ثلاثية في تفكيك البنية الأكاديمية العربية/سيّار الجميل

(1) أكاديميون بلا ثقافة… تحرير العقل الأكاديمي من انغلاقهِ
1- أين المشكلة ؟
ليست كل شهادة علمية شهادةً على العقل، وليست كل أستاذية دليلًا على الثقافة، وليس كل من عُلّقت على صدره الألقاب قد امتلك شيئًا من الحكمة. ثمة فرق شاسع بين أن تكون أكاديميًا وأن تكون مثقفًا، وبين أن تحفظ المعرفة وأن تمتلك عقلًا قادرًا على إنتاجها، وبين أن تتحدث بلغة التخصص وأن تكون قادرًا على فهم العالم. لقد أنتجت الجامعات، إلى جانب العلماء الحقيقيين، نوعًا آخر من “الأكاديميين”: أشخاصًا نجحوا في الحصول على الشهادات، لكنهم فشلوا في بناء الإنسان الذي ينبغي أن يكون وراء الشهادة. يحمل الواحد منهم لقب الأستاذ والدكتور، وربما تتقدم أمام اسمه سلسلة طويلة من الحروف والألقاب، لكنه حين يبدأ الكلام تشعر أنك أمام مكتبة صغيرة مغلقة الأبواب والنوافذ؛ تحفظ بعض الكتب التي في داخلها، لكنها لا تعرف شيئًا عن العالم الموجود خارجها.
2- ليست مشكلة التشيؤات، وإنما فقر العقل :
الشهادة لا تمنح صاحبها ثقافة عامة
وقد يكون هذا الفقر أخطر من الجهل نفسه؛ لأن الجاهل يعرف، في أحيان كثيرة، أنه لا يعرف، بينما صاحب العقل المغلق يتوهم أنه يعرف كل شيء. إنه لا يقرأ لكي يتغير، بل يقرأ لكي يثبت ما يؤمن به مسبقًا. ولا يحاور لكي يفهم، بل يحاور لكي ينتصر. ولا ينظر إلى الفكرة الجديدة باعتبارها فرصة، بل باعتبارها عدوانًا على حصنه. ولا يرى في الإنسان الأعلم منه إضافة إلى المعرفة، بل تهديدًا لمكانته. وهكذا تتحول الشهادة من وسيلة إلى قلعة، والتخصص من أداة إلى سلاح، والجامعة من فضاء للحرية إلى خندق للدفاع عن الجهل المتعلم. ما أكثر الذين يعرفون شيئًا واحدًا معرفة ضيقة، ثم يتصرفون كما لو أنهم عرفوا العالم كله! قد تجد متخصصًا بارعًا في جزئية من اختصاصه، لكنه لا يعرف شيئًا عن الفلسفة، ولا يقرأ الأدب، ولا يتابع التحولات الاجتماعية، ولا يعرف تاريخ الأفكار، ولا يتصل بثقافات أخرى، ولا يملك فضولًا معرفيًا خارج حدود كرسيه الجامعي. والمصيبة تبدأ حين يتصور أن جهله بما هو خارج تخصصه فضيلة، وأن عدم معرفته بالآخرين دليل على “التمسك بالأصول”. أي أصول هذه؟ إن الإنسان الذي لا يقرأ إلا داخل اختصاصه قد يصبح خبيرًا في جزيرة صغيرة، وجاهلًا بالمحيط كله. والثقافة العامة ليست ترفًا للأستاذ الجامعي. إنها ما يمنحه القدرة على وضع تخصصه في سياقه الإنساني والتاريخي والحضاري. فالمؤرخ الذي لا يعرف شيئًا عن الفكر يصبح جامعًا للوقائع. والاقتصادي الذي لا يفهم المجتمع يتحول إلى آلة أرقام. والسياسي الذي لا يقرأ التاريخ يصبح أسير اللحظة. والمفكر الذي لا يعرف الثقافات الأخرى يتحول إلى واعظ داخل غرفة مغلقة. إن المعرفة المتخصصة بلا أفق ثقافي قد تنتج موظفًا ممتازًا في تخصصه، لكنها لا تنتج بالضرورة إنسانًا واسع العقل. وعلينا التمييز بين من يحمل الشهادة ومن يستحقها معنويا ويدرك حافات المعاني .
3- الشهادة مجرد ورقة تأهيل لا علامة تميّز
أما الثقافة فهي طريقة في النظر إلى العالم حين يصبح الحوار معركة ثم يأتي الامتحان الأصعب: الحوار ، وهنا تسقط الأقنعة بسرعة. فكم من “أستاذ” لا يعرف كيف يحاور! إذا اختلفت معه، قاطعك، وإذا ناقشته، اتهمك. وإذا خالفته في رأي، بحث عن نقيصة فيك. وإذا عجز عن الرد على فكرتك، انتقل إلى شخصك. وإذا لم يجد في كلامك ثغرة، فتّش في سيرتك. وإذا لم يجد في سيرتك شيئًا، اخترع لك تهمة أو نعتًا أو تصنيفًا. هذه ليست أكاديمية. هذه عادات شعبوية بدائية ترتدي معطفًا جامعيًا. الحوار العلمي يبدأ من احترام الخصم، لا من احتقاره. يبدأ بالاستماع، لا بالمقاطعة. وبالسؤال، لا بالحكم. وبالحجة، لا بالصوت المرتفع. لكن بعض الأكاديميين لا يدخلون الحوار إلا وفي رؤوسهم نتيجة جاهزة. او انه مبيت على أمر ما ضد هذا مشاكساً أو ضد ذاك تافهاً .. يسكتون الآخرين لكي يتحدثوا، وأن تحدثوا ، فكلامهم مقرف مكرر او متهدج أو مجرد كلام عادي . إنهم لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن انتصار شخصي. وهذا هو الفرق بين العالم والمناظر. العالم يريد أن يعرف. أما المناظر فيريد أن ينتصر. ولعل أشد ما يكشف خواء هذا النوع من البشر أنه لا يستطيع أن يقول جملة بسيطة جدًا: “ربما أكون مخطئًا.” إنها، بالنسبة إليه، جملة قاتلة. لأن غروره العلمي أقوى من شجاعته المعرفية وسايكلوجيته غير مريحه تهرب الناس منها.
4- حين تتحوّل الشهادة إلى قناع
ليست الشهادة مشكلة. المشكلة أن تتحول الشهادة إلى قناع يخفي وراءه عجز العقل عن التطور.
قد تجد شخصًا يحمل الدكتوراه منذ ثلاثين سنة، لكنه لم يغير فكرة واحدة في رأسه منذ حصوله عليها. ثلاثون سنة مرت. والعالم تغير ، والمجتمع تغّير ،والمفاهيم تغيرت. والعلوم تطورت. والتكنولوجيا قلبت الحياة. والأجيال تبدلت. وهو ما زال يكرر عباراته الأولى يوم حصل على الدكتوراه. فماذا فعلت به ثلاثون سنة؟ لقد أضافت إلى سيرته سنوات، وإلى مكتبه كتبًا، وإلى اسمه لقبًا، لكنها لم تضف إلى عقله مرونة واحدة. وهنا ينبغي أن نسأل السؤال القاسي: هل كان يتعلم، أم كان يكرر نفسه؟ فالعلم الذي لا يغير صاحبه يتحول إلى عادة. والتخصص الذي لا يتجدّد يتحوّل إلى قوقعة. والشهادة التي لا تفتح العقل تتحوّل إلى بطاقة تعريف اجتماعية.
5- متحف الأفكار الميتة
أخطر ما يفعله الجهل المتعلم أنه يحتفظ بالأفكار القديمة لا باعتبارها موضوعات تاريخية، وإنما باعتبارها حقائق أبدية. يعيش صاحبه وسط أفكار وشعارات ولدت في ظروف معينة، ثم يرفض أن يرى أن الظروف قد تغيرت. إنه لا يفرق بين التاريخ والفكرة. الفكرة التي كانت صالحة لتفسير مرحلة معينة قد تفقد قدرتها على تفسير مرحلة أخرى. لكن العقل الجامد لا يرى الزمن. يرى فقط ما تعلمه ذات يوم. ولهذا تجد بعض المثقفين والأكاديميين يعيشون داخل ما يشبه متحفًا للأفكار الميتة. شعارات انتهى زمنها. مفاهيم تغير معناها. صراعات تجاوزها التاريخ. أسماء لم تعد قادرة على تفسير الواقع. ومع ذلك يعاد إنتاجها كما لو أن الزمن توقف. التاريخ لم يتوقف. لكنهم توقفوا. وهذه هي المأساة.
6- عقل مغلق يخاف من المفهوم الجديد
هناك عقول لا تكره الفكرة الجديدة لأنها خاطئة، وإنما تكرهها لأنها جديدة. وهذا من أكثر أشكال الإفلاس الفكري إثارة للسخرية. يكفي أن يسمع بعضهم مفهومًا لم يقرأ عنه حتى يبدأ بإطلاق الأحكام: “هذا كلام غربي”، “هذه موضة”، “هذا المصطلح لا قيمة له”، “هذا لا يناسب مجتمعنا”، “هذه أفكار مستوردة”. لكن السؤال البسيط الذي لا يريد أن يطرحه على نفسه هو: هل قرأت عنها؟ فكيف تحكم على كتاب لم تقرأه؟ وكيف تناقش نظرية لم تدرسها؟ وكيف ترفض مفهومًا لم تفهم جذوره وتطبيقاته وتحولاته؟ إن بعضهم يريد أن يحاكم الجديد قبل أن يتعرف إليه. وهذه ليست صرامة علمية. إنها كسَل معرفي متنكر في هيئة موقف. ان العقل القوي لا يخاف من المفهوم الجديد. يضعه على الطاولة، يفككه، يختبره، يقارنه، ثم يقبله أو يرفضه. أما العقل الهش فيغلق الباب أولًا ثم يعلن أن ما وراء الباب لا يستحق الدخول. والتاريخ كله يقول إن كل نهضة معرفية بدأت ذات يوم بفكرة بدت “جديدة” ومقلقة وغريبة.، بل وحتى متخيلة , ولو أن البشرية احتفظت دائمًا بعقول تخاف الجديد، لما تجاوزنا عصر الكهوف الحجرية..
7- خنادق القرن العشرين : ايديولوجيات كسيحة
وما أكثر الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين بأجسادهم، لكنهم ما زالوا يناضلون في القرن العشرين بعقولهم! لقد تغير العالم من حولهم بصورة هائلة: التكنولوجيا قلبت معنى المعرفة، والاتصال أعاد تشكيل المجتمع، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف العمل والعلم، والعولمة غيرت خرائط الاقتصاد والثقافة، والأجيال الجديدة تعيد صياغة علاقتها بالسلطة والهوية والزمن. لكن هناك من لا يزال يكرر الشعارات نفسها التي وُلدت في ظروف تاريخية انتهت منذ عقود. لقد تغير العالم، ولم تتغير المفردات في رؤوسهم ولا الشعارات من وجدانهم . انهارت أنظمة، وسقطت أو تحولت أيديولوجيات، وتيبّست أحزاب ، وتبدلت مفاهيم السلطة، ورحل طغاة .. وظهرت أسئلة جديدة عن الإنسان والدولة والمجتمع، بينما ظل بعضهم قابضًا على اشلائه وقابعاً في خندقه القديم وكأنه ينتظر عودة التاريخ إلى الوراء. لا بأس أن ندرس أيديولوجيات القرن العشرين. بل يجب أن ندرسها. لكن المشكلة أن يتحول الدارس إلى سجين لما يدرسه. هناك فرق بين أن تعرف الماركسية وأن تكون ماركسيًا، وبين أن تدرس القومية وأن تعيش أسيرًا لشعاراتها، وبين أن تفهم الإسلام السياسي وأن تجعل العالم كله يمر عبر قوالبه، وبين أن تدرس الليبرالية وأن تتحول إلى مقلد لها بلا نقد. ان الفكر الحي يدرس الماضي لكي يفهمه ويتجاوزه. أما الفكر الميت فيدرس الماضي لكي يسكن فيه.
8- يتدخلون في ما لا يعرفون
ومن أكثر المشاهد إثارة للشفقة أن ترى شخصًا لم يقرأ في موضوع ما إلا القليل، ثم يتحدّث فيه كما لو كان قد قضى عمره في مختبراته وأرشيفاته. كمن يتدخل في التاريخ وهو لا يعرف مصادره.
يناقش الفلسفة وهو لم يقرأ نصوصها الأساسية. ويفتي في الاقتصاد دون معرفة بأبسط مفاهيمه.
ويحاكم نظرية اجتماعية دون أن يعرف تاريخها. ثم يصدر حكمًا نهائيًا ! لماذا؟ لأنه تعود على أن لقبه يكفيه. والأخطر أنه لا يقول: “لا أعرف”. لقد أصبحت هذه العبارة، في بعض البيئات، جريمة بحق الهيبة الأكاديمية. لكنني أقول العكس تمامًا: إن أجمل ما يمكن أن يقوله الأستاذ أحيانًا هو: لا أعرف، سأقرأ وأعود إليك. هذه ليست هزيمة. هذه هي بداية العلم. أما أن تتحدث في كل شيء، وتفتي في كل شيء، وتحكم على كل شيء، فذلك ليس اتساعًا معرفيًا؛ إنه تضخم في الأنا المعرفية. والإنسان الذي يتدخل في ما لا يعرفه يسيء إلى المعرفة أكثر مما يسيء إلى نفسه. واستغرب من حالة مقرفة حقا اذ ان شبابا من الاكاديميين يطلقون احكاما كبيرة مدحا او قدحا على ظواهر واشخاص وقضايا ومؤسسات لا يعرفوها ولم يقرأوا عنها شيئا ، فكل من هو في بداياته يشعر بأنه ضخما (عريض المنكعين) ..
9- لماذا ينتقص بعضهم من الأعلم بالمعرفة والآشياء ؟
وهنا نصل إلى الجرح الحقيقي. لماذا يسارع بعض الأكاديميين إلى التقليل من شأن من هو أعلم منهم؟ لماذا يشعرون بالحاجة إلى التشكيك في إنجازات الآخرين؟ لماذا يصبح العالم الحقيقي في نظرهم “مبالغًا في تقدير نفسه”، والمفكر الجاد “مدعيًا”، والباحث المختلف “غير متخصص”، وصاحب التجربة الطويلة “قديمًا”؟ لماذا لا يذكرون في مقابلاتهم او حواراتهم اسماء زملائهم ويستشهدون باعمالهم مقارنة بالانوية المسيطرة على هواجسهم؟
10- السلوكيات العقيمة
من أتعس السلوكيات هي النرجسية العالية والحديث عن الذات بحيث هو الانبغ وهو الافضل وهو الشيخ وهو القامة وهو الهامة وهو الوحيد الذي يمتلك مكتبة في بيته ويبقى ينسجم وينتفخ من ايات التعظيم والتمجيد والتعظيم .. مجتمعاتنا تسيطر عليها الذات لا الموضوع ، وأتعس حالة سايكلوجية هو حديث الانسان عن نفسه والتفاخر بها .. وعدم الاعتراف بفضل غيره كونه مهزوزاً ، فالشخص الواثق من نفسه لا يخاف من وجود عقل أكبر منه. بل يفرح به. أما من يشعر بأن قيمته مهدّدة، وتاريخه متلون فإنه يحاول خفض الآخرين حتى يبدو هو أطول منهم وهذا محال . إنها حيلة قديمة جدًا: فإذا لم تستطع أن ترتفع، حاول أن تجعل الآخرين ينخفضون. وأخيرا ، ثمة عناصر اكاديمية رائعة وطيبة ومتواضعة في سلوكياتها وتعاملاتها واخلاقياتها ونبل تصرفاتها ، وهي محترمة لا يمكن تجاهلها ابداً ..




