مقالات فكرية

اَلْهَجْرُ فِي الْمَضْجَعِ شُرِعَ لِلزَّوْجِ لَا لِلزَّوْجَةِ : حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية وقميصًا مع ربطة عنق مخططة، مبتسم ويظهر في وسط الصورة.

النُّشُوزِ كَمَا يَقَعُ مِنَ الزَّوْجَةِ قَدْ يَقَعُ مِنَ الزَّوْجِ كَذَلِكَ.

فَأَمَّا نُشُوزُ الْمَرْأَةِ:

فَهُوَ عِصْيَانُهَا لِزَوْجِهَا، وَارْتِفَاعُهَا عَلَيْهِ، وَامْتِنَاعُهَا عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، كَأَنْ تَرْفُضَ طَاعَتَهُ فِي الْمَعْرُوفِ، أَوْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ تَمْتَنِعَ عَنِ الْفِرَاشِ، أَوْ تُسِيءَ إِلَيْهِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، أَوْ تُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهِيَةَ، وَالْجَفَاءَ بَعْدَ الْأُلْفَةِ، وَالْمَوَدَّةِ.

وَقَدْ وُرِدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاءِ: ٣٤]

أَيْ إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْعِصْيَانِ، وَالتَّعَالِي؛ فَالْعِلَاجُ يَكُونُ بِالتَّدَرُّجِ: الْمَوْعِظَةِ، ثُمَّ الْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ، ثُمَّ الضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ إِنْ لَمْ يُجْدِ مَا قَبْلَهُ.

وَأَمَّا نُشُوزُ الرَّجُلِ:

فَهُوَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ الْعِصْيَانِ، وَالظُّلْمِ، لَكِنْ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَيَكُونُ عِنْدَمَايَظْلِمُهَا، أَوْ يَمْنَعُهَا حُقُوقَهَا الزَّوْجِيَّةَ، أَوْ يُسِيءَ عِشْرَتَهَا، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهَا، وَيَهْجُرَهَا دُونَ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ يُعَامِلَهَا بِالْجَفَاءِ، وَالِاسْتِعْلَاءِ.

قَالَ تَعَالَى:﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٨]

إِذًا نُشُوزُ الْمَرْأَةِ: تَمَرُّدُهَا عَلَى الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ لِلزَّوْجِ.

وَنُشُوزُ الرَّجُلِ: ظُلْمُهُ، أَوْ إِعْرَاضُهُ عَنْ زَوْجَتِهِ بِمَا يُخِلُّ بِحُقُوقِهَا.

وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ مِيثَاقُ رَحْمَةٍ، وَمَوَدَّةٍ، لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى الْعَدْلِ، وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ.

– هَذَا وَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ لِلزَّوْجَةِ هَجْرَ زَوْجِهَا فِي الْمَضْجَعِ عِنْدَظُلْمِهِ، أَوْ إِعْرَاضِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ بِمَا يُخِلُّ بِحُقُوقِهَا، وَالْهَجْرُ: هُوَ الِامْتِنَاعُ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ، أَوِ الْكَلَامِ، أَوِ الْمَبِيتِ بِقَصْدِ الِاحْتِجَاجِ، أَوْ دَفْعِ الضَّرَرِ، لَا لِمُجَرَّدِ الْغَضَبِ، أَوِ الِانْتِقَامِ.

– لَكِنَّنِي أَرَىٰ ذٰلِكَ تَحَايُلًا عَلَى النَّصِّ فِيمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ، إِذْ لَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ صَحِيحٍ صَرِيحٍ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا أَثَرٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ هَجْرِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا فِي الْمَضْجَعِ، وَلٰكِنَّ الْأَصْلَ قَامَ عَلَى إِبَاحَةِ ذٰلِكَ لِلزَّوْجِ بِحَقِّ زَوْجَتِهِ النَّاشِزِ، لَا عَكْسَهُ، قَالَ تَعَالَى:﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاءِ: ٣٤]

فَحِينَما تَخْشَى الزَّوْجَةُ نُشُوزَ زَوْجِهَا، أَوْ إِعْرَاضَهُ عَنْهَا بِطَلَاقِهَا، لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: فَاهْجُرِيهِ فِي الْمَضْجَعِ، وَلٰكِنْ قَالَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ :﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٨]

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ:

“فَإِذَا خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَنْفِرَ عَنْهَا، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهَا، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا، أَوْ بَعْضَهُ، مِنْ نَفَقَةٍ، أَوْ كِسْوَةٍ، أَوْ مَبِيتٍ، أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ ذٰلِكَ مِنْهَا، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا ذٰلِكَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا؛ وَلِهٰذَا قَالَ تَعَالَى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا)، ثُمَّ قَالَ: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) أَيْ: مِنَ الْفِرَاقِ، وَقَوْلُهُ: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) أَيْ: الصُّلْحُ عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْفِرَاقِ؛ وَلِهٰذَا لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِرَاقِهَا، فَصَالَحَتْهُ عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا، وَتَتْرُكَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذٰلِكَ مِنْهَا، وَأَبْقَاهَا عَلَى ذٰلِكَ.”

ذَكَرَ الرِّوَايَةَ بِذٰلِكَ، فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ:

“حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ هٰذِهِ الْآيَةُ: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.”

-وَمِنْ عَجَائِبِ، وَغَرَائِبِ مَا نَمَا بِالْأَسْمَاعِ فِي هٰذَا الزَّمَانِ، وَمَا بَدَا لِلنَّاظِرِ مِنْ قَمِيءِ الْفِعَالِ، وَانْتَشَرَ بَيْنَ الْوَرَى مِنْ سُوءِ الْخِلَالِ، وَشَاعَ مِنْ أَرْذَلِ الْخَبَالِ، أَنْ تَسْطُوَ الزَّوْجَةُ عَلَى حَقٍّ أَصِيلٍ شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَفَلَهُ لِلزَّوْجِ، فَتَتَسَيَّدَ عَلَيْهِ فِي مَوْطِنِ حَقٍّ لَهُ بِهِ السِّيَادَةُ، وَلَزِمَهَا أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لَهُ لَا مَتْبُوعَةً بِهِ، لَكِنْ أَبَتْ فِطْرَتُهَا الْمُنْحَرِفَةُ عَنِ الْحَقِّ، النَّائِيَةُ عَنِ الصِّدْقِ؛ فَتَسَيَّدَتْ، بَلْ، وَاسْتَأْسَدَتْ فِي مَوْطِنٍ لَا يَلِيقُ بِهَا، وَلَا يَحِقُّ لَهَا؛ فَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَخَّصَ لِلزَّوْجِ اسْتِخْدَامَ سِلَاحِ الْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ كَحَقٍّ أَصِيلٍ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ضِدَّ زَوْجَتِهِ حِينَما تَنْشُزُ؛ فَتُسِيءَ، وَتُخْطِئَ بِحَقِّهِ،بَعْدَ الْوَعْظِ، وَالتَّذْكِيرِ لَهَا بِمَا يُصْلِحُ حَالَهَا، وَيُقِيمُ اعْوِجَاجَهَا.

– إِذْا لَا يَحِقُّ شَرْعًا، وَلَا عُرْفًا لِلزَّوْجَةِ مَهْمَا بَلَغَ الرَّجُلُ مِنْ سُوءٍ فِي الْأَخْلَاقِ، وَتَقْتِيرٍ بِالْإِنْفَاقِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا عَنْهُ بِأَيِّ شَكْلٍ، وَأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ، كَأَنْ تَتْرُكَ لَهُ الْبَيْتَ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ، أَوْ تَنَامَ بِغُرْفَةٍ غَيْرِ غُرْفَتِهِ، أَوْ تَتَجَاهَلَ رَغَبَاتِهِ، أَوْ تَغُضَّ الطَّرْفَ عَنْ أَوَامِرِهِ، وَتُهْمِلَ رَغَبَاتِهِ، ضَارِبَةً بِعُرْضِ الْحَائِطِ مَشَاعِرَهُ، وَأُمْنِيَاتِهِ،إِلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، وَصَرِيحٍ يُفِيدُ ذٰلِكَ، وَطَالَمَا حَدَثَ انْتِفَاءٌ لِلدَّلِيلِ فَلَا ثُبُوتَ لِلْحُكْمِ، فَإِذَا فَعَلَتْ كَانَتْ نَاشِزًا، وَالنُّشُوزُ فِي اللُّغَةِ: الِارْتِفَاعُ وَالتَّعَالِي، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَرْضِ الْمُرْتَفِعَةِ (نَشْزٌ).

