مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

هزيم الصمت✍ سميرة جدي -الجزائر

Copilot 20260523 165415 300x300 1

توفي الأب بعد نوبة قلبية مفاجأة، دفن الرجل… وقفت ابنته ريم أمام قبره تضع باقة من الزهور الذابلة وتحدق في الاسم المنقوش على الرخام.

لم تبك…كانت دموعها قد استنزفت منذ سنوات، منذ ان كان حيا يرزق.

انحنت على القبر وهمست لعل والدها يسمعها لأول مرة: *لو صرخت في وجهي مرة واحدة فقط… لربما بقيت أبي. *

رغم أن ذلك كان همسا إلا أن صداه ارتد بين القبور   كإصرار عنيد.

قبل خمسة عشر عاما، لم يكن والدها رجلا قاسيا، بل كان رجلا يؤمن أن الصمت أكثر حكمة من الجدال.

عندما أخبرته زوجته أنها تشعر بالإهمال والوحدة، اكتفى بالصمت.

عندما بدأت الشائعات تطارد ابنته المراهقة بسبب صورة مفبركة نشرها أحد زملائها، لم يواجه أحد، بل لزم الصمت متحججا بأن الأيام كفيلة بكشف الحقائق.

ويوم اتهمه شقيقه بسرقة ميراث العائلة، لم يواجهه أو يناقشه، فقد اختار الصمت حتى لا يتطور الأمر إلى قطيعة. فقد كان يظن أنه بذلك يحفظ العلاقات.

لكنه في الحقيقة كان يوئدها حية.

تتالت الشهور، غادرت زوجته البيت وهي تنتظر لحظة أن يوقفها عند الباب ويترجاها أن تعدل عن قرارها.

لم يفعل…. كان يخشى على كرامته من التوسل، أما هي فقد كانت تنتظر فقط كلمة *ابقي…لا ترحلي*… تلك الكلمة التي أبت أن تخرج من بين شفتيه.

فأغلقت الباب خلفها إلى الأبد.

مرت سنوات، كل مرة كانت ريم تحاول فيها أن تخبر أباها بحقيقة الصورة التي دمرت سمعتها، وأن ابن عمها نفسه هو من نشرها.

كانت تدخل عليه مرتبكة مرتجفة قائلة: *أبي… أريد أن أحدثك. *

يرفع عينيه نحوها ثم يعود إلى كتابه بصمته المعهود.

فسرت ريم صمته على أنه اتهام، في حين فسر هو مغادرتها الغرفة على أنها عناد.

هي دقائق معدودة ضاعت خلالها سنوات كاملة من الثقة، لم تجرأ بعدها ريم على التحدث إلى أبيها مجددا.

أما شقيقه الذي اتهمه بسرقة الميراث فقد مات بحادث سير قبل أن تنكشف حقيقة براءته.

جلس الأب يومها وحيدا في غرفته… لم يبك، فحتى الحزن اعتاد أن يعيشه بصمت، لكن شيئا ما بداخله انكسر إلى غير رجعة.

كبرت ريم، تزوجت وأصبحت أما لأطفال ومع ذلك لم تزر أباها إلا مرات معدودة تجلس فيها وجهها في وجهه لساعات طويلة يتبادلان فيها أكواب الشاي ونظرات الصمت.

صمت يشبه جنازة لعلاقة لم يعلن وفاتها رسميا بعد.

وفي ليلة شتاء باردة، سقط الأب مريضا، أحست ريم بأن النهاية تقترب، هرعت إلى المستشفى أين وجدته موصولا بالأجهزة يلتقط أنفاسه بصعوبة.

للمرة الأولى في حياتها قررت أن تواجهه.

أمسكت يده وقالت وهي تبكي: * لماذا لم تدافع عني؟ … لماذا تركت أمي ترحل؟

لماذا تركتنا جميعا نغرق وحدنا؟

فتح عينيه بصعوبة وهو يحاول إخراج الكلمات من فمه.

لأول مرة في حياته يحاول أن يكسر جدار الصمت ويقول كل ما خبأه.

تحركت شفتاه المرتجفتان، لكن الصوت لم يخرج.

ثم توقف كل شيء.

شعرت ريم بالغضب من الموت… لأنه لم يأخذ منها أباها فقط. بل حرمها الإجابات أيضا.

لم يعرف أحد أبدا ما الذي كان يريد قوله في لحظته الأخيرة.

هل كان اعتذارا؟ …تبريرا؟ أم اعترافا بالخطأ؟ .

بقي السؤال معلقا في الهواء كجرح لم يلتئم.

مرت سنوات أخرى.

ماتت والدتها، تفرقت الأسرة وبيعت الدار القديمة.

وقفت ريم أمام البيت الذي نشأت فيه قبل أن يهدم بأيام.

كانت الجدران متشققة والسقف آيلا للسقوط.

تأملت المكان طويلا.

ثم أدركت فجأة أن البيت يشبه ساكنيه تماما.

لم تسقطه العواصف ولم تهدمه الزلازل، بل قضى عمره كله يتصدع بصمت…حتى انهار.

ابتسمت ريم بحزن وهمست:

* كم من الأشياء في حياتنا لا يقتلها الصراع…بل يقتلها كتم الصراع*.

ثم غادرت.

وبقي البيت خلفها يتنظر الهدم.

كما بقيت الأسئلة المؤجلة والاعتذارات المعلقة والمشاعر التي خافت من المواجهة أطلالا لا يعرف صاحبها متى بدأت تتهاوى، لكنهم يعرفون جيدا أنهم سمعوا هزيم الصمت بعد فوات الأوان.

                                                     سميرة جدي -الجزائر

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading