محاولة في أصول وتجليات الفلسفة النسوية / لحسن وحي كاتب مغربي وباحث في الفلسفة والفن

أقدم مقالي (مقال رأي) هذا تحت عنوان:” محاولة في أصول وتجليات الفلسفة النسوية ” كمحاولة فهم وإثارة جملة من الإشكاليات والتساؤلات. من خلاله، أسعى إلى تبيين الأصول الفلسفية والفكرية والمفاهيم التي استندت إليها الفلسفة النسوية، مع توضيح كيفية تجليها على المستوى التطبيقي والنظري، من خلال استعراض بعض النماذج النسوية داخل مجالات فكرية ومعرفية. وإلى جعل محاولتي هاته، مساهمة فكرية تثري الحوار وتعزز الانفتاح.
بما أن مسألة البدء من الصفر تصبح أمرًا مستبعدًا بل ومتعذراً فلسفيًا وفكريًا، فإن الفلسفة النسوية تمتلك أيضًا منطلقاتها ومرجعياتها؛ كما أن أي تيار فكري أو فلسفي يمتلك مفاهيمه الخاصة وهو في أطوار ومراحل تفتقه، فإن الفلسفة النسوية أيضًا تتمتع بمفاهيمها الفريدة ونواة اشتغالها التي ما فتئ تستوحيها من فلسفات وتيارات فكرية متعددة، وتخضعها لمبادئها ومسلماتها ولطابعها النضالي. ونظرًا لكون هذا الموضوع له حجمه وتأثيره المستقبلي، فإنه يتطلب حرصًا شديدًا على مستوى العبارات والكلمات المستخدمة، وعلى مستوى التعامل والتناول. ومن الطبيعي كذلك أن يشمل الحديث الفلسفي حول هذا الموضوع تحررا وانفلاتا من قبضة وأسر التصور الفلسفي التقليدي حول المرأة، الذي وضعه الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو ونيتشه وغيرهم من الذين يقرون بدنيوية المرأة.
ولعل أفضل ما يمكنني البدء به، اقتباس للمفكرة والروائية اللبنانية “يمنى العيد”، في مقالها ” الخطاب الأنثوي والجسد الروائي” (2003):” وكان من الطبيعي أن يتخذ الخطاب النسوي – الثقافي ..طابع الخطاب التحرري: تحرر المرأة بصفتها أنثي من سلطوية يمارسها عليها الرجل بصفته ذكرا.” ونضيف قولا أخرا، للعالمة الاجتماع المغربية ” فاطمة المرنيسي” قائلة في كتابها ” السلوك الجنسي في مجتمع إسلامي رأسمالي تبعي (1982):” ذلك أن التمايز الطبقي في المجتمع المغربي يفرز معاناة خاصة.. والحديث عنها يعني أولاً محاولة إلقاء الضوء على وضعية.. جماهير النساء المغربيات اللواتي يعانين من ظروف حياة صعبة في إطار اقتصاد رأسمالي تبعي.. فالتحديث الذي عرفته بنيات العديد من المؤسسات.. لم يكد يمس التصورات السائدة والعلاقات الاجتماعية التي ظلت وثيقة الارتباط بالفكر الأبوي المضطهد للمرأة”.
عندما نأخذ لحظة للتأمل في الاقتباسين السابقين، نجد أنفسنا أمام قضية المرأة بين التحرر والتحرير، حيث تُعَدُّ أم القضايا وضرورة إنسانية تطرح معها فكريا وفلسفيا أسئلة من قبيل: ما هي المرجعيات والأسس الفلسفية التي أسست للحركة النسوية في العالم بأسره؟ ما هو الأصل أو الأس الفلسفي والأيبستمي والأيكولوجي الذي استمدت منه توجهات الفلسفة النسوية قوتها في مواجهة السلطوية الذكورية في الفلسفة والمعرفة؟ على اعتبار جدور النسوية نابع من حركات كانت في بوكرها حركات سياسية اجتماعية عرفها العالم إبان القرن التاسع عشر وما قبله إلى اليوم. إذ تعمل هذه الحركات على استهداف غايات اجتماعية ملموسة؛ فمن خلال تطوّرها عبر الأجيال اللاحقة، أسفر ذلك عن نشوء فلسفة سمية بالفلسفة النسوية، والتي ترتبط بشكل أكبر بالواقع والفكر، وتتضمن مراجعة ونقد وتقويض وتعديل للنظام الأبوي (البطريركي) الذي كان يرى نفسه الوصي والحارس الوحيد لتاريخ الحضارة الغربية، فتبدأ أولاً بنقد مفهوم الفلسفة الغربية التقليدية التي تجعل من العاطفة سلبا وتحاول استبعادها كهدف.
عمومًا، في بداياتها، اتجهت الحركة النسوية إلى اعتماد واختيار التصور الوجودي الذي قدمته الفيلسوفة الوجودية الفرنسية “سيمون دي بوفوار ” حول المرأة. ففي كتابها “الجنس الثاني” (1949)، أشارت “سيمون” إلى عدم وجود فارق بيولوجي حاد بين الذكور والإناث في سنوات الطفولة، واعتبرت المرأة لا تولد امرأة بل تصبح كذلك، بصوفها كائن بشري كامل وليس كجنس ثان ناقص. وقد تجلى اعتماد الحركة النسوية على فكر “سيمون” بوضوح في رفضها وتقويضها لفكرة الحتمية البيولوجية التي ظلت تسود لسنوات طويلة، والتي حكمت على المرأة بقدر يُبقها على الهامش وفي حالة من الإقصاء المتعمد.
ومن خلال رفض مبدأ الحتمية البيولوجية، أعلنت الحركة النسوية عن ولادة فلسفة نسوية، تحمل مفاهيم ومبادئ جديدة على المستوى الإبستمولوجي والإيكولوجي والميتودولوجي. علاوة على ذلك، لجأت “سيمون” نفسها إلى استخدام التحليل النفسي والمادية التاريخية لدراسة وضع المرأة، الذي يُنظر إليه عادة على أنه وضع استثنائي غريب قياسا إلي وضع الرجل.
وقد قامت – الفلسفة النسوية – بتقديم تحليل نفسي نسوي لا يقوم على مبدأ الذكورة كمعيار ولا يقوم على إغفال أو حيود الأنوثة. فاستندت الفلسفة النسوية النفسية إلى مفهوم “جاك لاكان” في تحليل الفروق بين الجنسين. ونضج هذا التحليل النفسي النسوي لأن يصبح أسس الوعي الأنثوي والهوية الأنثوية. كما استفادت الفلسفة النسوية أيضًا من الفينومينولوجيا، من خلال توظيفها في تحليل الخبرة الحية المعيشة في الواقع. وقد استوحت هذا التحليل من فينومينولوجيا الفيلسوف الفرنسي “إيمانويل ليفيناس”، الذي قدم تحليلاً للخبرة العينية للنساء ووعيهن بجنسهن وجنوستهن، واستيعاب نواقص الحداثة وما بعدها. وأصبح معها أي الفينومينولوجيا النسوية، العقل مصحوب الشعور، على اعتبار الشعور قياسا إلى العقل مصدرا من مصادر الفهم، ونتيجة من نتائج الفهم.
- الأصول البنيوية للفلسفة النسوية:
تأتي هذه الأصول كمرجع أساسي للفلسفة النسوية، حيث تقوم على أطروحات فلسفات ما بعد الحداثة، مثل النزعة التفكيكية التي سعت إلى التشريح والتقويض والكشف عن التناقضات والتضادات، وإلقاء الضوء على المهمش والمنسي والمختلف، وهدم كل أشكال الهيمنة.وتعتمد الفلسفة النسوية بشكل كبير على هذه النزعة كأساس ومنهجية لها، خاصة أنها جاءت في سياق ما بعد الحداثة. وبالتالي، تهدف الفلسفة النسوية إلى تفكيك الهيمنة أو المركزية الذكورية التي سادت الفكر الغربي وأحكمت قبضتها على الحضارة والثقافة والمجتمع. كما تستمد الفلسفة النسوية مفاهيمها من حقول المعرفية متنوعة، وتهدف بشكل عام إلى الدفاع عن التأثير الثقافي والفكري للأنثى، وعن كينونة التأنيث، والنضال المعرفي والفلسفي ضد سطوة الفكر الذكوري.
