القصة القصيرة
بيني و بين ظلي – سميرة جدي – الجزائر

كل ليلة ، حين يندس الجميع تحت لحافهم ليخلدوا للنوم ، أجلس قرب النافذة و أترك الضوء الخافت خلفي ، فقط لكي يتجلى ظلي على الجدار المقابل .
لا أعلم متى بدأت اعتياد هذا الأمر ، لكني أعلم أنني لم أعد أخافه .
كان ظلي يشبهني تماما …
غير أنه أكثر صدقا .
في النهار ، أرتدي العديد من الوجوه .
وجه الإبن المطيع .
وجه الصديق المرح .
وجه المتعب الذي يردد دائما ….أنا بخير .
لكن الليل كان يسحب تلك الوجوه الواحد تلو الآخر و يتركني لوحدتي أمام نفسي و أمام ظلي .
كنت أحدق فيه طويلا ، فأشعر أنه يعرف كل شيء أخفيه ، يعرف الغضب الذي أبتلعه كي لا أجرح أحدا .
يعرف الكلمات التي لم أقلها خوفا من الندم .
يعرف كم مرة ابتسمت فقط حتى لا يسألني أحد عما يؤلمني .
في إحدى الليالي ، قلت له هامسا :
- هل تكرهني ؟
ظل ساكنا فوق الجدار ، ثم بدا لي و كأنه يهتز مع لهب المصباح .
أغمضت عيني و تابعت : - أنا أكره ضعفي …. أكره خوفي … أكره أنني كلما حاولت الهروب من الماضي ، عاد إليّ في أبسط الأشياء ، في أغنية قديمة ، أو رائحة عطر ، أو شارع مررت به يوما مع شخص لم يعد هنا .
شعرت بشيء ينكسر بداخلي .
لأول مرة لم أكن أتحدث مع ظل … بل مع نفسي .
اعترفت له بأنني متعب .
متعب من التظاهر بأنني تجاوزت كل شيء .
من دفن مشاعري تحت الصمت .
من إقناع الناس أن البرود قوة ، بينما هو في الحقيقة تعب طويل .
كان الظل يكبر فوق الحائط كلما تكلمت ، كأنه يتغذى من اعترافاتي .
ثم فجأة أدركت أمرا غريبا .
الضوء لا يصنع ظل الانسان فقط ، بل تصنعه أيضا الأشياء التي يخفيها في داخله .
و حينها شعرت بخفة لم أعرفها من قبل .
نظرت إلى الجدار مرة أخيرة ، فوجدت ظلي هادئا مستقرا ، لا يبدو مخيفا كما كان دائما .
كأنه كان ينتظر مني اعترافا واحدا فقط … كي يتوقف عن مطاردتي .
تجرأت أخيرا و قلت ساخرا : - ما لذي تنظر إليه ؟
أجابني بصوت يشبه صوتي تماما . - أنا أنظر إلى رجل يتقن الهروب .
ضحكت ببرود :
-و أنا أنظر إلى مجرد ظل .
رد فورا :
-و أنا أظن أنك مجرد قناع .
ساد الصمت للحظة .
شعرت بالاختناق لكنني تماسكت و أجبت :
-على الأقل أنا أعيش بين الناس ، أما أنت فلا وجود لك دوني .
رد الظل : بل أنت من لا وجود له دون كل تلك الوجوه التي ترتديها أمام الآخرين اقتربت من الجدار غاضبا :
-ماذا تريد مني ؟
-أن تتوقف عن الكذب و ادعاء الصدق .
-أنا لا أكذب .
-حقا ؟ … حين يقولون لك كيف حالك ؟ و تجيب ” بخير ” .ماذا تسمي ذلك ؟
أشحت بوجهي .
قال بنبرة أكثر حدة :
-لماذا تخفي غضبك دائما ؟
صرخت :
-لأن لا أحد يتحمل حقيقتي …
ضحك الظل ضحكة قصيرة باردة .
-بل لأنك تخاف أن يراك الناس ضعيفا .
-الضعف عار .
-لا … التظاهر بالقوة هو العار .
شعرت بأن الغرفة تضيق حولي .
قلت مستهينا محاولا فض الحوار .
-أنت مجرد جزء مظلم مني .
فأجاب : لكني الجزء الصادق .
ارتجفت يداي . - الصدق لا يجعل الانسان سعيدا دائما .
- لكنه يجعله حقيقيا .
اقترب ظلي أكثر فوق الجدار ، حتى بدا كأنه يقف أمامي وجها لوجه .
ثم قال بهدوء قاتل :
اخبرني …كم مرة قلت ” لا يهم ” بينها كان الأمر يحطمك ؟
كم مرة سامحت فقط لأنك تخشى الوحدة ؟
كم مرة ضحكت كي لا تبكي ؟
لم أجب ….
لأول مرة ، شعرت أنني الطرف الأضعف في الجدال ،… همست - و لماذا تظهر الآن ؟
قال :
-لأنك تعبت من دفني بداخلك .
جلست على الأرض بصمت ، بينما بقي ظلي واقفا بشموخ .
لا منتصر بيننا …. و ربما لا منهزم .
فأنا و هو لم نكن شخصين مختلفين أبدا … بل حقيقة واحدة …. تحاول أن تواجه نفسها .





