الصَّمْتُ لَيْسَ عَجْزًا، وَالتَّغَافُلُ لَيْسَ لَمْزًا» / حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةَ

الصَّمْتُ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ، لَيْسَ عَجْزًا عَنِ الْجَوَابِ، بَلْ سُمُوٌّ يَتَرَفَّعُ عَنِ اللَّغْوِ، وَالتَّغَافُلُ لَيْسَ قَدْحًا فِي الْفِطْنَةِ، وَلَا لَمْزًا فِي الْفَهْمِ، بَلْ هُوَ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَرَجَاحَةِ الْحِكْمَةِ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا نُدْرِكُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ نُبْدِيَهُ، وَلَا كُلُّ مَا نَسْمَعُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ نُجِيبَ عَنْهُ، وَلَا كُلُّ مَا نَعْرِفُهُ يَلْزَمُنَا أَنْ نَكْشِفَهُ؛ فَفِي بَعْضِ الْأُمُورِ يَكْبُرُ الْعَقْلُ ؛ حِينَ يَتَجَاوَزُهَا، وَتَسْمُو النُّفُوسُ حِينَ تَتَرَفَّعُ عَنْ مُجَارَاتِهَا ، وَفِي ذَلِكَ إِكْرَامٌ لِنَفْسٍ أَضْنَاهَا الْعِتَابُ، وَأَرْهَقَهَا الْمَسِيرُ؛ لِطُرُقِ الْأَبْوَابِ، وَأَثْقَلَهَا عَنَاءُ الْإِنْصَافِ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِلُطْفٍ سَبِيلًا، وَلَا لِجَبْرِ الْخَاطِرِ نَهْجًا قَوِيمًا؛ فَلَمْ تَعُدْ تَعْنِينَا غَلَبَةُ الْحُجَّةِ، وَلَا فَخَامَةُ الْبُرْهَانِ، وَلَا نَشْوَةُ الِانْتِصَارِ فِي مَيَادِينِ الْجَدَلِ، بِقَدْرِ مَا يَعْنِينَا أَنْ تَبْقَى أَرْوَاحُنَا سَاكِنَةً، وَقُلُوبُنَا مُطْمَئِنَّةً، وَأَنْفُسُنَا سَلِيمَةً مِنْ أَدْرَانِ الْخُصُومَةِ، وَأَثْقَالِ الضَّغِينَةِ. فَقَدْ وَعَيْنَا أَخِيرًا أَنَّ الْحَيَاةَ الْهَادِئَةَ أَثْمَنُ مِنْ أَنْ تُسْتَنْزَفَ فِي صِرَاعٍ، وَأَنَّ الْعُمْرَ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ يُبَدَّدَ فِي مُهَاتَرَاتٍ لَا تُورِثُ إِلَّا الْوَصَبَ، وَلَا تُخَلِّفُ إِلَّا مَزِيدًا مِنَ النَّصَبِ.
ـ لَقَدْ صَارَ هَمُّنَا أَنْ نُفَتِّشَ عَنِ الْمَسَاحَاتِ الْآمِنَةِ الَّتِي بِهَا سِيَاجُ أَمْنٍ يَحُوطُهَا، فَلَا تُنْتَهَكُ بِعُمْقِهَا خُصُوصِيَّتُنَا، وَلَا تُخْدَشُ فِيهَا مَشَاعِرُنَا، وَلَا تُسْتَبَاحُ دَاخِلَهَا سَكِينَةُ أَرْوَاحِنَا.؛ حَتَّي بِتْنَا نُنَقِّبُ بِإِخْلَاصٍ عَنِ الْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ الَّتِي تُحْسِنُ الظَّنَّ فِينَا ؛ فَلَا تُرْهِقُنَا بِكَثْرَةِ التَّبْرِيرِ، وَلَا تُكَلِّفُنَا عَنَاءَ التَّصَنُّعِ بِحُسْنِ تَقْدِيرٍ ، وَلَا تُحَاسِبُنَا عَلَى زَلَّةِ لِسَانٍ، وَلَا تُؤَاخِذُنَا بِوَهْمِ ظُنُونٍ، وَبِتْنَا نَلُوذُ بِالْهُدُوءِ، كَمَا يَلُوذُ الظَّمْآنُ بِالْغَيْثِ؛ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُرَمِّمَ مَا أَفْسَدَهُ الصَّخَبُ، وَيَجْبُرَ مَا كَسَرَتْهُ خَيْبَاتُ الْأَمَلِ، وَيُدَاوِيَ مَا خَلَّفَتْهُ الْأَيَّامُ فِي الْأَرْوَاحِ مِنْ أَدْوَاءٍ ؛ لِنُدْرِكَ أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَوْلَدُ فِي أَوْدِيَةِ الِاحْتِرَاقِ، وَلَا يَنْمُو فِي تُرْبَةِ الْإِرْهَاقِ، وَلَا يَزْهَرُ تَحْتَ ظِلَالِ التَّنَازُلِ الْمُذِلِّ، وَلَا يُسْقَى بِجَفَاءٍ مُخِلٍّ، وَإِنَّمَا يَنْبُتُ فِي أَرْضِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَيَتَرَعْرَعُ بِمَاءِ الْمَوَدَّةِ، وَيُورِقُ بِالرَّحْمَةِ، وَيُثْمِرُ بِالِاحْتِرَامِ. فَإِذَا أَزْهَرَتِ الْعَاطِفَةُ فِي الْقُلُوبِ، أَشْرَقَتِ الْمُسَرَّاتُ فِي الدُّرُوبِ، وَأَيْنَعَتِ الْحَيَاةُ بِمَا فِيهَا مِنْ سَكِينَةٍ، وَرِضًى، وَوِئَامٍ؛ فَلَمْ نَعُدْ نَبْتَغِي إِلَّا نَظْرَةً صَادِقَةً نَتَدَثَّرُ بِدِفْئِهَا مِنْ زَمْهَرِيرِ الْوَاقِعِ، وَنَسْتَظِلُّ بِهَا مِنْ وَهَجِ الْأَيَّامِ حِينَ تَنْضُبُ الْمَشَاعِرُ ، وَتَذْبُلُ الْأُمْنِيَاتُ ؛ فَقَدْ أَدْرَكْنَا، بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْعَنَاءِ، وَمَسِيرٍ شَاقٍّ بِالنَّهَارِ ، وَبِالمَسَاءِ فِي دُرُوبِ الْمُكَابَدَةِ حَالَ الشَّقَاءِ، أَنَّ أَعْظَمَ الْمَلَاحِمِ لَيْسَتْ تِلْكَ الَّتِي تُخَاضُ فِي مَيَادِينِ الْخُصُومَةِ، وَإِنَّمَا تِلْكَ الَّتِي نَنْتَصِرُ فِيهَا عَلَى انْكِسَارَاتِنَا، وَنَفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابَ قُلُوبِنَا لِفَجْرٍ بَاسِـمٍ يُعِيدُ تَرْتِيبَ مَا بَعْثَرَتْهُ الْحَيَاةُ، وَيَجْمَعُ شَتَاتَ مَا مَزَّقَتْهُ الْأَيَّامُ، وَيَهَبُ أَرْوَاحَنَا حَقَّ الْأَمَانِ حِينَ يَسْتَبِدُّ بِهَا الْخَوْفُ، وَيَغْمُرُهَا بِالطُّمَأْنِينَةِ حِينَ تَعْصِفُ بِهَا الرِّيَاحُ.؛ حَتَّى غَدَا أَقْصَى أَمَانِينَا يَوْمًا لَا يُعَكِّرُهُ عِتَابٌ، وَلَا تَذَرُّعٌ لِلْبُغْضِ بِأَسْبَابٍ.