استوحت الفلسفة النسوية مفاهيمها من مفكرين ينتمون إلى فلاسفة الاختلاف، مثل “ميشيل فوكو”، حتى وإن كان “فوكو” نفسه لم يولي الاهتمام الكافي لهذا الموضوع. فمنذ السبعينيات من القرن الماضي، حاولت الحركة أو الفلسفة النسوية استيعاب وتوظيف المفاهيم الفوكوية، مثل مفهوم القوة والسلطة والثقافة، لدراسة وتحليل العلاقات بين الجنسين ونشر خطاب نسوي ينادي بالمساواة والعدالة؛ فكما لاحظ المفكر الفلسطيني ” إدوار سعيد” في أكثر من مناسبة، أن الفلسفة النسوية توجهت تحديدا إلى دراسة مفهوم القوة في تصوره الفوكوي، بأنواعها وأشكالها وتوزيعها. وهذا إن دل فإنما يدل، على كون مفهوم القوة في عرف الفلسفة أو الخطاب النسوي، ملهما وضروريا لفهم أي تحول اجتماعي ومحاولة التدخل فيها قصد توجيهه بالقدر الكافي لصالح العدالة بين الجنسين. وبفضل هذا التوظيف النظري لمفهوم القوة، استطاعت النسوية اكتساب قدرات منهجية ومهارات استراتيجية وثقة ذاتية، مع تحطيم القيود والقوالب الفكرية الجاهزة التي كانت تعتبر المرأة أدنى أو أقل من الرجل. بل وسمحت هذه الخطوة على مستوى الخطاب والواقع للمرأة بأن تحقق فعالية وانخراط إيجابي في المجتمع. بالتالي، يفهم الخطاب النسوي هنا، على أنه تفكيك لكل النماذج اللا مساواتية التي طابعة الخطابات الفلسفية والسياسية والاجتماعية، وخلخلة كل التصنيفات التي من شأنها خلق فوارق طبقية (الوجود الأعلى والأدنى، السيد والعبد، المركز والأطراف…)، وقلب كل ما هو مألوف والنبش في المهمش الواقع تحت رحمة التراتبية، بالمقابل، الدعوة إلى لامركزية العقل الذكوري في الخطاب الإنساني وصياغة هوية نسوية منفتحة لا مقيدة.
- الأصول الإبستمولوجيا للفلسفة النسوية:
إلى جانب النزعة البنيوية التفكيكية، كانت الفلسفة أو الحركة النسوية على دراية واسعة في مبتغاها النضالي في شتى الحقول المعرفية، ومرد هذا الاختيار النضالي العلمي، المنحى الذي عرفه العلم الحديث والتطور الحاصل في الحقل الإبستمولوجي. ففي هذا الصدد، تقول الباحثة المصرية “يمنى طريف الخولي”: ” في مطلع ثمانينيات القرن العشرين ظهرت الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم النسوية في الفكر الغربي، وسارت قدمًا على مدار العقدين الآخيرين منه.. وقد باتت من ملامح المشهد الفكري، كتيار ذي معالم مميزة، يمثل إضافة حقيقية إلى ميدان فلسفة العلوم ونظريات المعرفة العلمية (الأبستمولوجيا)، والمنهج العلمي (الميتودولوجيا).”
ووفقًا لهذا القول، فلا مناص إذا من أن لهذا التأثير والإسهام الذي ألحقه الحقل الإبستمولوجي في ميلاد أبستمولوجيا وفلسفة علمية نسوية.وهي إبستمولوجيا تقوم على مقولة الذات الأنثوية العارفة، وتتبنى فلسفة الرفض، رفض التسليم بالوضع القائم والقيم الذكورية التي كان العلم الحديث يؤمن بها وينادي حيالها بفكرة استبعاد كل ما هو أنثوي (الشعور، الإحساس). وبالمقابل، تحليل النظري للأسباب والهياكل والأليات القهرية الاجتماعية والثقافية التي تؤثر على حياة النساء، وإنتاج المعرفة والنظريات النسوية. كما أن هذا الرفض من قبل الفلسفة النسوية تجاوز رفض فكرة الاستبعاد، إلى رفض التفسير الذكوري للعلم، لتخلق الفلسفة النسوية باستيرادها دعائم كبرى من حقول علمية ومن فلسفة الرفض، ميلادًا لأبستمولوجيا جديدة وفلسفة خاصة، سميت بالإبستمولوجيا العلمية النسوية، وهي إبستمولوجيا لاتقطع الصلة مع الميتافيزيقا والقيم كما فعلت سابقاتها، بل تحاول مد الجسور بين الميتافيزيقيا والأبستمولوجيا، إذ هي أبستمولوجيا تحريرية قائمة على كشف التوازن العادل لوجودنا في العالم، وإعطاء تصورًا أنثويًا خاصًا له؛ بمعنى أنها تقيم علاقة صلبة بين الوجود والمعرفة والقيمة، وعلى نُصرت الديمقراطية العلمية والتعددية الثقافية وكذا الاعتراف بالآخر وبمجهوده في المسار الذي تسلك الحضارة والفكر الإنساني ككل.
وقد تجلى هذا التمكن أو المشاركة النسوية في نظرية المعرفة، في الموقف الإبستمولوجي الذي يربط المعرفة بالأخلاق، إذ نجد تبلور هذا الموقف النسوي مع الإبستمولوجية “لورين كود”، التي قدمت نظرية المعرفة من منظور نسوي يجمع بين الحرية والمسؤولية وبين الفضائل والحب. في ذات المنوال، ثمة مساءلة المنظومات الفكرية السائدة من قبل الفيلسوفة النسوية الاسترالية “جنيفيف لويدGenevieve Loyd” والأمريكية “إيفلين فوكس كليرEvelyn fox keller”. ومراجعة مفهوم العقل، لأنه كان مفهومًا قائمًا على موقف تقليدي ينحاز إلى الذكورية ومناقض لكل ما هو نسوي وللقيم والتوجهات الأنثوية.
كما استمسكت الفلسفة النسوية بالسوسيولوجيا، بحيث نجد سوسيولوجيات نسوية، نذكر على سبيل المثال العالمة الاجتماعية النسوية “هيلاري روز”، التي كرست اهتمامها بالدور الفعال للمرأة في إنتاج المعرفة العلمية، والبحث في مفهوم الموضوعية والعقلانية في النظرية والممارسة العلميتين. ليس هذا فقط، إنما حاولت استلهام خصائص من الأدب وإدخالها كعنصر يُخرج العلم من جفائه، في كتابها “الحب والقوة والمعرفة: نحو انقلابية نسوية في العلم (1994)”.
- الأصول الميتودلوجيا للفلسفة النسوية:
تحاول الميتودلوجيا النسوية في المجال المعرفي رفض المنهجيات التقليدية التي تعتمد بشكل أساسي على العقل. بالمقابل، تسعى إلى إبراز أهمية الشعور والإحساس، العاطفة والوجد، الانفعال والذوق، والتفاعلات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية في بناء تصور مكتمل الأركان للعلم والعالم. وتسعى أيضا إلى تحقيق تكامل في العملية العلمية، حيث تأخذ في الاعتبار الشعور والإحساس دون إقصاء الحواس والعقل. كما تشدد الفلسفة النسوية على تبني منهجية متعددة، مستوحاة من أفكار الفيلسوف النمساوي ” بول فايرآباند ” في رفضه وجود نسق علمي ثابت ونهائي، وقوله بالتعددية المنهجية. وقد تم توظيفها، أي الميتودلوجيا النسوية، أولا لتقويض كل التراتب هرمي وإعطاء تقدير للملاحظة والشعور، ثانيا للكشف عن التحيز الذكوري في الممارسات العلمية، ثالثا جعلها فلسفة تطبيقية، قائمة على السياقية ورفض إطلاقيه الأحكام.