وَفِي الشَّرْعِ، اسْتُعْمِلَ هٰذَا اللَّفْظُ فِي مَعْنَى التَّعَالِي، أَوِ التَّمَرُّدِ عَنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ.

– وَنُشُوزُ الزَّوْجَةِ يَسْقُطُ بِذٰلِكَ حَقَّهَا فِي النَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَىٰ مُؤَقَّتًا حَتَّى تَعُودَ لِصَوَابِهَا، فَإِذَا رَجَعَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الطَّاعَةِ، وَتَابَتْ عَمَّا كَانَ مِنْ عِصْيَانٍ، وَذٰلِكَ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الْأُمُورِ التَّالِيَةِ:

١. رُجُوعُهَا إِلَى بَيْتِ الزَّوْجِ إِذَا كَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

٢. إِبْدَاؤُهَا الطَّاعَةَ لِزَوْجِهَا فِي الْمَعْرُوفِ، وَاعْتِذَارُهَا أَوْ إِظْهَارُ النَّدَمِ.

٣. امْتِثَالُهَا لِأَمْرِهِ الْمَشْرُوعِ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْهَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ (الْمُعَاشَرَةِ، حِفْظِ الْبَيْتِ، الِاحْتِرَامِ…).

٤. تَرَاجُعُهَا عَنْ سُوءِ الْخُلُقِ، أَوِ الْإِعْرَاضِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي نُشُوزِهَا.

فَإِذَا فَعَلَتْ ذٰلِكَ؛ عَادَتْ مُطِيعَةً، وَزَالَ حُكْمُ النُّشُوزِ، وَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْمُقَابِلِ أَنْ:يُحْسِنَ عِشْرَتَهَا، وَيَعُودَ الزَّوْجُ إِلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهَا،وَيُعَامِلَهَا بِالْمَعْرُوفِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ النُّشُوزِ.

– فَالْوَاجِبُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُعَاشِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنَ الزَّوْجَةِ نُشُوزٌ عَلَى زَوْجِهَا، فَإِنَّهُ يَعِظُهَا، فَإِنْ لَمْ يُفِدِ الْوَعْظُ هَجَرَهَا فِي الْمَضْطَجَعِ، وَلَا يَهْجُرُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ يُفِدِ الْهَجْرُ؛ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَحَيْثُ كَانَ الْهَجْرُ لِمَسُوِّغٍ فَلَا حَدَّ لَهُ.

قَالَ الْحِجَاوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ: إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، وَعَظَهَا، فَإِنْ رَجَعَتْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَالْأَدَبِ حَرُمَ الْهَجْرُ، وَالضَّرْبُ، وَإِنْ أَصَرَّتْ، وَأَظْهَرَتِ النُّشُوزَ: بِأَنْ عَصَتْهُ، وَامْتَنَعَتْ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى الْفِرَاشِ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَنَحْوِ ذٰلِكَ، هَجَرَهَا فِي الْمَضْطَجَعِ مَا شَاءَ، وَفِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا فَوْقَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ، وَلَمْ تَرْتَدِعْ؛ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا، فَيَكُونُ الضَّرْبُ بَعْدَ الْهَجْرِ فِي الْفِرَاشِ، أَمَّا أَنْ يَهْجُرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ خَارِجَ الْبَيْتِ، أَوْ يَهْجُرَهَا قَبْلَ الْوَعْظِ، أَوْ أَنْ يَهْجُرَهَا دُونَ ظُهُورِ نُشُوزٍ مِنْهَا، فَذٰلِكَ ظُلْمٌ مِنْهُ لَهَا، وَسُوءُ عِشْرَةٍ.

