إِبْطَالُ قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ مِنْ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” للإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ-لطفي خيرالله-تونس

بِسْمِ الله اُلرَّحْمَنِ اُلرَّحِيمِ
اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ
فِي إِبْطَالِ2 قَوْلِهِمْ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَاَلَمِ1.
-I قَالَ اُلإِمَامُ اُلْغَزَالِيُّ “لِيُعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةَ فَرْعُ اُلأُولَى3، فَإِنَّ اُلْعَالَمَ عِنْدَهُمْ كَمَا أَنَّهُ أَزَلِيٌّ لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، فَهْوَ أَبَدِيٌّ لاَنِهَايَةَ لِآخِرِهِ4، وَلاَ يُتَصَوَّرُ فَسَادُهُ وَلاَ فَنَاؤُهُ5، بَلْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، وَلاَ يَزَالُ أَيْضًا كَذَلِكَ6.
وَأَدِلَّتُهُمْ اُلأَرْبَعَةُ اُلَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي اُلأَزَلِيَّةِ جَارِيَةٌ فِي اُلأَبَدِيَّةِ، وَاُلاِعْتِرَاضُ كَاُلاِعْتِرَاضِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ7. فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اُلْعَالَمَ مَعْلُولٌ8 وَعِلَّتُهُ أَزَلِيَّةٌ9 أَبَدِيَّةٌ10، فَكَانَ اُلْمَعْلُولُ مَعَ اُلْعِلَّةِ11. وَيَقُولُونَ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ اُلعِلَّةُ لَمْ يَتَغَيَّرْ اُلْمَعْلُولُ، وَعَلَيْهِ بَنَوْا مَنْعَ اُلْحُدُوثِ12، وَهُوَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي اُلاِنْقِطَاعِ13، وَهَذَا مَسْلَكُهُمُ اُلأَوَّلُ14.
وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّانِي15 أَنَّ اُلْعَالَمَ إِذَا عَدِمَ فَيَكُونُ عَدَمُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ16، فَيَكُونُ لَهُ “بَعْدٌ”، فَفِيهِ إِثْبَاتُ اُلزَّمَانِ17.
وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّالِثُ18 أَنَّ إِمْكَانَ اُلْوُجُودِ لاَ يَنْقَطِعُ19، فَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ اُلْمُمْكِنُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ20، إِلاَّ أَنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ لاَ يَقْوَى21، فَإِنَّا نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا، وَلاَ نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَبَدِيًّا لَوْ أَبْقَاهُ اُلله تَعَالَى أَبَدًا22، إِذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اُلْحَادِثِ أَنْ يَكُونَ لَهُ آخِرٌ23، وَمِنْ ضَرُورَةِ اُلْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَوَّلٌ24. وَلَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ لاَ مَحَالَةَ آخِرٌ إِلاَّ أَبُو اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّفِ25، فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا يَسْتَحِيلُ فِي اُلْمَاضِي دَوْرَاتٌ لاَ نِهَايَةَ لَهَا، فَكَذَلِكَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ26، وَهْوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّ كُلَّ اُلْمُسْتَقْبَلِ قَطُّ لاَ يَدْخُلُ فِي اُلْوُجُودِ لاَ مُتَلاَحِقًا وَلاَ مُتَسَاوِقًا، وَاُلْمَاضِي قَدْ دَخَلَ كُلُّهُ فِي اُلْوُجُودِ مُتَلاَحِقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَسَاوِقًا27. وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّا لاَ نُحِيلُ بَقَاءَ اُلْعَالَمِ أَبَدًا مِنْ حَيْثُ اُلْعَقْلُ، بَلْ نُجُوِّزُ إِبْقَاؤُهُ وَإِفْنَاؤُهُ، فَإِنَّمَا يُعْرَفُ اُلْوَاقِعُ مِنْ قِسْمَيِّ اُلْمُمْكِنِ بِاُلشَّرْعِ، فَلاَ يَتَعَلَّقُ اُلنَّظَرُ فِيهِ بِاُلْعُقُولِ28.