- الأصول الإيكولوجيا للفلسفة النسوية:
أمام فكرة السيطرة العلمية والتقنية على الطبيعة وتسخير عناصرها العضوية لصالح الإنسان، ومعاملتها ككائن يمكن التحكم فيه بشكل ميكانيكي، أو كآخر ينظر إليه نظرة تشيئيه أو كعنصر أقرب إلى الآلة، الفكرة التي وجدت جذورها الميتافيزيقيا في الفلسفة الديكارتية وغيرها. وإزاء هذا، تمخضت كارثة بيئية صارت تهدد كل أشكال الحياة، فكان العالم في مواجهة أعراض خطيرة كانت نتاج هذا التطور المهول على مستوى العلم والتقنية. فلم تبق النسوية مكتوفة الأيدي، بل ظهرت بقوة وأسست من جديد فلسفة نسوية بيئية، تعير مكانة واهتمام للعلاقة الحميمية التي تجمع الطبيعة أنثي والأنثى طبيعة، وتقيم تقويضا لذكورية البيكونية والميكانيكية، بهدف تأسيس علاقة جديدة مع الطبيعة أو البيئة بدلا من قهرها وتشويهها. وهي أنطولوجية نسوية تزكي صلة الإنسان بالطبيعة، على خلاف الأنطولوجيا الذكورية القائمة على السيطرة والانفصال عن الطبيعة كآخر سلبي.
يُعَد كتاب ” النسوية أو الموت (1974)” من أوائل الكتب التي تطرقت إلى هذه المعضلة، بشكل الذي سمح بظهور وصياغة مصطلح النسوية البيئية؛ وفي هذا الصدد، قدمت النسويات مثل العالمة الأمريكية “ليندا جين شيفرد”، تصورا أنثويا للعلم في علاقته بالطبيعة، حيث اعتمدن على فكرة الإنصات والتفاعل مع الطبيعة بدلاً من السيطرة عليها واجتثثها أيام اجتثاث. فجعلن العلم يتحول إلى حوار مع الطبيعة، بدلاً من كونه قوة تسيطر عليها وتدميرها. وهو التصور الذي نجد له حضورا قويا في فلسفة الفيلسوف الإنجليزي ” بنتراند راسل”.
لتنعكس هذه الفلسفة النسوية البيئية في الدعوة إلى التصالح مع الطبيعة، ولانفتاح والإنصات إلى صوتها، بدلاً من ممارسة السيطرة والاستغلال الرأسمالي. ومن بين النسويات البيئية البارزات، العالمة الهندية ” فاندانا شيفا” صاحبة “صنع السلام مع الأرض”، التي أجادت في تقديم مقارنة بين وضع الطبيعة ووضع المرأة. ترى “شيفا” أن وضع المرأة يشبه وضع الطبيعة، إذ يستغل العلم الطبيعة وتستغل الرأسمالية المرأة. وفي رُؤية النسوية هاته، يكمن الحل في اقتلاع جذور مركزية العقل الذكوري، إذ يعتبرنها الشرط الضروري لتحرير المرأة والحفاظ على البيئة. ويعكس هذا الموقف البيئي النسوي جانبًا من مظاهر الفلسفة النسوية الرافضة، حيث يتمثل ذلك في رفضهن قيم الحداثة والتنوير، باعتبارها تجسيدًا لفكر ما بعد الاستعمارية.
بشكل عام، تسعى الإيكولوجيا النسوية إلى إحداث تحول في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، كما أن تحرير المرأة وحماية البيئة لايمكن أن يتحقق إلا من خلال تغيير في الأفكار والقيم التي تحكم العلاقة بينهما، والتخلص من الموقف العلمي الذكوري إزاء الطبيعة.
هكذا حاولت ولا زالت تحاول الفلسفة النسوية بأصولها وتجلياته الإبستمولوجية والإيكولوجية والميتودولوجيا وحضورها العلمي والثقافي والأدبي على حد سواء، خلق نوع من التوازن العلمي، لتجعل العلم أكثر انفتاح وتكاملا، لا على المستوى النظري والمنهجي فحسب، وإنما على مستوى المتطلبات الثقافية والحضارية والبيئية، ورفض النظرة القائلة بأن الرجل وحده الكفيل والصانع للعقل والقرار، للعلم والقيم وللخبرة الإنسانية. ولئن كانت الفلسفة النسوية استجابة واعية تراهن على الحرية والمساواة العادلة، كمبدأ وشرط جودي لا محيد عنه، فهي اعلن صريح عن إسقاط التصور الفلسفي التقليدي المتخذ إزاء المرأة. والجدير بالذكر وبمعزل عن التصور والهيمنة الذكورية لتاريخ الحضاري والعلمي، كان هنالك من الرجال من ينادي بما تنادي به النسوية، وأقصد هنا، الموسوعيين الفرنسيين ك”دينس ديدرو” وأدريان هيلفسيوس”.
عودا إلى البدء، تسعى كل فلسفة لتفرض نفسها، تحقيق نوعا من التمسك من خلال مفاهيمها. والفلسفة النسوية، بدورها، استلهمت مجموعة من المفاهيم من مختلف الحقول الفكرية والفلسفية والأدبية كأداة تحليلية تكشف عن المهمل من تاريخ البشرية. كمفهوم الضدية الذي سعت من خلاله إلى خلع الستار عن التناقضات والتباينات في العلاقات والظواهر الاجتماعية والثقافية بين الجنسين، وفهمها بشكل أعمق. ومفهوم اللاوعي الجمعي، الذي يظهر بقوة في أعمال الكاتبة والمؤرخة البريطانية “ليزا جاردين”. ومن خلاله، تم رفض تعريف المرأة بناءً على السايكوبيولوجي، الذي يعتمد على تحديدها من منطلق الجسد.
ومفهوم الاضطهاد/الاستلاب الذي يستند إلى النظرية الأيديولوجية الماركسية، لفهم طبيعة العلاقات الاقتصادية والسلطوية، وكيف يتم استغلال الطبقات الضعيفة والمستضعفة في المجتمع. ومفهوم الخياليةُ، المعروف عند “جاك لاكان” وقد تجلى بوضوح في أعمال المحللة النفسية الاجتماعية الفرنسية “لوسي إيريغاري Luce Irigaray ” وماري وول”، ومعهن أخذ طابع العقلانية، من خلال فهم كيفية بناء الهويات الفردية والجماعية.
تتوجا لما سبق، إن الفلسفة النسوية بمختلف أصولها الفلسفية وتجليتها الفكرية، فهي تحاول كفلسفة نقدية وموقف مبدئي إعادة صياغة المفاهيم والإفلات من التصور التقليدي للفلسفة وللمرأة وللعلم، والتحرر من قبضة منظور الهيمنة الذكورية. وكمحاولة جادة تؤمن بالتعددية الثقافية ونقض مركزية المركز. هكذا أيضا يمكن تصنيفها، أي الفلسفة النسوية، على أنها قراءة وفحص وتأويل وتقويض نسوي لتاريخ الفلسفة، واستجابة لمتطلبات الحاضر النسوي والعالم، الذي لاينفصل البتة عن الحاضر الذكوري، فهو بالمقدار الذي يختلف معها يظل قرينه دون تميز. ولأن الفلسفة النسوية اخترقت مدارج التنظير والتجريب، فكذلك نحت نحو أو بتعبير أدق انتقلت من موقف نقد وتقويض وقلب للهيمنة والمركزية الذكورية إلى خلخلة التصنيفات القاطعة للمعارف، وإبداع إبستمولوجي وأنطولوجي وإيكولوجي وميتودولوجي وأدبي يضهى ما وصل إليه العقل الذكوري.