-وَفِي الْمُقَابِلِ لَا يَحِقُّ لِلزَّوْجِ هَجْرُ زَوْجَتِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، كَمَا أَنَّ هَجْرَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ مَهْمَا طَالَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ إِذَا هَجَرَهَا زَوْجُهَا لِغَيْرِ مَسُوِّغٍ شَرْعِيٍّ أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إِلَى الْقَاضِي؛ لِيُنْصِفَهَا مِنْهُ، وَيُجْبِرَهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ لَهَا حَقَّهَا، أَوْ يُطَلِّقَهَا مِنْهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.

-فَلِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ حُقُوقٌ عَلَى الْآخَرِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَا، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ تُطِيعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهَا بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ الْوَعِيدِ مَا يُرَهِّبُ الْمَرْأَةَ مِنَ الِامْتِنَاعِ عَنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا، وَيُخَوِّفُهَا، كَمَا ثَبَتَ أَيْضًا تَرْهِيبُ الرَّجُلِ مِنَ الِامْتِنَاعِ عَنِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ تُجَاهَ أَبْنَائِهِ وَزَوْجَتِهِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

-فَإِذَا قَصَّرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي حَقِّ الْآخَرِ، فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُقَصِّرَ فِي حَقِّهِ، فَكُلٌّ مَسْؤُولٌ عَنْ تَقْصِيرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَكِنَّنَا نَقُولُ لِلزَّوْجَةِ: إِذَا قَصَّرَ الزَّوْجُ فِي أَيِّ حَقٍّ لَكِ كَالْإِنْفَاقِ، فَمِنْ حَقِّكِ أَنْ تَعِظِيهِ أَوَّلًا، وَتُصَارِحِيهِ بِتَقْصِيرِهِ، وَتَطْلُبِي مِنْهُ الْوَفَاءَ بِحَقِّكِ، وَتَصْبِرِي عَلَيْهِ حَتَّى يُفِيَ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ فِي تَقْصِيرِهِ؛ فَلَكِ أَنْ تَشْكِيهِ لِأَهْلِهِ، وَأَهْلِكِ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي تَوْجِيهِهِ، وَإِلْزَامِهِ بِالْوَفَاءِ بِحَقِّكِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ۚ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ، الْآيَةُ ٣٥).

-فَإِنِ اسْتَحَالَ الصُّلْحُ، وَالِاتِّفَاقُ، فَلَهَا أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا فِي النَّفَقَةِ إِلَى الْقَضَاءِ، لَكِنْ لَيْسَ مِنْ حَقِّكِ أَنْ تَمْتَنِعِيَ عَنِ الْفِرَاشِ لِأَجْلِ ذٰلِكَ، لِأَنَّ الْهَجْرَ فِي الْمَضْجَعِ حَقٌّ أَصِيلٌ مَشْرُوعٌ مِنَ اللهِ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ لِعِلَاجِ نُشُوزِ الْمَرْأَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النِّسَاءِ: ٣٤].

-وَإِذَا نَشَزَ الزَّوْجُ، فَحَقُّ الْمَرْأَةِ ثَابِتٌ فِي طَلَبِ التَّحْكِيمِ، وَاللُّجُوءِ إِلَى الْقَضَاءِ، وَنَقُولُ لِلزَّوْجِ: اتَّقِ اللهَ فِي زَوْجَتِكَ، وَأَحْسِنْ عِشْرَتَهَا امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٩]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٨].

– إِذًا فَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ هَجْرُ فِرَاشِ زَوْجِهَا، وَالْمَبِيتُ فِي غَيْرِ مَخْدَعِ الزَّوْجِيَّةِ بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ، فَإِنْ فَعَلَتْ ـ بِغَيْرِ حَقٍّ ـ فَقَدِ ارْتَكَبَتْ مُحَرَّمًا، وَتَعَرَّضَتْ لِغَضَبِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَتَّجِهُ عَلَيْهَا اللَّوْمُ إِلَّا إِذَا بَدَأَتْ هِيَ بِالْهَجْرِ فَغَضِبَ هُوَ لِذٰلِكَ، أَوْ هَجَرَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ، فَلَمْ تَسْتَنْصِلْ مِنْ ذَنْبِهَا وَهَجَرَتْهُ، أَمَّا لَوْ بَدَأَ هُوَ بِهَجْرِهَا ظَالِمًا لَهَا، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهَا.