وَأَمَّا مَسْلَكُهُمُ اُلرَّابِعُ29 فَهْوَ مُحَالٌ30، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ31 إِذَا عَدِمَ اُلْعَالَمُ بَقِيَ إِمْكَانُ وُجُودِهِ، إِذِ اُلْمُمْكِنُ لاَ يَنْقَلِبُ مُسْتَحِيلاً32، وَهْوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ33، فَيَفْتَقِرُ كُلُّ حَادِثٍ بِزَعْمِهِمْ إِلَى مَادَّةٍ سَابِقَةٍ34، وَكُلُّ مُنْعَدِمٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى مَادَّةٍ يَنْعَدِمُ عَنْهَا35. فَاُلْمَوَادُّ وَاُلأُصُولُ لاَ تَنْعَدِمُ، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ اُلْحَالَّةُ فِيهَا36.
وَاُلْجَوَابُ عَنِ اُلْكُلِّ مَا سَبَقَ37. وَإِنَّمَا أَفْرَدْنَا هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةَ لِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا دَلِيلَيْنِ آخَرَيْنِ.
شَرْحٌ -I-
1) [… فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَاَلَمِ]، اُلأَبَدُ هُوَ كُلُّ أَوْقَاتِ اُلْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي سَتُوجَدُ وَاُلَّتِي لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ أَخِيرٌ إِذَا وُجِدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ آخَرُ سَيُوجَدُ بَعْدَهُ، كَمَا أَنَّ اُلأَزَلَ هُوَ كُلُّ أَوْقَاتِ اُلْمَاضِي اُلَّتِي وُجِدَتْ وَاُلَّتِي لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ أَوَّلُ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ آخَرُ قَبْلَهُ كَانَ قَدْ وُجِدَ. وَمَعْنَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ هُوَ أَنَّهُ كُلُّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلْمُسْتَقْبَلِ اُلَّتِي لاَ آخِرَ لَهَا، مَتَى وُجِدَ وَافَقَ ضَرُورَةً وُجُودُ اُلْعَالَمِ وُجُودَهُ، كَمَا أَنَّ مَعْنَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَزَلِيٌّ هُوَ أَنَّهُ كُلُّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلْمَاضِي اُلَّتِي لاَ أَوَّلَ لَهَا، لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا، فَقَدْ وَافَقَ ضَرُورَةً وُجُودُ اُلْعَالَمِ وُجُودَهُ.
2) [فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَاَلَمِ]، اِعْلَمْ أَنَّ إِبْطَالَ اُلْغَزَالِيِّ لِمَذْهَبِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ لَيْسَ كَإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ فِي اُلأَزَلِيَّةِ. لِأَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ فِي اُلأَبَدِيَّةِ كَمَا فِي اُلأَزَلِيَّةِ إِنَّمَا يُثْبِتُونَ أَمْرَيْنِ اِثْنَيْنِ : اُلأَوَّلَ أَنَّ اُلْعَالَمَ جَائِزُ اُلأَبَدِيَّةِ، أَوِ اُلأَزَلِيَّةِ. وَاُلثَّانِي أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، وَهْوَ أَزَلِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ. لِذَلِكَ كَانَ فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى إِنَّمَا قَصَدَ بِاُلإِبْطَالِ لَيْسَ فَقَطْ اُلضَّرُورَةَ فِي كَوْنِ اُلْعَالَمِ أَزَلِيًّا، فَإِنَّ نَقِيضَ هَذَا اُلصَّادِقَ سَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَزَلِيٌّ بِاُلْجَوَازِ. بَلْ إِنَّهُ رَامَ أَيْضًا إِبْطَالَ هَذَا اُلْجَوَازِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ عِنْدَهُ هُوَ وَاجِبُ اُلْحُدُوثِ، إِذَنْ فَهْوَ أَزَلِيٌّ بِاُلاِمْتِنَاعِ. أَمَّا فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ إِبْطَالَ مَذْهَبِ اُلْفَلاَسِفَةِ هُوَ مُتَّجِهٌ فَقَطْ عَلَى حُكْمِهِمْ بِضَرُورَةِ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَبَدِيًّا، وَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ مُقْتَضٍ أَلْبَتَّةَ لِأَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَبَدِيًّا بِاُلاِمْتِنَاعِ.
3) [هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةَ فَرْعُ اُلأُولَى]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْمَسْأَلَةَ اُلأُولَى لَوْ صَحَّتْ، وَهْيَ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَزَلِيٌّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صِحَّةُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّانِيَةِ، وَهْيَ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبَدِيٌّ. لِأَجْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ وَاُلْمُتَكَلِّمِينَ مَعًا كَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى اُلْقَوْلِ بِاسْتِحَالَةِ عَدَمِ اُلْقَدِيمِ.
4) [لِيُعْلَمْ أَنَّ… لاَنِهَايَةَ لِآخِرِهِ]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْفَلاَسِفَةَ بَعْدَمَا أَوْجَبَتْ أَنَّ اُلْعَالَمَ قَدِيمٌ بِاُلضَّرُورَةِ لاَ بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، فَهْيَ أَيْضًا مُضْطَرَّةٌ لِأَنْ تَقُولَ بِأَنَّهُ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ لاَ آخِرَ لِوُجُودِهِ.
5) [وَلاَ يُتَصَوَّرُ فَسَادُهُ وَلاَ فَنَاؤُهُ]، أَيْ أَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مُمْتَنِعُ اُلْفَسَادِ أَوِ اُلْفَنَاءِ. وَ”اُلْفَسَادُ” عِبَارَةُ اُلْفَلاَسِفَةِ، وَ”اُلْفَنَاءُ” عِبَارَةُ اُلْمُتَكَلِّمِينَ، وَبَيْنَهُمَا فَصْلٌ بَيِّنٌ، إِذْ مَعْنَى اُلْفَسَادِ هُوَ خُرُوجُ اُلشَّيْءِ مِنَ اُلنِّظَامِ إِلَى اُللاَّنِظَامِ، أَوِ اِنْتِقَالُهُ مِنَ اُلصُّورَةِ اُلأَكْمَلِ إِلَى اُلصُّورَةِ الأَخَسِّ، كَفَسَادِ اُلْخَشَبِ إِلَى اُلْعَنَاصِرِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنْهَا. لِذَلِكَ فَاُلْفَسَادُ لاَ يَقْتَضِي بُطْلاَنَ اُلْمَادَّةِ أَصْلاً. أَمَّا “اُلْفَنَاءُ” فَيَدُلُّ عَلَى اِنْتِفَاءِ اُلشَّيْءِ اِنْتِفَاءً كُلِّيًّا، وَاِنْتِقَالِهِ مِنَ اُلْوُجُودِ إِلَى اُلْعَدَمِ اُلْمَحْضِ.
6) [بَلْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، وَلاَ يَزَالُ أَيْضًا كَذَلِكَ]، بَلْ قَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي اُلأَزَلِ، وَسَيَبْقَى مَوْجُودًا فِي اُلأَبَدِ.
7) [وَأَدِلَّتُهُمْ اُلأَرْبَعَةُ اُلَّتِي… مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ]، يُرِيدُ أَنَّ الأَدِلَّةَ اُلأَرْبَعَةَ اُلْمَذْكُورَةَ لَوْ كَانَتْ مُثْبِتَةً لِأَزَلِيَّةِ اُلْعَالَمِ لَصَحَّ أَنْ يُثْبَتَ بِهَا هِيَ أَيْضًا بِأَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ أَبَدِيٌّ. إِذَنْ فَاُلاِعْتِرَاضُ عَلَيْهَا إِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ كَاُلاِعْتِرَاضِ عَلَيْهَا فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى.
8) [فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ اُلْعَالَمَ مَعْلُولٌ]، إِنَّ نِسْبَةَ اُلْعَالَمِ إِلَى اُلْبَارِئِ تَعَالَى كَنِسْبَةِ اُلْمَعْلُولِ إِلَى اُلْعِلَّةِ. وَاُلْعِلَّةُ لاَ تَكُونُ عِلَّةً إِلاَّ إِذَا تَمَّ فِيهَا جَمِيعُ مَا لِأَجْلِهِ تَكُونُ مُؤَثِّرَةً فِي وُجُودِ اُلْمَعْلُولِ. وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ اِمْتَنَعَ تَأَخُّرُ اُلْمَعْلُولِ عَنِ اُلْعِلَّةِ. أَيْ أَنَّ اُلْمَعْلُولَ يُوجَدُ مَعَ وُجُودِهَا هِيَ. وَهْوَ أَيْضًا إِذَا لَمْ تَرْتَفِعْ هِيَ لَمْ يَرْتَفِعْ هُوَ إِطْلاَقًا. مِثَالُ ذَلِكَ إِذَا وُجِدَتِ اُلنَّارُ وُجِدَتْ اُلْحَرَارَةُ. وَمَا لَمْ تَبْطُلِ اُلنَّارُ دَامَتْ اُلْحَرَارَةُ.
9) [وَعِلَّتُهُ أَزَلِيَّةٌ]، أَيْ جَمِيعَ مَا لِأَجْلِهِ كَانَ اُلْبَارِئُ مُؤَثِّرًا فِي وُجُودِ اُلْعَالَمِ كَانَ حَاصِلاً فِي اُلأَزَلِ، لِأَنَّ اُلْبَارِئَ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ بِوُجُودِهِ، وَوُجُودُهُ قَدِيمٌ.
10) [وَعِلَّتُهُ…أَبَدِيَّةٌ]، وَلَمَّا كَانَ أَيْضًا هُوَ عِلَّةً بِوُجُودِهِ، وَوُجُودُهُ قَدِيمٌ مُمْتَنِعُ اُلْعَدَمِ وَاُلتَّغَيُّرِ.
11) [فَكَانَ اُلْمَعْلُولُ مَعَ اُلْعِلَّةِ]، لَزِمَ مِنَ اُلأَوَّلِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِ مُصَاحَبَةُ اُلْعَالَمِ لِلْبَارِئِ فِي اُلأَزَلِ، وَمِنَ اُلثَّانِي مُصَاحَبَتُهُ إِيَّاهُ فِي اُلأَبَدِ.
12) [وَيَقُولُونَ إِذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ اُلعِلَّةُ لَمْ يَتَغَيَّرْ اُلْمَعْلُولُ، وَعَلَيْهِ بَنَوْا مَنْعَ اُلْحُدُوثِ]، يُرِيدُ وَيَقُولُونَ إِذَا كَانَ اُلْبَارِئُ هُوَ عِلَّةً لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ بِوُجُودِهِ اُلْقَدِيمِ، وَاُلْمَعْلُولُ مَعَ اُلْعِلَّةِ، فَاُلْعَالَمُ قَدِيمٌ وَاُلْحُدُوثُ مُمْتَنِعٌ. وَقَدْ كَانَ اُلْحُدُوثُ مُمْكِنًا لَوْ لَمْ يَكُنْ وُجُودُ اُلْعَالَمِ لاَزِمًا مِنْ وُجُودِهِ تَعَالَى فَقَطْ. بَلْ كَانَتِ اُلْعِلَّةُ اُلَّتِي هِيَ وُجُودُ اُلْوَاجِبِ لاَ تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً إِلاَّ بِانْضِمَامِ شَرْطٍ مَا آخَرَ مُتَجَدِّدٍ. وَهَذَا هُوَ اُلْمَقْصُودُ بِتَغَيُّرِ اُلْعِلَّةِ. أَمَّا تَغَيُّرُ اُلْمَعْلُولِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلْعَالَمَ إِذَا كَانَ لاَزِمًا عَنْ عِلَّةٍ تَغَيَّرَتْ مِنَ اُلنُّقْصَانِ إِلَى اُلتَّمَامِ، فَهْوَ حَادِثٌ لاَ مَحَالَةَ. وَحُدُوثُهُ إِنَّمَا هُوَ تَغَيُّرٌ فِيهِ مِنَ حَالِ اُلْعَدَمِ إِلَى حَالِ اُلْوُجُودِ. وَإِذْ قَدْ بَانَ اِسْتِحَالَةُ أَنْ تَكُونَ اُلْعِلَّةُ اُلْمُوجِدَةُ لِلْعَالَمِ قَدْ تَغَيَّرَتْ مِنَ اُلنُّقْصَانِ إِلَى اُلتَّمَامِ، بَانَ أَيْضًا اِسْتِحَالَةُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ اُلْعَدَمِ إِلَى اُلْحُدُوثِ. إِذًا فَاُلْعَالَمُ هُوَ مُمْتَنِعُ اُلْحُدُوثِ.
13) [وَهُوَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي اُلاِنْقِطَاعِ]، يُرِيدُ أَنَّ مُقَدِّمَاتِ هَذِهِ اُلْحُجَّةِ جَارِيَةٌ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ أَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ آخِرَ لَهُ وَأَنَّهُ دَائِمُ اُلْوُجُودِ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ. لَكِنَّ اُلطَّرِيقَةَ فِيهِ غَيْرُ اُلطَّرِيقَةِ اُلأُولَى. إِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ وُجُودَ اُلْوَاجِبِ هُوَ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِوُجُودِ اُلْعَالَمِ. وَاُلْمَعْلُولُ بَاقٍ مَا بَقِيَتِ اُلْعِلَّةُ، فَاُلْعَالَمُ بَاقٍ مَا بَقِيَ وُجُودُ اُلْوَاجِبِ. لَكِنَّ اُلْوَاجِبَ هُوَ قَدِيمٌ مُمْتَنِعُ اُلْعَدَمِ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ مُمْتَنِعُ اُلْعَدَمِ، وَهْوَ دَائِمٌ بِدَوَامِ اُلأَوَّلِ.
