معظم الكتاب لا يخلقون شيئا… إنما ينقذون ما أوشك ان يضيع من ذاكرتهم.
وفي إحدى الندوات الثقافية، تقدم منه شاب يحمل مسودة روايته الأولى وقال بحماس: أستاذي، أريد أن أكتب مثلك، دلني على نوع القلم الذي تستخدمه.
نظر إليه طويلا، ثم طلب منه الجلوس.
قال له: كم مرة خسرت عزيزاً؟
استغرب الشاب السؤال ثم أجاب: لا أدري… لم أفقد عزيزا بعد.
وكم حلما دفنته بيديك؟
هز رأسه بالنفي.
وكم مرة اصطنعت الابتسام حتى لا ينهار من حولك؟
ساد الصمت.
أغلق الرجل المسودة وأعادها إلى الشاب برفق ثم قال:
لا أملك قلما مختلفا، الذي يختلف هو الثمن.
ظل الشاب ينظر إليه دون أن يفهم.
فرفع الكاتب كفه وقد بدت عروقها نافرة تحت الجلد وقال بصوت خافت:
الجميع يظنون أنني أملأ قلمي بالحبر كلما فرغ… لكنهم لا يعلمون أن كل كتاب نشرته أخذ مني شيئا لن يعود. كل قصة انتزعت ذكرى، وكل رواية استهلكت عمرا، وكل صفحة كانت تعيد فتح جرح ظننت انه التأم.
ثم ارتسمت على محياه ابتسامة شاحبة وأضاف:
لهذا لا أسأل يوميا: كم كتابا كتبت؟ بل أسأل: كم بقي مني بعد كل كتاب؟
خرج الشاب يحمل مخطوطه كما دخل، لكنه لم يعد يبحث عن القلم السحري، ولا عن دار النشر ولا عن الوصفة المفقودة للنجاح.
أما الكاتب، فقد بقي وحده في القاعة، يمرر أصابعه على عروقه الزرقاء ويتمتم كأنه يحدث نفسه:
لقد أخطأوا جميعا…
لم يكن الحبر يوما في محبرتي…
فقد كان الحبر…. من شرياني.




![AI-THE ULTRA CULTURE:THE ‘JINN’[GENIE] FROM ALADDIN’S LAMP/DR JERNAIL S ANAND 5 IMG 20260313 WA003416](https://i0.wp.com/mj-iq.com/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20260313-WA003416.webp?resize=390%2C220&ssl=1)