عَلَى أَنَّنَا نُوصِي الزَّوْجَيْنِ بِالتَّوَادِّ، وَالتَّغَاضِي عَنِ الزَّلَلِ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصُّلْحِ، وَالتَّفَاهُمِ، فَإِنَّ الْهَجْرَ فِي الْمَضْجَعِ يَزِيدُ مِنَ الشِّقَاقِ، وَلَيْسَ سَبِيلًا لِحَلِّ الْمَشَاكِلِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَمِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِزِمَامِ الْمُبَادَرَةِ لِمُصَالَحَةِ الزَّوْجِ ـ وَلَوْ كَانَ ظَالِمًا لَهَا ـ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ الْوَدُودُ، الْوَلُودُ، الْعَؤُودُ عَلَى زَوْجِهَا، الَّتِي إِذَا آذَتْ أَوْ أُوذِيَتْ، جَاءَتْ حَتَّى تَأْخُذَ بِيَدِ زَوْجِهَا، ثُمَّ تَقُولُ: وَاللهِ لَا أَذُوقُ غُمْضًا حَتَّى تَرْضَى». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

-لَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: «أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟» قَالَ: «الَّتِي تُسِرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ».

ـ إِنَّ الرَّجُلَ بِحَاجَةٍ إِلَى السَّكَنِ، وَإِلَى الْعَطْفِ، وَالْحَنَانِ، وَالْحُبِّ يَجِدُهَم فِي بَيْتِهِ، وَعِنْدَ زَوْجَتِهِ الَّتِي تَقُومُ بِرِعَايَةِ بَيْتِهِ، وَأَطْفَالِهِ، وَتَنْتَظِرُهُ عِنْدَ عَوْدَتِهِ بِالْحُبِّ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَنَانِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالِاهْتِمَامِ، وَهَٰذِهِ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ قُدْرَةِ اللَّهِ، وَعَظَمَتِهِ.

-إِنَّ الزَّوْجَ هُوَ جَنَّةُ الزَّوْجَةِ، وَنَارُهَا – أَيْ: مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ دُخُولِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ النَّارَ – بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا: «أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؟» قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: «فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ، وَنَارُكِ».رَواهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

ـ إِنَّ مِنْ عِظَمِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّهُ لَوْ صَلَحَ أَنْ يَسْجُدَ بَشَرٌ لِبَشَرٍ؛ لَأَمَرَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مِفْرَقِ رَأْسِهِ قُرْحَةً تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَلْحَسُهَا، مَا أَدَّتْ حَقَّهُ». صَحِيحُ الْجَامِعِ، فَقَدْ قَدِمَ مُعَاذٌ الْيَمَنَ ـ أَوْ قَالَ: الشَّامَ ـ فَرَأَى النَّصَارَى تَسْجُدُ لِبَطَارِقَتِهَا وَأَسَاقِفَتِهَا، فَرَوَّى فِي نَفْسِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَحَقُّ أَنْ يُعَظَّمَ. فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ النَّصَارَى تَسْجُدُ لِبَطَارِقَتِهَا، وَأَسَاقِفَتِهَا، فَرَوَّيْتُ فِي نَفْسِي أَنَّكَ أَحَقُّ أَنْ تُعَظَّمَ” فَقَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ؛ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَيْهَا كُلَّهُ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا عَلَيْهَا كُلَّهُ، حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ لَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ». الرَّاوِيُ: عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، تَخْرِيجُ «الْمُسْنَدِ» لِشُعَيْبٍ، الرَّقْمُ: ١٩٤٠٣.