14) [وَهَذَا مَسْلَكُهُمُ اُلأَوَّلُ]، وَهَذَا وَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلأَوَّلِ فِي هَذَا اُلْمَطْلُوبِ.
15) [وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّانِي]، وَوَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلثَّانِي اُلْمَأْخُوذِ مِنَ اُلزَّمَانِ.
16) [أَنَّ اُلْعَالَمَ إِذَا عَدِمَ فَيَكُونُ عَدَمُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ]، أَيْ أَنَّ اُلْعَالَمَ اُلْمَوْجُودَ إِذَا عَدِمَ حَصُلَ مِنْهُ مَعَانٍ ثَلاَثَةٌ، مَعْنَى اُلْوُجُودِ، وَمَعْنَى اُلْعَدَمِ، وَمَعْنَى اُلْبَعْدِيَّةِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ تَأَخُّرُ اُلْعَدَمِ عَلَى اُلْوُجُودِ.
17) [فَيَكُونُ لَهُ “بَعْدٌ”، فَفِيهِ إِثْبَاتُ اُلزَّمَانِ]، وَاُلْبَعْدُ كَاُلْقَبْلِ جُزْءٌ مُقَوِّمٌ لِلزَّمَانِ، وَهْوَ غَيْرُ اُلْوُجُودِ اُلْمُتَقَدِّمِ، وَاُلْعَدَمِ اُلْمُتَأَخِّرِ. إِذَنْ فَبَعْدَ فَنَاءِ اُلْعَالَمِ هُنَاكَ اُلزَّمَانُ ثَابِتٌ لاَ فَنَاءَ فِيهِ. وَلَكِنَّ اُلزَّمَانَ هُوَ مَشْرُوطٌ بِاُلْحَرَكَةِ اُلْمَشْرُوطَةِ بِاُلْمُتَحَرِّكِ. فَصَحَّ أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ لاَ آخِرَ لَهُ.
18) [وَمَسْلَكُهُمُ اُلثَّالِثُ]، أَيْ وَوَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلثَّالِثِ اُلْمَأْخُوذِ مِنَ اُلإِمْكَانِ، فِي هَذَا اُلْمَطْلُوبِ.
19) [أَنَّ إِمْكَانَ اُلْوُجُودِ لاَ يَنْقَطِعُ]، لِأَنَّ اُلْعَالَمَ هُوَ مَوْجُودٌ، إِذَنْ فَلَيْسَ هُوَ بِمُمْتَنِعٍ، أَعْنِي أَنَّهُ مُمْكِنٌ. وَإِمْكَانُهُ الآنَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ بَاطِلاً فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ اُلْمُسْتَقْبَلِ اُللاَّمُتَنَاهِيَةِ، لِمُحَالِ اِنْقِلاَبِ اُلطَّبِيعَةِ مِنَ اُلإِمْكَانِ إِلَى اُلاِمْتِنَاعِ.
20) [فَكَذَلِكَ اُلْوُجُودُ اُلْمُمْكِنُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وِفْقِ اُلإِمْكَانِ]، إِذَنْ فَهَذَا اُلْعَالَمُ اُلْمُمْكِنُ، عَلَى مَعْنَى هَذَا اُلْعَالَمِ اُلْغَيْرِ مُمْتَنِعٍ، هُوَ مُمْكِنٌ أَيْضًا أَنْ يُوجَدَ كَوُجُودِ اُلإِمْكَانِ، وَاُلإِمْكَانُ هُوَ أَبَدِيٌّ، كَذَلِكَ فَاُلْعَالَمُ هُوَ مُمْكِنُ اُلأَبَدِيَّةِ. وَاُلْمُمْكِنُ فِي اُلأَبَدِ وَاجِبٌ. إِذَنْ فَاُلْعَالَمُ هُوَ وَاجِبُ اُلأَبَدِيَّةِ.





