راكيا / آنا فيدوسافلييفيتش – ترجمة: ناصرة صلاح

في منتصف تشرين الأول (أكتوبر)، حين كانت الشمس لا تزال ترسل أشعتها الدافئة، كان والدي وبعض الجيران يجتمعون في الفناء الخلفي لمنزلنا لصنع الراكيا.
كانت الراكيا “ماء النار”، كما وصفها سائح صيني زار صربيا وتذوق هذا المشروب الكحولي الصربي التقليدي. وقد جربتها مرات عديدة تحت تأثير إلحاح البالغين الذين زعموا أنها تقتل جميع البكتيريا، والجراثيم، والفيروسات، وتهدئ آلام الأسنان وتخفض الحمى. لكنني، في الحقيقة، لم أحبها قط. فقد كانت من القوة بحيث إنك بمجرد أن ترتشفها وتصبح في فمك، تشعر بقطراتها اللاذعة تتغلغل في جدران تجويف فمك كأنها إبر دقيقة. وعندما تبتلعها، يتدفق الدفء سراعاً في الجزء العلوي من جسدك حتى إنك تشعر في غضون ثوانٍ معدودة بحرارة تقذف بدرجة حرارتك إلى ألف درجة. وتبدأ في التصبب عرقاً كما لو كنت في حمام بخار، وتخونك ساقاك فتبدوان واهنتين ومرتجفتين، ويصبح من الأفضل لك ألا تحاول السير لبرهة، وإلا فسينتهي بك الأمر غالباً متعثراً تلعق الأرض!
على أي حال، كانت عائلتي وسائر الصرب يؤمنون بأن الراكيا ترياق لكل داء. ولا يمكن لأي دواء أن يفوق الآثار الشفائية لها، كما لم يكن بمقدور أي مشروب كحولي آخر أن يثير هلاوس أكثر غرابة من تلك التي تسببها الراكيا. فجارنا ستيفو ظل يصارع أفاعي الأناكوندا بعد مغادرته الحانة المحلية، وقد استغرقه هذا العراك مع الأفاعي الضخمة لدرجة أنه انتهى به المطاف إلى قطع حركة المرور في شارع المدينة الرئيسي باعتباره ساحة معركته.. أما قريبتي فيرا فقد سكرت ذات مرة لدرجة أنها توهمت وجود جنيات يطلبن منها تسلق الشجرة والانضمام إليهن! وتسلقت فيرا الشجرة، وبعد خمس دقائق، انتهى بها المطاف على الأرض مجدداً، ساقطة على مؤخرتها مباشرة. ولم تقو على الجلوس عليها لقرابة ثلاثة أسابيع بعد الحادثة.
في ذلك اليوم الدافئ من تشرين الأول، وبعد اللعب في الشارع مع أطفال الحي الآخرين، عدت إلى البيت وأنا أشعر بالوهن. لقد كان يوماً خريفياً دافئاً، مغسولاً باللونين الذهبي والأحمر، مع كل تلك الأوراق المتساقطة من الأشجار، ونسمات الصباح المقرمشة والمنعشة، وكان هذا الدفء الممتع يدفع أهالي بلدتي لارتداء الملابس الصيفية، السراويل القصيرة والقمصان، لكن في ذلك اليوم وقف شعر جسدي وسرت قشعريرة في عمودي الفقري، وتحولت القشعريرة الباردة إلى ارتجاف، فهرعت إلى فناء البيت وأنا أشعر بالغثيان والسقم! وعندما فتحت البوابة، استنشقت رائحة فاكهية حلوة لثمار البرقوق الناضجة. لقد تغلغلت في هواء فنائنا. كانت الرائحة بهيجة وحفزتني على التفكير في البرقوق الأرجواني الحلو، ولكن مهما كانت عذوبة البرقوق مغرية، لم أكن أشعر بأي جوع. فمضيت إلى الفناء الخلفي ووجدت أبي واثنين من جيراننا هناك. كانوا يتحلقون حول مِقطرنا (جهاز تقطير) ويتسامرون، وكان الثلاثة يحملون كؤوساً صغيرة ويذوقون، الراكيا أثناء تقطيرها، طبعا يجب القول إن تذوق الراكيا، سيكون مرة تلو أخرى، في محاولة للوصول إلى أفضل نسخة منها كان أمراً إلزامياً. ناهيك عن أنه بحلول نهاية اليوم، كان جميع المتذوقين يسكرون عادة لدرجة تعجزهم عن التمييز بيني وبين شقيقتي! مع أنني وشقيقتي كنا مختلفتين تماماً، فكانوا يتمنون لـ مارينيا ليلة سعيدة قائلين: “طاب مساؤكِ يا لينا”! بينما يُمسح على رأسي مع كلمات تقول: “مارينيا، إنك تكبرين بسرعة فائقة! ستصبحين أطول من لينا”! وأظن أنه من الضروري الإشارة إلى أنني كنت أكبر من شقيقتي مارينيا بأربع سنوات وأطول منها بكثير!
في تلك الظهبرة، ألقيت عليهم تحية المساء وأخبرت أبي أن رأسي يكاد ينفجر من الحرارة وأنني أشعر بالدوار. كل شيء كان يدور حولي. نهض من فوق مقعده تاركاً كأسه الثمينة على طاولة خشبية مستديرة صغيرة، واقترب مني. وضع راحة يده الدافئة واللزجة التي تفوح منها رائحة الراكيا على جبيني وتركها هناك لـبضع ثوانٍ، ثم قال: “إنك تعانين من الحمى.” اذهبي إلى نانا، سوف تعد لك أفضل دواء! ستشعرين بتحسن بعد ساعتين! عندما كنت في عمرك، لم أذهب إلى طبيب قط! كانت نانا طبيبتي! وبفضلها تعافيت بسهولة من جدري الماء، والحزام الناري، والحمى، والإنفلونزا.”
كانت نانا هي جدتي، وكان اسمها الحقيقي لينا، مثل اسمي تماماً، ولكن في صربيا، اعتدنا أن ننادي جداتنا بـ”نانا” إذا كنا نحبهن، أما إذا لم نكن نحبهن، فكنا نخاطبها بـ“جدتي”، ونتجنبها قدر المستطاع! ولطالما نادينا أنا وشقيقتي جدتي بـ “نانا”! وأظن أن هذا يعكس مدى حبنا وعشقنا لها. دخلت المنزل وأنا أشعر بخفة شديدة في الرأس ودوار شديد، وأحسست بضعف رهيب يجتاح جسدي. كان كل شيء من حولي يتحرك! وجدت نانا في المطبخ. كانت تصنع شطائر البانكيك، ورائحة الفانيليا الحلوة والقرفة المتبلة تعبق في الهواء. عرضت علي نانا شطيرة بانكيك محشوة بمربى المشمش اللذيذ، المفضلة لدي، وعندما رفضت، نظرت إلي بدهشة وقالت: “أنت لست بخير. تبدين كشبح وليست لديك أي شهية.” فأومأت برأسي إيجاباً. قالت بنبرة آمرة: “تعالي إلى هنا”! تركت براعتها في صنع البانكيك وتوجهت نحو غرفة النوم. تبعتها. ثم طلبت مني أن أخلع جميع ملابسي بينما توارت هي عبر الباب المؤدي إلى الفناء الخلفي، وبعد دقيقة، عادت وهي تحمل زجاجة راكيا! تملكتني الحيرة، لكنني كنت واهنة لدرجة أنني لم أملك القوة لطرح الأسئلة وطلب التفسيرات! كنت أؤمن بأنها خبيرة وتمتلك موهبة الشفاء! بعد فترة وجيزة، طلبت مني الاستلقاء لأنها أرادت تدليكي بالراكيا.
امتثلت طائعة. كنت أشعر بالبرودة وأطرافي ترتجف. كانت تلك القشعريرة الغريبة تبسط سلطتها على جسدي، وشعرت كأنني مستلقية عارية فوق جبل جليدي!
سكبت نانا القليل من الراكيا في كفيها ثم بدأت بتدليك كتفيّ، وظهري، وذراعيّ، وبطني، وأسفل ظهري، وساقيّ وقدميّ في النهاية. فبدأ جسدي يسخن ودخلت في حالة من الخدر المريح. بعد أن فرغت نانا من تدليكي، التقطت منشفة من الدرج، وغمرتها بالراكيا ووضعتها حول عنقي، وطلبت مني الاسترخاء ومحاولة النوم. فعلت ممتثلة ما طلبته مني، أوصتني ألا أنزع المنشفة المبللة بالراكيا عن عنقي. عندما استلقيت، دثرتني بالغطاء القطني ووعدتني بأنني سأشعر بتحسن حين أستيقظ. قبلت جبيني وعادت إلى المطبخ لتكمل لوحتها الفنية من البانكيك.
كانت الغرفة تعبق برائحة الراكيا النفاذة، ورغم أنني لم أحبها يوماً، إلا أنني شعرت أنها تجعلني أحس بالارتياح. غلبتني النعاس، وثقلت جفوني وبدأت تنغلق! ظللت في شبه نوم لبعض الوقت حتى استغرقت في النوم أخيراً.
لست أدري كم من الوقت نمت، ولكن عندما استيقظت، كان الظلام دامساً في الخارج وكنت أرى بساط النجوم الساحر عبر النافذة شبه المفتوحة، وكانت تفوح مني رائحة الكحول! فقد تركت الراكيا أثر رائحتها في أرجاء الغرفة، رغم أنني لم أشربها، إلا أنني استنشقتها فجعلتني منتشية قليلاً!
لكن يا للمعجزة! كنت أشعر بتحسن كبير! فلم تعد هناك قشعريرة باردة تسري في عمودي الفقري، ولم تعد يداي وساقاي ترتعدان، ولم يعد جبيني ملتهباً أيضاً. نزعت أخيراً المنشفة عن عنقي التي كانت نانا قد غمرتها بالراكيا سابقاً، كانت شبه جافة. تخففت من غطائي لأتبرد بما أن الغرفة كانت دافئة نوعاً ما. ارتديت قميصي وسروال الجينز ومضيت نحو المطبخ.
كانت نانا تجلس على كرسي هزاز وتتابع مسلسلها اللاتيني الطويل المفضل حيث في كل دقيقة يبكي أحدهم ويصرخ! كان الممثلون يكثرون من الإيماءات ويتحدثون بصوت صاخب للغاية! بينما كومة كبيرة من البانكيك تقبع على الطاولة في انتظاري! كنت في غاية الجوع!
وعندما رأتني نانا، نهضت وأسرعت لتتحسس جبيني. بشرتني ابتسامتها بأن الحمى قد تلاشت. أجلستني إلى الطاولة ولفّت لي بضع شطائر بانكيك. إحداها بحشوة المشمش المفضلة لدي،
والأخرى بالجوز المطحون والعسل، والثالثة كانت محشوة بالسكر الأسمر والقرفة! فالتهمتها بنهم شديد. كنت اعي أنني لن أتوقف بعد الشطيرة الثالثة، وكم كانت نانا سعيدة برؤية شهيتي قد عادت بكامل قوتها.
في الخارج، كان أبي والجيران قد وصلوا إلى مرحلة أخذوا فيها جميعاً يغنون ويضحكون، علمتُ أن زوجات الجيران سيأتين قريباً للبحث عن أزواجهن! لقد صنعت الراكيا حقاً المعجزات! فقد أحدثت عجائبها مع البالغين أيضاً، إذ أعادتهم قهقرياً إلى طفولتهم ! فبمجرد إفراطهم في تناول الراكيا، ينسون نقاشاتهم السياسية الجادة والسخيفة وشكاواهم المتذمرة! لم يكن بمقدورك أن تسمعهم يتحدثون عن الأجور المتدنية، والأسعار المرتفعة، والضرائب السخيفة، والحكومة الفاسدة، والرؤساء السيئين وضغوط العمل الكثيرة وكل ما كان يمكن سماعه هو الضحك، والدعابات، والغناء، وأحياناً عندما يواصلون سمرهم مع الراكيا حتى وقت متأخر من الليل، كانوا يلعبون بعض الألعاب: الغميضة، أو الحجلة، أو نط الحبل، أو لعبة “القرد في المنتصف”. حينها، كنت أتسلل من فراشي وأنظر عبر النافذة المطلة على فنائنا الخلفي، أراقبهم وأغرق في الضحك. لقد كانت تلك المشاهد هزلية للغاية، ولم أكن لأتذكر أي برنامج تلفزيوني أكثر إضحاكاً وتشويقاً منها. ربما كانت تلك هي اللحظات التي أحببت فيها البالغين أكثر من أي وقت مضى!
المجلة الثقافية الجزائرية