ـــ لَقَدْ شَدَّدَ الْإِسْلَامُ فِي أَمْرِ التَّوْحِيدِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ ـ تَعَالَى ـ، وَكَذَلِكَ شَدَّدَ عَلَى طَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ اللَّهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَيْهَا كُلَّهُ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا عَلَيْهَا كُلَّهُ، كَمَا يُبَيِّنُ هٰذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ ـ يَعْنِي: لَوْ كَانَ السُّجُودُ جَائِزًا بَيْنَ الْعِبَادِ ـ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». وَلَكَانَ هُوَ الْأَوْلَى بِسُجُودِ زَوْجَتِهِ لَهُ؛ لِمَا لِلزَّوْجِ مِنْ فَضْلٍ، وَقِوَامَةٍ تُوجِبُ تِلْكَ الطَّاعَةَ، وَلِكَثْرَةِ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا، وَعَجْزِهَا عَنْ الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ؛ وَفِي هٰذَا غَايَةُ الْمُبَالَغَةِ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا.

ــ بَلِ الأَكْثَرُ مِنْ ذٰلِكَ: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى قَتَبِ بَعِيرٍ، لَوَجَبَ عَلَيْهَا تَلْبِيَةُ رَغْبَتِهِ؛ فَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ عَلَيْهَا كُلَّهُ، حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا عَلَيْهَا كُلَّهُ. فَقَرَنَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَقَّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ بِحَقِّ اللهِ؛ فَإِذَا كَفَرَتِ الْمَرْأَةُ حَقَّ زَوْجِهَا، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهَا هٰذِهِ الْغَايَةَ، كَانَ ذٰلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَهَاوُنِهَا بِحَقِّ اللهِ، «حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا» لِلْجِمَاعِ، «وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ»، وَالْقَتَبُ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ، وَكَالْبَرْذَعَةِ لِلْحِمَارِ، «لَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ». وَمَعْنَاهُ: الْحَثُّ عَلَى مُطَاوَعَةِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَأَنَّهُنَّ لَا يَنْبَغِي لَهُنَّ الِامْتِنَاعُ فِي هٰذِهِ الْحَالَةِ، فَكَيْفَ فِي غَيْرِهَا؟!

-وَفِي الْحَدِيثِ: النَّهْيُ عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللهِ، وَفِيهِ: بَيَانٌ لِعِظَمِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ.

إِنَّ غَضَبَ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَعَدَمَ رِضَاهُ عَنْهَا، كَفِيلٌ بِلَعْنَةِ أَهْلِ السَّمَاءِ لَهَا ـ أَيْ: الْمَلَائِكَةِ ـ فَتَدْعُوا عَلَيْهَا؛ بِالطَّرْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ حَتَّى تُصْبِحَ، أَوْ حَتَّى تُلَبِّيَ رَغْبَتَهُ، وَتَقُومَ بِحَاجَتِهِ:”«إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».الرَّاوِي: أَبُو هُرَيْرَةَ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، الصَّفْحَةُ أَوِ الرَّقْمُ: ٣٢٣٧.

ــ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حُكْمَ امْتِنَاعِ الْمَرْأَةِ مِنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا إِذَا دَعَاهَا، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْجِمَاعِ، فَإِذَا طَلَبَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَامْتَنَعَتْ عَنْ إِجَابَتِهِ، فَغَضِبَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَبَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ؛ كَانَ عَاقِبَةُ ذٰلِكَ وَخِيمَةً عَلَى الزَّوْجَةِ، حَيْثُ تَلْعَنُهَا الْمَلَائِكَةُ، فَتَدْعُو عَلَيْهَا بِالطَّرْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ـ تَعَالَى ـ حَتَّى الصَّبَاحِ؛ لِأَنَّهَا عَصَتْ زَوْجَهَا، وَمَنَعَتْهُ حَقَّهُ الشَّرْعِيَّ.

-وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ: «لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ»، وَمَعْنَى ذٰلِكَ: أَنَّ اللَّعْنَةَ تَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا حَتَّى تَزُولَ الْمَعْصِيَةُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، أَوْ بِتَوْبَتِهَا، وَرُجُوعِهَا إِلَى الْفِرَاشِ.

-وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذٰلِكَ مَا لَوْ كَانَ لَدَيْهَا عُذْرٌ شَرْعِيٌّ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَفِيهِ: النَّهْيُ عَنْ عِصْيَانِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِكَوْنِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خَوَّفَ بِذٰلِكَ.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading