إِبْطَالُ قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ مِنْ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” للإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ-لطفي خيرالله-تونس
46) [إِذْ قَالُوا أَمَّا اُلأَعْرَاضُ فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا وَلاَ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهَا]، إِذْ بَقَاؤُهُ، لَوْ كَانَ اُلْعَرَضُ بَاقِيًا، هُوَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ زَمَانَيْنِ، زَمَانِ اُلْحُدُوثِ، وَاُلزَّمَانِ اُلثَّانِي بَعْدَ اُلْحُدُوثِ. فَلَوْ بَقِيَ اُلْعَرَضُ زَمَانَيْنِ، لَاحْتَاجَ إِلَى سَبَبٍ فِي فَنَائِهِ. وَإِذْ هُوَ لاَ يَبْقَى زَمَانَيْنِ، فَإِنَّهُ بِذَاتِهِ هُوَ لاَ يَقْوَى أَنْ يَمُرَّ إِلَى اُلزَّمَانِ اُلثَّانِي بَعْدَ اُلْحُدُوثِ. لِذَلِكَ كَانَ زَمَانُ اُلْعَرَضِ زَمَانًا وَاحِدًا وَهْوَ زَمَانُ اُلْحُدُوثِ، وَ فِي اُلْحُدُوثِ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِاُلْقُدْرَةِ اُلْمُحْدِثَةِ إِيّاَهُ، وَهْيَ قُدْرَةُ اُلْقَادِرِ تَعَالَى. فَإِنْ فَاتَ هَذَا اُلزَّمَانُ، فَنَى اُلْعَرَضُ لاَ مَحَالَةَ، وَأَحْدَثَ اُلْقَادِرُ فِي اُلزَّمَانِ اُلثَّانِي عَرَضًا آخَرَ مُمَاثِلاً لِلأَوَّلِ، وَهَكَذَا إِلَى مَا شَاءَ. إِذَنْ فَمَا يُرَى بِأَنَّهُ عَرَضٌ وَاحِدٌ مُسْتَمِرُّ اُلْوُجُودِ، كَهَذَا اُلْبَيَاضِ فِي اُلثَّوْبِ، إِنَّمَا هُوَ بَيَاضٌ مُتَجَدِّدٌ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَكُلُّ بَيَاضٍ فَإِنَّمَا هُوَ مَحْصُورٌ فِي حُدُوثِهِ فَقَطْ.
47) [لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ بَقَاؤُهَا لَمَا تُصُوِّرَ فَنَاؤُهَا لِهَذَا اُلْمَعْنَى]، وَهَذِهِ اُلطَّائِفَةُ تَخْتَصُّ بِإِثْبَاتِهَا اُلْبَقَاءَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى نَفْسِ اُلْبَاقِي. إِذْ كُلُّ بَاقٍ فَهْوَ بَاقٍ بِبَقَاءٍ. فَلَوْ كَانَ اُلْعَرَضُ بَاقِيًا، لَكَانَ بَاقِيًا بِبَقَاءٍ، وَاُلْبَقَاءُ عَرَضٌ. وَاُلْعَرَضُ لاَ يَقُومُ بِعَرَضٍ. فَيَلْزَمُ أَنَّ اُلْعَرَضَ لَوْ كَانَ بَاقِيًا لَكَانَ بَقَاؤُهُ لِذَاتِهِ، وَلَيْسَ لِلْبَقَاءِ، وَمَا بِاُلذَّاتِ مُحَالُ اُلاِرْتِفَاعِ. فَاُلْعَرَضُ إِذَنْ غَيْرُ مُمْكِنِ اُلْفَنَاءِ. وَقَوْلُهُ “لَمَا تُصُوِّرَ فَنَاؤُهَا لِهَذَا اُلْمَعْنَى” فَمَعْنَاهُ أَنَّ اُلْبَاقِي كَمَا أَنَّ بَقَاءَهُ بِبَقَاءٍ، فَفَنَاؤُهُ بِاُلْمَنْعِ مِنَ اُلْبَقَاءِ. وَإِذِ اُلْبَقَاءُ مُمْتَنِعُ اُلْحُلُولِ فِي اُلْعَرَضِ، إِذَنْ فَفَنَاءُ اُلْعَرَضِ لَوْ كَانَ بَاقِيًا هُوَ مُمْتَنِعٌ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ هَذَا اُلْمَعْنَى. وَبَيِّنٌ أَنَّ هَذَا اُلْمَعْنَى، وَهْوَ اُلْبَقَاءُ، كَانَ يَكُونُ سَبَبًا فِي فَنَاءِ اُلْعَرَضِ لَيْسَ بِوُجُودِهِ، بَلْ بِارْتِفَاعِهِ.
48) [وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ فَلَيْسَتْ بَاقِيَةً بِأَنْفُسِهَا … اِنْعَدَمَتْ لِعَدَمِ اُلْبَقَاءِ]، أَمَّا اُلْجَوَاهِرُ فَتَبْقَى بِبَقَاءٍ زَائِدٍ عَلَى وُجُودِهَا يَخْلُقُهُ اللهُ تَعَالَى فِيهَا حَالاً فَحَالاً. فَإِنْ هُوَ كَفَّ عَنْ خَلْقِهِ اُلْبَقَاءَ، اِنْعَدَمَتِ اُلْجَوَاهِرُ بِذَاتِهَا لِعَدَمِ اُلْبَقَاءِ. وَكَذَا يَكُونُ حَلُّ اُلإِشْكَالِ. إِذِ اُلْعَدَمُ هَاهُنَا لَمْ يَعُدْ أَثَرًا لِفِعْلٍ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ اُلأَثُرُ اُلْمَعْدُومُ مَوْجُودًا، بَلْ هُوَ كَفٌّ فَقَطْ عَنْ فِعْلٍ يَلْزَمُهُ عَدَمُ اُلْمَفْعُولِ. وَهَذَا مَعْقُولٌ، لِأَنَّ عَدَمَ اُلْمَفْعُولِ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِعَدَمِ اُلْفِعْلِ.
49) [وَهْوَ أَيْضًا فَاسِدٌ]، أَجَابَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ بِأَنَّ هَذَا اُلْحَلَّ أَيْضًا هُوَ فَاسِدٌ.
50) [لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاكَرَةِ اُلْمَحْسُوسِ … وَأَنَّهُ مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ]، وَفَسَادُهُ أَنَّ اُلْقَوْلَ بِأَنَّ اُلْعَرَضَ فِي نَفْسِهِ لاَ يَبْقَى كَهَذَا اُلسَّوَادِ، أَعْنِي أَنَّهُ فِي كُلِّ آنٍ هُنَاكَ سَوَادٌ يَحْدُثُ غَيْرُ اُلسَّوَادِ الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ، وَذَلِكَ تَجَدُّدُ وُجُودِهِ، إِذْ لاَ تَفْهَمَنَّ مِنْ تَجَدُّدِ اُلْوُجُودِ أَنَّ اُلْوُجُودَ اُلْوَاحِدَ بِعَيْنِهِ يُوجَدُ آنًا بَعْدَ آنٍ، لِأَنَّ إِيجَادَ اُلْمَوْجُودِ مُحَالٌ. قُلْتُ إِنَّ اُلْقَوْلَ بِتَجَدُّدِ اُلْعَرَضِ هُوَ إِنْكَارٌ لِلْمَحْسُوسِ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ اُلْحِسُّ اُلطَّبِيعِيُّ.
51) [وَاُلْعَقْلُ يَنْبُو …مُتَجَدِّدُ اُلْوُجُودِ فِي كُلِّ حَالَةٍ]، وَاُلْعَقْلُ وَاُلْبَدِيهَةُ يَدْفَعَانِ هَذَا اُلْقَوْلَ كَدَفْعِهِمَا قَوْلَ مَنْ قَالَ، كَهِرَقْلِيطِسْ اُلْمُتَوَفَّى فِي اُلْقَرْنِ اُلْخَامِسِ قَبْلَ اُلْمِيلاَدِ، بِأَنَّ اُلْجِسْمَ فِي سَيَلاَنٍ دَائِمٍ، وَأَنَّهُ لاَ يُسْبَحُ فِي اُلنَّهْرِ اُلْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ.
52) [وَاُلْعَقْلُ يَقْضِي بِأَنَّ اُلشَّعَرَ … يَقْضِي أَيْضًا بِهِ فِي سَوَادِ اُلشَّعَرِ]، وَاُلْعَقْلُ بِبَدِيهَتِهِ كَمَا يَقْضِي بِأَنَّ هَذَا اُلْجِسْمَ، وَهْوَ اُلشَّعَرُ الَّذِي عَلَى اُلإِنْسَانِ فِي يَوْمِهِ، هُوَ بِعَيْنِهِ اُلْجِسْمُ الَّذِي كَانَ بِاُلأَمْسِ، لاَ أَنَّهُ شَعَرٌ آخَرُ مِثْلُ الأَوَّلِ، كَذَلِكَ هُوَ قَاضٍ لاَ مَحَالَةَ بِأَنَّ سَوَادَ هَذَا اُلشَّعَرِ اُلآنَ، هُوَ سَوَادُهُ بِعَيْنِهِ بِاُلأَمْسِ، لاَ أَنَّهُ سَوَادٌ آخَرُ هُوَ مِثْلُهُ.
53) [ثُمَّ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ]، وَهَذَا اُلْحَلُّ لِهَذِهِ اُلطَّائِفَةِ مِنَ اُلأَشَاعِرَةِ فِيهِ إِشْكَالٌ آخَرُ، وَهْوَ إِشْكَالٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِنَفْسِ اُلْحَلِّ، بَلْ بِمَا اِنْبَنَى عَلَيْهِ اُلْحَلُّ، وَهْوَ إِثْبَاتُ بَقَاءٍ زَائِدٍ عَلَى اُلْبَاقِي.
54) [وَهْوَ أَنَّ اُلْبَاقِي … وَيَتَسَلْسَلُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ]، وَهْوَ إِنْ كَانَ كُلُّ بَاقٍ بَاقٍ بِبَقَاءٍ، وَاُلصِّفَةُ بَاقِيَةٌ، فَهْيَ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءٍ. وَلَكِنَّ اُلْبَقَاءَ هُوَ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ اُلْبَاقِيَةِ. إِذَنْ فَهْوَ بَاقٍ بِبَقَاءٍ، فَيَتَسَلْسَلُ اُلأَمْرُ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، إِذْ كُلُّ بَقَاءٍ فَلَهُ بَقَاءٌ.
55) [وَاُلْفِرْقَةُ اُلرَّابِعَةُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنَ اُلأَشْعَرِيَّةِ]، وَهَذِهِ اُلطَّائِفَةُ صَاحِبُهَا خَاصَّةً إِمَامُ اُلْحَرَمَيْنِ أَبُو اُلْمَعَالِي اُلْجُوَيْنِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 478 مِنَ اُلْهِجْرَةِ.
56) [قَالُوا إِنَّ اُلأَعْرَاضَ تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا]، أَيْ أَنَّ اُلْعَرَضَ لاَ يَبْقَى زَمَانَيْنِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِكُلِّ اُلأَشَاعِرَةِ. إِذَنْ فَلاَ يُطْلَبُ سَبَبُ فَنَائِهِ.
57) [وَأَمَّا اُلْجَوَاهِرُ]، فَإِذْ هِيَ لاَ تَفْنَى بِأَنْفُسِهَا، وَلاَ تَفْنَى بِإِعْدَامِ مُعْدِمٍ، وَلاَ بِضِدٍّ هُوَ اُلْفَنَاءُ.
58) [فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْ … لَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلاَ مُتَحَرِّكٍ فَيَنْعَدِمُ]، فَإِنَّهَا تَفْنَى بِأَنْ لاَ يَخْلُقَ اُللهُ تَعَالَى بِهَا حَرَكَةً وَلاَ سُكُونًا وَلاَ اِجْتِمَاعًا وَ لاَ اِفْتِرَاقًا، فَإِنَّ فَنَاءَهَا لاَ يَكُونُ بِفِعْلٍ، بَلْ بِاُلْكَفِّ عَنِ اُلْفِعْلِ، وَهْوَ اُلإِمْسَاكُ عَنْ خَلْقِ اُلأَكْوَانِ اُلأَرْبَعَةِ الَّتِي لاَ يَخْلُو مِنْهَا اُلْجَوْهَرُ أَصْلاً. إِذِ اُلْجَوَاهِرُ لَمَّا كَانَتْ لاَ تَخْلُو مِنَ اُلأَعْرَاضِ، لاَ سِيَّمَا اُلأَكْوَانُ اُلأَرْبَعَةُ اُلْمَذْكُورَةُ، كَانَتْ شَرْطًا فِي وُجُودِهَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ بُطْلاَنَ اُلشَّرْطِ يُوجِبُ بُطْلاَنَ اُلْمَشْرُوطِ. كَذَلِكَ فَإِنْ بَطَلَتْ اُلأَعْرَاضُ بِقَطْعِهَا عَنِ اُلْجَوْهَرِ، بَطَلَ اُلْجَوْهَرُ بِعَيْنِهِ لاَ مَحَالَةَ.
59) [وَكَأَنَّ فِرْقَتَيَّ اُلأَشْعَرِيَّةِ … إِنَّمَا هُوَ كَفٌّ عَنِ اُلْفِعْلِ]، لَمَّا كَانَ أَصْلُ اُلإِشْكَالِ فِي عَدَمِ اُلْعَالَمِ، أَنَّ اُلْعَدَمَ اُلْمَحْضَ لاَ يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفِعْلٍ، لِأَنَّهُ لاَ فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ فِعْلٍ وَلاَ فِعْلٍ، طَلَبَتْ جُمْلَةُ اُلأَشْعَرِيَّةِ اُلْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ اُلْوَجْهِ اُلْمَعْقُولِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْعَدَمَ إِنَّمَا يَكُونُ لاَزِمًا عَنْ عَدَمِ اُلْفِعْلِ، مِثْلَمَا أَنَّ اُلْوُجُودَ لاَزِمٌ عَنِ اُلْفِعْلِ، فَجَعَلَتْ عَدَمَ اُلْعَالَمِ هُوَ لاَزِمًا عَنْ عَدَمِ اُلْفِعْلِ مِنْ طَرِيقِ اُلْكَفِّ وَاُلإِمْسَاكِ، إِمَّا بِقَطْعِ اُلْبَقَاءِ عَلَى قَوْلِ اُلشَّيْخِ أَبِي اُلْحَسَنِ، أَوْبِقَطْعِ اُلأَكْوَانِ، عَلَى قَوْلِ أَبِي اُلْمَعَالِي اُلْجُوَيْنِيِّ.
60) [لَمَّا لَمْ يَعْقِلُوا كَوْنَ اُلْعَدَمِ فِعْلاً]، لِمَا ظُنَّ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ أَثَرًا لِفِعْلٍ.
-V قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “وَقَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ اُلطُّرُقُ1 لَمْ يَبْقَ وَجْهٌ لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ إِعْدَامِ اُلْعَالَمِ2. هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ حَادِثٌ3 فَإِنَّهُمْ مَعَ تَسْلِيمِهِمْ حُدُوثَ اُلنَّفْسِ اُلإِنْسَانِيَّةِ يَدَّعُونَ اِسْتِحَالَةَ اِنْعِدَامِهَا بِطَرِيقٍ يَقْرُبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ4. وَبِاُلْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ كُلُّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لاَ فِي مَحَلٍّ لاَ يُتَصَوَّرُ اِنْعِدَامُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا5. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَهْمَا أُوقِدَتِ اُلنَّارُ تَحْتَ اُلْمَاءِ اِنْعَدَمَ اُلْمَاءُ6، قَالُوا لَمْ يَنْعَدِمْ7 وَلَكِنْ اِنْقَلَبَ بُخَارًا ثُمَّ مَاءً8. فَاُلْمَادَّةُ وَهْيَ اُلْهَيُولَى بَاقِيَةٌ فِي اُلْهَوَاءِ9، وَهْيَ اُلْمَادَّةُ اُلَّتِي كَانَتْ مَحَلاًّ لِصُورَةِ اُلْمَاءِ10، وَإِنَّمَا خَلَعَتِ اُلْهَيُولَى صُورَةَ اُلْمَائِيَّةِ11 وَلَبِسَتْ صُورَةَ اُلْهَوَائِيَّةِ12، وَإِذَا أَصَابَ اُلْهَوَاءَ بَرْدٌ تَكَثَّفَ وَاُنْقَلَبَ مَاءً13، لاَ أَنَّ مَادَّةً تَجَدَّدَتْ14، بَلِ اُلْمَادَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اُلْعَنَاصِرِ، وَإِنَّمَا تَتَبَدَّلُ عَلَيْهَا صُوَرُهَا15.”
شَرْحٌ -V-
1) [وَقَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ اُلطُّرُقُ]، قَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ فَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ اُلطُّرُقُ، وَهْيَ كُلُّ اُلْوُجُوهِ اُلْمُمْكِنَةِ فِي حَلِّ اُلإِشْكَالِ.
2) [لَمْ يَبْقَ وَجْهٌ لِلْقَوْلِ بِجَوَازِ إِعْدَامِ اُلْعَالَمِ]، فَإِنَّ اُلَّذِي أَوْجَبَ اُلإِشْكَالَ، وَهْوَ اُلْقَوْلُ بِجَوَازِ اِنْعِدَامِ اُلْعَالَمِ، بَاطِلٌ. وَإِذَا بَطَلَ، كَانَ نَقِيضُهُ وَاجِبًا بِاُلضَّرُورَةِ، أَعْنِي أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ اِضْطِرَارًا.
3) [هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ حَادِثٌ]، وَإِيجَابُ اُلْفَلاَسِفَةِ لِأَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ لَيْسَ مَوْقُوفًا فَقَطْ عَلَى كَوْنِهِ أَزَلِيًّا، بَلْ لَوْ قَالُوا بِحُدُوثِهِ، كَانَ طَرِيقُهُمْ هَذَا يُوجِبُ لَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَدِمٍ.
4) [فَإِنَّهُمْ مَعَ تَسْلِيمِهِمْ … يَقْرُبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ]، بِدَلِيلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ، وَهْوَ اِبْنُ سِينَا قَدْ سَلَّمَ بِحُدُوثِ اُلنَّفْسِ، ثُمَّ هُوَ مَنَعَ اِنْعِدَامَهَا بِطَرِيقٍ قَرِيبٍ مِنَ اُلطَّرِيقِ اُلْمَذْكُورِ.
5) [وَبِاُلْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ … كَانَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا]، بَلْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، وَهْيَ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ اُلْمَادَّةِ، وَهْيَ اُلْعَقْلُ، وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْعَدِمَةٍ أَصْلاً.
6) [فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ … اِنْعَدَمَ اُلْمَاءُ]، أَمَّا اُلأَشْيَاءُ اُلْمَحْسُوسَةُ الَّتِي قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا تَنْعَدِمُ الاِنْعِدَامَ اُلْمَمْنُوعَ عِنْدَنَا، وَهْوَ اِنْقِلاَبُ عَيْنِ اُلْوُجُودِ عَدَمًا مَحْضًا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ عَيْنَ اُلْمَاءِ اُلْمَوْجُودِ إِذَا أُوقِدَتْ تَحْتَهُ نَارٌ، فَنِيَتْ عَيْنُهُ بِإِطْلاَقٍ.
7) [قَالُوا لَمْ يَنْعَدِمْ]، فَإِنَّ ذَلِكَ اُلْعَدَمَ، كَعَدَمِ اُلْمَاءِ، لَيْسَ هُوَ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ هُوَ عَدَمٌ بِاُلْعَرَضِ.
8) [وَلَكِنِ اِنْقَلَبَ بُخَارًا ثُمَّ مَاءً]، وَلَكِنَّ اُلْمَاءَ بِاُلنَّارِ صَارَ هَوَاءً رَطْبًا، وَاُلْهَوَاءُ اُلرَّطْبُ، إِذَا صَارَ بَارِدًا بِاُلْبَرْدِ، اِنْقَلَبَ مَاءً تَارَةً أُخْرَى.
9) [فَاُلْمَادَّةُ وَهْيَ اُلْهَيُولَى بَاقِيَةٌ فِي اُلْهَوَاءِ]، يُرِيدُ أَنَّ اُلْمَادَّةَ الَّتِي كَانَتْ مَكْسُوَّةً بِاُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ لاَ تَفْنَى بِفَسَادِ اُلْمَاءِ. بَلْ فَسَادُ اُلْمَاءِ هُوَ كَوْنٌ لِلْهَوَاءِ، وَاُلْفَاسِدُ هُوَ بِعَيْنِهِ اُلْمُتَكَوِّنُ. إِذْ مَادَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ تَفْسُدُ مِنْ جِهَةِ خَلْعِهَا لِصُورَةِ اُلْمَاءِ، وَهْيَ بِعَيْنِهَا تَتَكَوَّنُ مِنْ جِهَةِ لُبْسِهَا صُورَةَ اُلْهَوَاءِ، لِأَنَّ اُلْهَيُولَى لاَ تَعْرَى عَنِ اُلصُّورَةِ.
10) [وَهْيَ اُلْمَادَّةُ اُلَّتِي كَانَتْ مَحَلاًّ لِصُورَةِ اُلْمَاءِ]، فَهَذِهِ اُلْمَادَّةُ اُلْبَاقِيَةُ لَمَّا كَانَتْ لاَبِسَةً لِلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ، كَانَتْ مَعَهَا جَوْهَرًا مُرَكَّبًا وَاحِدًا هُوَ اُلْمَاءُ. وَحِينَئِذٍ فَهْيَ تُسَمَّى بِاُلإِضَافَةِ إِلَى اُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ مَحَلاًّ لِلصُّورَةِ.
11) [وَإِنَّمَا خَلَعَتِ اُلْهَيُولَى صُورَةَ اُلْمَائِيَّةِ]، وَمَا يُظَنُّ أَنَّهُ فَنَاءٌ مُطْلَقٌ لِلْمَاءِ، فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، بَلْ فَنَاؤُهُ أَنْ تَزُولَ اُلصُّورَةُ اُلْمَائِيَّةُ عَنِ اُلْمَحَلِّ بِلاَ فَنَاءٍ لِلْمَحَلِّ.
12) [وَلَبِسَتْ صُورَةَ اُلْهَوَائِيَّةِ]، وَإِذْ أَنَّ اُلْهَيُولَى لاَ تَعْرَى مِنْ صُورَةٍ، فَإِنَّ اُلْمَادَّةَ الَّتِي زَالَتْ عَنْهَا اُلصُّورَةُ اُلْمَائِيَّةُ بِاُلْفَسَادِ لاَ بُدَّ أَنْ تَقْتَرِنَ بِهَا صُورَةٌ أُخْرَى لاَ مَحَالَةَ. وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ أَيَّ صُورَةٍ، بَلْ اُلصُّورَةُ الَّتِي تِلْكَ اُلْمَادَّةُ هِيَ وُجُودٌ بِاُلْقُوَّةِ بِاُلْقِيَاسِ إِلَيْهَا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ صُورَةَ اُلسَّيْفِ لاَ تَلْبَسُهَا أَيُّ مَادَّةٍ، بَلْ اُلْمَادَّةُ اُلْمُسْتَعِدَّةُ لِصُورَةِ اُلسَّيْفِ، وَهْيَ اُلْحَدِيدُ. كَذَلِكَ فَإِنَّ اُلْمَادَّةَ الَّتِي هِيَ عَدَمُ اُلصُّورَةِ اُلْمَائِيَّةِ هِيَ الَّتِي تَصِيرُ بِإِعْدَادٍ مَخْصُوصٍ اُلْمَادَّةَ اُلْمُسْتَعِدَّةَ لِلُبْسِ اُلصُّورَةِ اُلْهَوَائِيَّةِ. وَكُلُّ هَذَا يُبَيِّنُ لَكَ مَا مَعْنَى أَنَّ مَادَّةً وَاحِدَةً قَدْ خَلَعَتْ صُورَةً، إِذْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ هُوَ عَدَمُ اُلْجَوْهَرِ اُلْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا، وَلَبِسَتْ صُورَةً أُخْرَى، إِذْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ هُوَ وُجُودُ اُلْجَوْهَرِ اُلْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا.
13) [وَإِذَا أَصَابَ اُلْهَوَاءَ بَرْدٌ تَكَثَّفَ وَاُنْقَلَبَ مَاءً]، فَاُلْهَوَاءُ كَمَا يَقُولُ أَرُسْطُو فِي “اُلْكَوْنُ وَاُلْفَسَادُ”، هُوَ حَارٌّ رَطْبٌ. فَإِذَا اِسْتَحَالَتِ اُلْكَيْفِيَّةُ اُلْفِعْلِيَّةُ لِمَادَّتِهِ، مِنْ حَارٍّ إِلَى بَارِدٍ، بِفِعْلِ اُلْبُرُودَةِ اُلْمُتَسِلِّطَةِ عَلَيْهِ، تَكَوَّنَ جَوْهَرًا مَائِيًّا، لِأَنَّ اُلْمَاءَ هُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ.
14) [لاَ أَنَّ مَادَّةً تَجَدَّدَتْ]، يُرِيدُ أَنْ تَكَوُّنَ اُلْمَاءِ مِنَ اُلْهَوَاءِ، لَمْ يَكُنْ بِانْعِدَامِ اُلْهَوَاءِ صُورَةً وَمَادَّةً، وَبِحُدُوثِ اُلْمَاءِ صُورَةً وَمَادَّةً.
15) [بَلِ اُلْمَادَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اُلْعَنَاصِرِ، وَإِنَّمَا تَتَبَدَّلُ عَلَيْهَا صُوَرُهَا]، بَلِ اُلْمَادَّةُ بَاقِيَةٌ فِي اُلْفَنَاءِ وَفِي اُلْكَوْنِ، وَفَنَاءُ اُلْهَوَاءِ هُوَ بِاُلْعَرَضِ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ زَوَالِ صُورَةِ اُلْمَائِيَّةِ عَنِ اُلْمَادَّةِ اُلْوَاحِدَةِ، وَكَوْنُ اُلْمَاءِ هُوَ لُبْسُ تِلْكَ اُلْمَادَّةِ بِعَيْنِهَا لِصُورَةِ اُلْمَاءِ بَعْدَ خَلْعِهَا لِلصُّورَةِ اُلأُولَى.
-VI قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اُلأَقْسَامِ1 وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ نَذُبَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ2 وَنُبَيِّنَ أَنَّ إِبْطَالَهُ عَلَى أَصْلِكُمْ لاَ يَسْتَقِيمُ لِاشْتِمَالِ أُصُولِكُمْ عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ3، وَلَكِنَّا لاَنُطَوِّلُ بِهِ وَنَقْتَصِرُ عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ4 وَنَقُولُ، بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ اُلإِيجَادُ وَالإِعْدَامُ بِإِرَادَةِ اُلْقَادِرِ، فَإِذَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَدَ، وَإِذَا أَرَادَ أَعْدَمَ5، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ سُبْحَانُهُ قَادِرًا عَلَى اُلْكَمَالِ6، وَهْوَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ لاَ يَتَغَيَّرُ فِي نَفْسِهِ7 وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ اُلْفِعْلُ8. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ اُلْفَاعِلَ لاَ بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ فِعْلٌ فَمَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ9، قُلْنَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ مَا تَجَدَّدَ وَهْوَ اُلْعَدَمُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ عَدَمٌ ثُمَّ تَجَدَّدَ اُلْعَدَمُ. فَهْوَ اُلصَّادِرُ عَنْهُ10. فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ صَدَرَ عَنْهُ11. قُلْنَا وَهْوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ وَقَعَ12. وَلَيْسَ مَعْنَى صُدُورِهِ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّ مَا وَقَعَ مُضَافٌ إِلَى قُدْرَتِهِ13، فَإِذَا عُقِلَ وُقُوعُهُ، لِمَ لاَ تُعْقَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى اُلْقُدْرَةِ14، وَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ طَرَيَانَ اُلْعَدَمِ أَصْلاً عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ، وَيَقُولُ اُلْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَطْرَأُ وَكَيْفَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ وَاُلتَّجَدُّدِ15. وَلاَ نَشُكُّ فِي أَنَّ اُلْعَدَمَ يُتَصَوَّرُ طَرَيَانُهُ عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ. فَاُلْمَوْصُوفُ بِاُلطَّرَيَانِ مَعْقُولٌ وُقُوعُهُ سُمِّيَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُسُمَّ، فَإِضَافَةُ ذَلِكَ اُلْوَاقِعِ اُلْمَعْقُولِ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ أَيْضًا مَعْقُولٌ16. فَإِنْ قِيلَ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ عَدَمَ اُلشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَيُقَالُ لَهُ مَا الَّذِي طَرَأَ17. وَعِنْدَنَا لاَ يَنْعَدِمُ اُلشَّيْءُ اُلْمَوْجُودُ18 وَإِنَّمَا مَعْنَى اِنْعِدَامِ اُلأَعْرَاضِ طَرَيَانُ أَضْدَادِهَا الَّتِي هِيَ مَوْجُودَاتٌ، لاَ طَرَيَانُ اُلْعَدَمِ اُلْمُجَرَّدِ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ19، فَإِنَّ مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ كَيْفَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ. فَإِذَا اِبْيَضَّ اُلشَّعَرُ، فَاُلطَّارِئُ هُوَ اُلْبَيَاضُ فَقَطْ وَهْوَ مَوْجُودٌ، وَلاَ نَقُولُ اُلطَّارِئُ عَدَمُ اُلسَّوَادِ20.
وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ21 :
أَحَدُهُمَا أَنَّ طَرَيَانَ اُلْبَيَاضِ هَلْ تَضَمَّنَ عَدَمَ اُلسَّوَادِ أَمْ لاَ22. فَإِنْ قَالُوا لاَ، فَقَدْ كَابَرُوا اُلْعُقُولَ23، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَاُلْمُتَضَمِّنُ غَيْرُ اُلْمُتَضَمَّنِ أَمْ عَيْنُهُ24. فَإِنْ قَالُوا هُوَ عَيْنُهُ، كَانَ مُتَنَاقِضًا، إِذِ اُلشَّيْءُ لاَ يَتَضَمَّنُ نَفْسَهُ25، وَإِنْ قَالُوا غَيْرُهُ، فَذَلِكَ اُلْغَيْرُ مَعْقُولٌ أَمْ لاَ26. فَإِنْ قَالُوا لاَ، قُلْنَا فَبِمَ عَرَفْتُمْ أَنَّهُ مُتَضَمَّنٌ، وَاُلْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُتَضَمَّنًا اِعْتِرَافٌ بِكَوْنِهِ مَعْقُولاً27، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَذَلِكَ اُلْمُتَضَمَّنُ اُلْمَعْقُولُ وَهْوَ عَدَمُ اُلسَّوَادِ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ28. فَإِنْ قَالُوا قَدِيمٌ فَهْوَ مُحَالٌ29، وَإِنْ قَالُو حَادِثٌ، فَاُلْمَوْصُوفُ بِاُلْحُدُوثِ كَيْفَ لاَ يَكُونُ مَعْقُولاً30. وَإِنْ قَالُوا لاَ قَدِيمٌ وَلاَ حَادِثٌ فَهْوَ مُحَالٌ31، لِأَنَّهُ قَبْلَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ، لَوْ قِيلَ اُلسَّوَادُ مَعْدُومٌ كَانَ كَذِبًا، وَبَعْدَهُ إِذَا قِيلَ إِنَّهُ مَعْدُومٌ كَانَ صِدْقًا، فَهْوَ طَارِئٌ لاَ مَحَالَةَ32. فَهَذَا اُلطَّارِئُ مَعْقُولٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ33.
اُلْوَجْهُ اُلثَّانِي، أَنَّ مِنْ اُلأَعْرَاضِ مَا يَنْعَدِمُ عِنْدَهُمْ لاَ بِضِدِّهِ34، فَإِنَّ اُلْحَرَكَةَ لاَ ضِدَّ لَهَا، وَإِنَّمَا اُلتَّقَابُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اُلسُّكُونِ عِنْدَهُمْ تَقَابُلَ اُلْمَلَكَةِ وَاُلْعَدَمِ، أَعْنِي تَقَابُلَ اُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ35، وَمَعْنَى اُلسُّكُونِ عَدَمُ اُلْحَرَكَةِ36، فَإِذَا عَدِمَتِ اُلْحَرَكَةُ لَمْ يَطْرَأْ سُكُونٌ هُوَ ضِدُّهَا، بَلْ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ37، وَكَذَلِكَ اُلصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ اُلاِسْتِكْمَالِ38 كَاِنْطِبَاعِ أَشْبَاحِ اُلْمَحْسُوسَاتِ فِي اُلرُّطُوبَةِ اُلْجَلِيدِيَّةِ مِنَ اُلْعَيْنِ39، بَلِ اِنْطِبَاعُ صُوَرِ اُلْمَعْقُولاَتِ فِي اُلنَّفْسِ40 فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اِسْتِفْتَاحِ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ ضِدِّهِ41، وَإِذَا عَدِمَتْ كَانَ مَعْنَاهَا زَوَالَ اُلْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ اِسْتِعْقَابِ ضِدِّهِ42. فَزَوَالُهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ قَدْ طَرَأَ43. فَعُقِلَ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ اُلطَّارِئِ44، وَمَا عُقِلَ وُقُوعُهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، عُقِلَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ45. فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ مَهْمَا تُصُوِّرَ وُقُوعُ حَادِثٍ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ، لَمْ يَفْتَرِقْ اُلْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اُلْوَاقِعُ عَدَمًا أَوْ وُجُودًا46. وَاللهُ أَعْلَمُ.”
شَرْحٌ -VI-
1) [اُلْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اُلأَقْسَامِ]، وَهْيَ اُلأَقْوَالُ اُلْخَمْسَةُ : قَوْلٌ أَوَّلٌ وَهْوَ أَصْلُ اُلإِشْكَالِ، أَعْنِي أَنَّ عَدَمَ اُلْعَالَمِ هُوَ فِعْلٌ لِلْقَادِرِ، وَاُلأَقْوَالُ اُلأَرْبَعَةُ اُلْبَاقِيَةُ لِلْفِرَقِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْمَذْكُورَةِ فِي حَلِّ اُلإِشْكَالِ.
2) [وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ نَذُبَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ]، لَيْسَ مَعْنَى اُلذَّبِّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ اُلأَقْسَامِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ هُوَ جَوَابٌ صَحِيحٌ، وَإِذْ هُوَ صَحِيحٌ فَيُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِإِطْلاَقٍ، إِذِ اُلْحُلُولِ فِيهَا هِيَ مُتَنَافِيَةٌ، بَلِ اُلْمَقْصُودُ أَنَّ اُلْحُجَجَ الَّتِي قِيلَتْ فِي إِبْطَالِ كُلِّ قِسْمٍ يُمْكِنُ فَسْخُهَا وَبَيَانُ خَلَلِهَا، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ وَإِنْ لَيْسَ يُمْكِنُ اُلْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُ اُلْقَطْعُ بِبُطْلاَنِهَا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ كَلاَمِ اُلْغَزَالِيِّ.
3) [وَنُبَيِّنَ أَنَّ إِبْطَالَهُ … عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ]، وَاُلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اُلْقَطْعُ بِبُطْلاَنِ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّ أُصُولَكُمْ قَدِ اِشْتَمَلَتْ عَلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا تُبْطِلُونَهُ فِيهَا. مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اُلْقِسْمَ اُلثَّانِي يُقِرُّ بِأَنَّ اُلْعَدَمَ يَكُونُ بِطُرُوِّ اُلضِّدِّ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَا تُثْبِتُونَهُ فِي فَنَاءِ اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ. لَكِنَّ هَذِهِ اُلْحُجَّةَ فِي أَدْنَى مَرَاتِبِ اُلْجَدَلِ، لِأَنَّهُ هَبْ أَنَّ اُلْمُحْتَجَّ بِاُلْحُجَجِ اُلْمَذْكُورَةِ هُوَ شَخْصٌ آخَرُ غَيْرُ اُلْفَلاَسِفَةِ، أُصُولُهُ مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِهِمْ. إِذَنْ فَلَيْسَ هَذَا اُلْكَلاَمُ يَقُومُ أَلْبَتَّةَ رَدًّا عَلَيْهَا.
4) [وَلَكِنَّا لاَنُطَوِّلُ بِهِ وَنَقْتَصِرُ عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ]، أَيْ وَإِنَّا قَدْ نَقْتَصِرُ عَلَى قِسْمٍ وَاحِدٍ لِنُبَيِّنَ أَنَّ حُجَّتَكُمْ فِي بُطْلاَنِهِ بِاُلضَّرُورَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
5) [وَنَقُولُ، بِمَ تُنْكِرُونَ … وَإِذَا أَرَادَ أَعْدَمَ]، لَقَدْ كَانَ أَصْلُ اُلإِشْكَالِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اُلْعَالَمُ يَنْعَدِمُ لَانْعَدَمَ بِإِعْدَامٍ، وَالإِعْدَامُ فِعْلٌ، وَأَثَرُ اُلْفِعْلِ مَوْجُودٌ اِضْطِرَارًا. وَاُلْعَدَمُ هُوَ لاَشَيْءٌ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفِعْلٍ. فَعَدَمُ اُلْعَالَمِ مُحَالٌ. قَالَ اُلْغَزَالِيُّ اُلْمُحَالُ غَيْرُ ثَابِتٍ، بَلِ اُلإِعْدَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلاً لِلْمُرِيدِ اُلْقَادِرِ عَلَى مِثَالِ مَا أَنَّ اُلإِيجَادَ هُوَ أَيْضًا فِعْلٌ لَهُ.
6) [وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ سُبْحَانُهُ قَادِرًا عَلَى اُلْكَمَالِ]، لِأَنَّ اُلْقَادِرَ اُلتَّامَّ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ فِي نَفْسِهِ. وَتَعَلُّقُ نَفْسِ اُلْعَدَمِ بِقُدْرَتِهِ مُمْكِنٌ.
7) [وَهْوَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ لاَ يَتَغَيَّرُ فِي نَفْسِهِ]، وَقَوْلُنَا هَذَا لَيْسَ كَقَوْلِ اُلكَرَّامِيَّةِ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ اُلإِعْدَامِ وَاُلْمُعْدَمِ، وَالإِيجَادِ وَاُلْمُوجَدِ، وَتَجْعَلُ اُلْمَوْجُودَ وَاُلْمَعْدُومَ مُبَايِنَيْنِ لِلْقَادِرِ، أَمَّا اُلإِعْدَامُ وَاُلإِيجَادُ فَحَادِثَانِ قَائِمَانِ فِي ذَاتِهِ يُوجِبَانِ لَهُ اُلتَّغَيُّرَ فِي نَفْسِهِ. أَمَّا عِنْدَنَا فَاُلإِعْدَامُ، كَاُلإِيجَادِ، إِنَّمَا هُو نِسْبَةٌ فَقَطْ بَيْنَ اُلْمُعْدَمِ وَاُلْقَادِرِ بِعَيْنِهِ. لِذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ إِحْدَاثُهُ لِلْعَدَمِ بِاُلإِعْدَامِ، أَوْ إِحْدَاثُهُ لِلْوُجُودِ بِاُلإِيجَادِ أَيَّ تَغَيُّرٍ فِي نَفْسِهِ.
8) [وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ اُلْفِعْلُ]، بَلِ اُلتَّغَيُّرُ فِي اُلأَثَرِ اُللاَّزِمِ عَنِ اُلْفِعْلِ بِمَعْنَى اُلنِّسْبَةِ بَيْنَ اُلْقَادِرِ وَاُلْمَقْدُورِ، كَاُلْوُجُودِ بَعْدَ اُلْعَدَمِ، فِي اُلإِيجَادِ، أَوِ اُلْعَدَمِ بَعْدَ اُلْوُجُودِ فِي اُلإِعْدَامِ.
9) [وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ اُلْفَاعِلَ لاَ بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ فِعْلٌ فَمَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ]، لَقَدْ كَانَ اِعْتِرَاضُكُمْ عَلَى هَذَا اُلْقِسْمِ أَنَّ اُلْفَاعِلَ لاَ يُقَالُ فَاعِلٌ إِلاَّ إِذَا صَدَرَ مِنْهُ أَثَرٌ مَوْجُودٌ. وَإِذِ اُلْعَدَمُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، اِمْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفَاعِلِ اُلْعَدَمِ، وَهْوَ اُلْمُعْدَمُ.
10) [قُلْنَا اُلصَّادِرُ مِنْهُ … فَهْوَ اُلصَّادِرُ عَنْهُ]، فَإِنَّا نَحُلُّ هَذَا اُلاِعْتِرَاضَ بِأَنْ نَقُولَ لَيْسَ اُلْعَدَمُ الَّذِي نَجْعَلُهُ أَثَرًا لِلإِعْدَامِ، اُلْعَدَمَ اُلأَصْلِيَّ اُلْمُسْتَمِرَّ، كَاُلْعَدَمِ اُلأَزَلِيِّ قَبْلَ حُدُوثِ اُلْعَالَمِ، فَهَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى فَاعِلٍ، كَمَا أَنَّ اُلْمَوْجُودَ اُلأَصْلِيَّ اُلْمُسْتَمِرَّ لاَ يَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى فَاعِلٍ. بَلْ كُلُّ فِعْلٍ فَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ. فَحَيْثُمَا هُنَاكَ مُتَجَدِّدٌ، فَلاَ بُدَّ مِنْ فَاعِلٍ. وَاُلتَّجَدُّدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عَدَمٍ إِلَى وُجُودٍ، وَإِمَّا مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ. إِذَنْ فَاُلصَّادِرُ مِنَ اُلْقَادِرِ بِإِعْدَامِهِ اُلْعَالَمَ إِنَّمَا هُوَ مَا قَدْ تَجَدَّدَ بَعْدَ اُلْوُجُودِ، وَهْوَ اُلْعَدَمُ بِعَيْنِهِ، كَمَا كَانَ اُلصَّادِرُ مِنَ اُلْقَادِرِ بِإِحْدَاثِهِ اُلْعَالَمَ مَا تَجَدَّدَ بَعْدَ اُلْعَدَمِ، وَهْوَ اُلْوُجُودُ بِعَيْنِهِ.
11) [فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ صَدَرَ عَنْهُ]، فَإِنْ أَعَدْتُمْ اُلسُّؤَالَ بِعَيْنِهِ، وَهْوَ أَنَّ اُلْعَدَمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِفَاعِلٍ.
12) [قُلْنَا وَهْوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ وَقَعَ]، قُلْنَا إِنَّ اُلْحِسَّ شَاهِدٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ اُلأَشْيَاءِ مِنْ حَوْلِنَا تَكُونُ مَوْجُودَةً ثُمَّ تَضْمَحِلُّ، أَيْ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ مِنْ كَوْنِهَا شَيْئًا إِلَى كَوْنِهَا لاَشَيْئًا. فَهَذَا اُلاِنْتِقَالُ وَاقِعٌ لاَ يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ. وَحَقِيقَةُ وُقُوعِهِ أَنَّ حَالاً مَا قَدْ وَقَعَتْ بَعْدَ وُقُوعِ حَالٍ أُخْرَى قَبْلَهَا. وَمَا اُلْحَالُ اُلْمُتَجَدِّدَةُ هَذِهِ إِلاَّ اُلْعَدَمُ اُلْحَاصِلُ بَعْدَ اُلْوُجُودِ. إِذَنْ فَاُلْعَدَمُ اُلْمُتَجَدِّدُ فِي هَذِهِ اُلْمَحْسُوسَاتِ اُلْفَاسِدَةِ إِنَّمَا يُوصَفُ أَيْضًا بِاُلْوُقُوعِ، مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
13) [وَلَيْسَ مَعْنَى صُدُورِهِ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّ مَا وَقَعَ مُضَافٌ إِلَى قُدْرَتِهِ]، فَإِنْ صَحَّ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ، فَقَدْ صَحَّ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْقَادِرِ، لِأَنَّ اُلْقَادِرَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ. وَإِذْ صَحَّ نِسْبَتُهُ إِلَى اُلْقَادِرِ، فَقَدْ صَحَّ اُلْحُكْمُ بِأَنَّ اُلْعَدَمَ هُوَ صَادِرٌ عَنْهُ.
14) [فَإِذَا عُقِلَ وُقُوعُهُ، لِمَ لاَ تُعْقَلُ إِضَافَتُهُ إِلَى اُلْقُدْرَةِ]، إِذْ مَا جَازَ تَصَوُّرُ وُقُوعِهِ جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ، وَمَا جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقُدْرَةِ جَازَ تَصَوُّرُ صُدُورِهِ عَنْ اُلْقَادِرِ.
15) [وَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ … وَكَيْفَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ وَاُلتَّجَدُّدِ]، إِنَّكُمْ إِنَّمَا أَنْكَرْتُمْ صُدُورَ عَدَمِ اُلْعَالَمِ عَنِ اُلْقَادِرِ، لاَ لِأَنَّكُمْ تَمْنَعُونَ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِ، إِذِ اُلْقَادِرُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ، بَلْ لِأَنَّكُمْ تَمْنَعُونَ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ شَيْئًا وَاقِعًا، لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ لاَشَيْءٌ. لَكِنَّكُمْ إِنْ أَحَلْتُمْ أَنْ يَكُونَ اُلْعَدَمُ شَيْئًا وَاقِعًا، فَمَا اُلْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ وُقُوعَ اُلْعَدَمِ عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ، لِلْعِلَّةِ نَفْسِهَا، وَهْيَ أَنَّ اُلْعَدَمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَلاَ يَقَعُ وَلاَ يَطْرَأُ.
16) [وَلاَ نَشُكُّ فِي أَنَّ اُلْعَدَمَ يُتَصَوَّرُ … إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ أَيْضًا مَعْقُولٌ]، وَلاَ شَكَّ بِشَهَادَةِ اُلْحِسِّ أَنَّ اُلْعَدَمَ يُتَصَوَّرُ طَرَيَانُهُ عَلَى اُلأَعْرَاضِ وَاُلصُّوَرِ. لِأَنَّا مَثَلاً قَدْ نَتَصَوَّرُ تَجَدُّدًا مِنْ حَالِ اُلسَّوَادِ إِلَى حَالٍ لاَ يَكُونُ فِيهَا اُلسَّوَادُ حَاضِرًا. فَهَذَا اُلتَّجَدُّدُ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مُتَجَدِّدٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ، وَإِلاَّ لَكَانَ اُلْمُتَصَوَّرُ اِسْتِمْرَارَ حَالٍ، لاَ تَجَدُّدُ حَالٍ. وَإِذْ جَازَ تَصَوُّرُهُ، فَقَدْ صَحَّ وُقُوعُهُ. إِذَنْ فَاُلْعَدَمُ مَوْصُوفٌ بِاُلطَّرَيَانِ، مُتَصَوَّرٌ وُقُوعُهُ. وَلاَ فَرْقَ إِنْ سُمِّيَ شَيْئًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ. وَإِذْ صَحَّ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ، فَقَدْ جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ، وَإِذَا جَازَ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى اُلْقَادِرِ، فَقَدْ صَحَّ إِذَنْ أَنْ يُتَصَوَّرَ صُدُورُ اُلْعَدَمِ عَنِ اُلْقَادِرِ. وَهْوَ اُلْمَطْلُوبُ.
17) [فَإِنْ قِيلَ هَذَا … فَيُقَالُ لَهُ مَا الَّذِي طَرَأَ]، فَإِنْ أَجَابَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ إِنَّ عَدَمَ اُلْعَرَضِ الَّذِي يَلْزَمُهُ مَعْنًى مُتَجَدِّدٌ وَاقِعٌ بَعْدَ وُجُودِهِ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ اُلْعَدَمَ هُوَ قَلْبُ عَيْنِ اُلْعَرَضِ اُلْمَوْجُودِ عَدَمًا مَحْضًا أَوَّلاً وَبِاُلذَّاتِ.
18) [وَعِنْدَنَا لاَ يَنْعَدِمُ اُلشَّيْءُ اُلْمَوْجُودُ]، أَمَّا عِنْدَنَا فَلَيْسَ اِنْعِدَامُ اُلشَّيْءِ اِنْقِلاَبَ عَيْنِهِ اُلْمَوْجُودَةِ عَدَمًا مَحْضًا بِعَيْنِهِ، فَيَكُونَ هُنَاكَ اِنْتِقَالٌ مِنْ شَيْءٍ وَاقِعٍ إِلَى لاَشَيْءٍ وَاقِعٍ.
19) [وَإِنَّمَا مَعْنَى اِنْعِدَامِ اُلأَعْرَاضِ … اُلْعَدَمِ اُلْمُجَرَّدِ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ]، بَلْ اِنْعِدَامُ اُلْعَرَضِ اُلْمَوْجُودِ إِنَّمَا هُوَ ظُهُورُ ضِدِّهِ، وَهَذَا أَيْضًا مَوْجُودٌ. لاَ أَنَّ اُلْعَرَضَ بَعْدَ وُجُودِهِ هُوَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ عَدَمُهُ الَّذِي لَيْسَ بِشَيْءٍ. فَاُلاِنْتِقَالُ لَيْسَ مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ، بَلْ مِنْ ضِدٍّ إِلَى ضِدٍّ. إِذَ مَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ، فَلاَ يُوصَفُ بِاُلطَّرَيَانِ أَيْضًا.
20) [فَإِذَا اِبْيَضَّ اُلشَّعَرُ … وَلاَ نَقُولُ اُلطَّارِئُ عَدَمُ اُلسَّوَادِ]، مِثَالُ ذَلِكَ إِذَا اِبْيَضَّ اُلشَّعَرُ بَعْدَ سَوَادِهِ، فَلَيْسَ اُلطَّارِئُ هُوَ عَدَمَ اُلسَّوَادِ، بَلِ اُلْبَيَاضُ الَّذِي هُوَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ.
21) [وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ]، فَإِذَا قَالَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ مَا قَالَتْ أَجَبْنَا بِفَسَادِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ.
22) [أَحَدُهُمَا أَنَّ طَرَيَانَ … عَدَمَ اُلسَّوَادِ أَمْ لاَ]، فَاُلْوَجْهُ اُلأَوَّلُ، إِنَّ اُلْبَيَاضَ اُلطَّارِئَ بَعْدَ سَوَادِ اُلشَّعَرِ هَلْ اِقْتَضَى عَدَمَ اُلسَّوَادِ أَمْ لاَ.
23) [فَإِنْ قَالُوا لاَ، فَقَدْ كَابَرُوا اُلْعُقُولَ]، فَإِنْ قَالُوا لَمْ يَقْتَضِهِ، فَقَدْ دَفَعُوا أَمْرًا بَدِيهِيًّا. لِأَنَّ عَدَمَ اُلسَّوَادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضًى عَنِ اُلْبَيَاضِ اُلطَّارِئِ، فَاُلْمَوْجُودُ إِذًا مَعَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ إِنَّمَا هُوَ اُلسَّوَادُ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ اُلضِّدَّيْنِ مُحَالٌ.
24) [وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، فَاُلْمُتَضَمِّنُ غَيْرُ اُلْمُتَضَمَّنِ أَمْ عَيْنُهُ]، وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ، وَلاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَعَدَمُ اُلسَّوَادِ اُلْمُقْتَضَى عَيْنُ اُلْبَيَاضِ اُلطَّارِئِ أَمْ غَيْرُهُ.
25) [فَإِنْ قَالُوا هُوَ عَيْنُهُ، كَانَ مُتَنَاقِضًا، إِذِ اُلشَّيْءُ لاَ يَتَضَمَّنُ نَفْسَهُ]، فَإِنْ قَالُوا إِنَّ اُلْمُقْتَضِي عَيْنُ اُلْمُقْتَضَى، كَانَ مُتَنَاقِضًا. لِأَنَّ اُلاِقْتِضَاءَ هُوَ نِسْبَةٌ، وَاُلنِّسْبَةُ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، لاَ بَيْنَ اُلشَّيْءِ وَنَفْسِهِ. فَلَوْ قِيلَ اُلْمُقْتَضِي عَيْنُ اُلْمُقْتَضَى، لَكَانَ كَقَوْلِنَا إِنَّ اُلشَّيْءَ اُلْوَاحِدَ بِعَيْنِهِ هُوَ مَعًا هُوَهُوَ نُفْسُهُ، وَلَيْسَ هُوَهُوَ نَفْسَهُ. وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ.
26) [وَإِنْ قَالُوا غَيْرُهُ، فَذَلِكَ اُلْغَيْرُ مَعْقُولٌ أَمْ لاَ]، وَإِنْ قَالُوا بَلِ اُلْمُقْتَضِي غَيْرُ اُلْمُقْتَضَى، أَعْنِي أَنَّ اُلْبَيَاضَ اُلطَّارِئَ غَيْرُ عَدَمِ اُلسَّوَادِ، فَهَذَا اُلْغَيْرُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ أَمْ لاَ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ.
27) [فَإِنْ قَالُوا لاَ … اِعْتِرَافٌ بِكَوْنِهِ مَعْقُولاً]، فَإِنْ قَالُوا لَيْسَ بِمُتَصَوَّرٍ، أَجَبْنَاهُمْ فَكَيْفَ حَكَمْتُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُقْتَضًى عَنِ اُلْمُقْتَضِي، وَاُلْحُكْمُ عَلَى اُلشَّيْءِ فَرْعٌ لِتَصَوُّرِهِ. فَمَثَلاً أَنَا مَا لَمْ أَتَصَوَّرْ طُولَ زَيْدٍ وَقِصَرَ عَمْرٍو، اِمْتَنَعَ حُكْمِي عَلَى زَيْدٍ بِأَنَّهُ أَطْوَلُ مِنْ عَمْرٍو.
28) [وَإِنْ قَالُوا نَعَمْ… قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ]، فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ إِنَّ اُلْمُقْتَضَى، وَهْوَ عَدَمُ اُلسَّوَادِ، هُوَ مُتَصَوَّرٌ، إِذْ كُلُّ مُتَصَوَّرٍ فَقَدْ صَحَّ اُلْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي قَضِيَّةٍ مَنْطِقِيَّةٍ تَحْتَمِلُ اُلصِّدْقَ وَاُلْكَذِبَ، فَأَيُّهُمَا اُلصَّادِقُ قَوْلُنَا إِنَّ اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ قَدِيمٌ، أَمْ إِنَّ اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ هُوَ حَادِثٌ.
29) [فَإِنْ قَالُوا قَدِيمٌ فَهْوَ مُحَالٌ]، فَإِنْ قَالُوا قَدِيمٌ، فَقَوْلُهُمْ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ لاَزِمٌ عَنْ مَوْجُودٍ طَارِئٍ وَهْوَ اُلْبَيَاضُ، فَوَجَبَ أَلاَّ يَكُونَ قَدِيمًا.
30) [وَإِنْ قَالُو حَادِثٌ، فَاُلْمَوْصُوفُ بِاُلْحُدُوثِ كَيْفَ لاَ يَكُونُ مَعْقُولاً]، فَلاَ بُدَّ مِنَ اُلْقَوْلِ إِنَّهُ حَادِثٌ. إِذَنْ فَهَذَا اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ هُوَ مَعًا مُتَصَوَّرٌ وَحَادِثٌ.
31) [وَإِنْ قَالُوا لاَ قَدِيمٌ وَلاَ حَادِثٌ فَهْوَ مُحَالٌ]، وَمَا كَانَ قَبْلَ هَذَا أَنْ يُجِيبُوا بِاُلسَّلْبِ بِأَنَّهُ لاَ قَدِيمٌ وَلاَ حَادِثٌ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُوصَفَ وَلَوْ بِوَاحِدٍ مِنْ اُلْمُتَقَابِلَيْنِ. كَقَوْلِكَ إِنَّ اُلصَّوْتَ لاَ أَسْوَدُ وَ لاَ أَبْيَضُ، أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ بِأَنْ يُوصَفَ وَلَوْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلاَ بِلَوْنٍ مِنْ اُلأَلْوَانِ. قَالَ هَذَا مُحَالٌ.
32) [لِأَنَّهُ قَبْلَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ… فَهْوَ طَارِئٌ لاَ مَحَالَةَ]، بَلِ اُلْمُقْتَضَى اُلْمُتَصَوَّرُ، وَهْوَ عَدَمُ اُلسَّوَادِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ كِلاَ اُلْمَحْمُولَيْنِ، وَهُمَا اُلْقَدِيمُ وَاُلْحَادِثُ. وَاُلدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ قَبْلَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ اُلسَّوَادُ مَعْدُومٌ كَانَ كَذِبًا. إذًا فَبَعْدَ طَرَيَانِ اُلْبَيَاضِ اُلْمُقْتَضِي لِعَدَمِ اُلسَّوَادِ يَصِيرُ قَوْلُنَا اُلسَّوَادُ مَعْدُومٌ صِدْقًا. وَاُلصِّدْقُ اُلْمُتَعَلِّقُ بِعَدَمِ اُلسَّوَادِ مُتَعَلِّقٌ بِعَدَمِ سَوَادٍ كَانَ كَذِبًا فِيمَا تَقَدَّمَ. وَ مَا كَانَ لِيَثْبُتَ لَهُ وَصْفٌ مِنْهُمَا إِلاَّ وَ قَدْ حَصُلَ مُتَصَوَّرًا قَطْعًا. إِذًا فَهَذَا اُلْعَدَمُ اُلْمُتَصَوَّرُ هُوَ طَارِئٌ لاَمَحَالَةَ.
33) [فَهَذَا اُلطَّارِئُ مَعْقُولٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوبًا إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ]، فَإِذْ صَحَّ أَنَّ عَدَمَ اُلسَّوَادِ هُوَ مَعْنًى طَارِئٌ وَمُتَصَوَّرٌ، إِذَنْ فَقَدْ جَازَ نِسْبَتُهُ إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ، وَإِذْ جَازَ نِسْبَتُهُ إِلَى قُدْرَةِ قَادِرٍ، فَقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُ صُدُورِهِ عَنِ اُلْقَادِرِ. وَهْوَ اُلْمَطْلُوبُ.
34) [اُلْوَجْهُ اُلثَّانِي، أَنَّ مِنْ اُلأَعْرَاضِ مَا يَنْعَدِمُ عِنْدَهُمْ لاَ بِضِدِّهِ]، وَاُلْوَجْهُ اُلثَّانِي فِي فَسَادِ مَا قَالَتْهُ اُلْفَلاَسِفَةُ أَنَّ مِنْ اُلأَعْرَاضِ مَا لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ مَوْجُودٌ، وَهْيَ عِنْدَهُمْ مُنْعَدِمَةٌ بِنَفْسِهَا وَفَنَاءِ ذَاتِهَا، لاَ بِطُرُوِّ ضِدِّهَا، إِذْ لاَ ضِدَّ لَهَا.
35) [فَإِنَّ اُلْحَرَكَةَ لاَ ضِدَّ لَهَا … أَعْنِي تَقَابُلَ اُلْوُجُودِ وَاُلْعَدَمِ]، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ اُلْحَرَكَةَ إِذَا كَفَّتْ فَقَدْ اِنْعَدَمَتْ فِي نَفْسِهَا، وَلاَ يُقَالُ إِنَّ عَدَمَهَا هُوَ طُرُوُّ ضِدِّهَا اُلسُّكُونِ، لِأَنَّ اُلسُّكُونَ لاَ يُقَابِلُ اُلْحَرَكَةَ مُقَابَلَةَ مَوْجُودٍ لِمَوْجُودٍ، بَلْ مُقَابَلَةَ عَدَمٍ لِمَوْجُودٍ. هَذَا فِي رَأْيِ اُلْفَلاَسِفَةِ. أَمَّا عِنْدَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ، فَإِنَّ اُلسُّكُونَ هُوَ مَعْنَى كَاُلْحَرَكَةِ، وَضِدٌّ لَهَا. وَاُلاِثْنَانِ مَعًا كَوْنَانِ يُضَافَانِ إِلَى كَوْنَيْنِ آخَرَيْنِ، أَعْنِي اُلاِجْتِمَاعَ وَاُلاِفْتِرَاقَ. وَاُلْمَلَكَةُ وَاُلْعَدَمُ مَعْنَيَانِ لِلْفَلاَسِفَةِ مُتَقَابِلاَنِ بَيَّنَهُمَا أَرُسْطُو فِي كِتَابِ “اُلْمَقُولاَتُ”. فَاُلْمَلَكَةُ هِيَ اُلصِّفَةُ اُلْمَوْجُودَةُ فِي اُلشَّيْءِ الَّذِي إِذَا سُلِبَتْ مِنْهُ عَلَى شُرُوطٍ، وُصِفَ حَالُ اُلسَّلْبِ لِلشَّيْءِ بِاُلْعَدَمِ. فَإِنْ غَابَ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عَدَمُ اُلْمَلَكَةِ، بَلْ تُسْلَبُ مِنْهُ اُلصِّفَةُ فَقَطْ. مِثَالُ ذَلِكَ اُلْبَصَرُ هُوَ مَلَكَةٌ لِلْمُبْصِرِ. لَكِنَّ اُلْحَجَرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ هَذِهِ اُلْمَلَكَةُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ اُلأَوْقَاتِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلصِّفَةَ تُسْلَبُ عَنْهُ فَيُقَالُ لَيْسَ اُلْحَجَرُ بِمُبْصِرٍ، وَلاَ يُثْبَتُ لَهُ اُلْعَدَمُ فَيُقَالُ إِنَّ اُلْحَجَرَ أَعْمَى. كَذَلِكَ اُلْكَلْبُ حِينَمَا يَكُونُ جِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِرْوًا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُبْصِرًا، لِذَلِكَ فَإِنَّ اُلصِّفَةَ فِي ذَلِكَ اُلْوَقْتِ تُسْلَبُ عَنْهُ، وَلاَ يُقَالُ اُلْجِرْوُ أَعْمَى أَلْبَتَّةَ.
36) [وَمَعْنَى اُلسُّكُونِ عَدَمُ اُلْحَرَكَةِ]، أَيْ أَنَّ اُلسُّكُونَ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا حَتَّى إِذَا بَطَلَتِ اُلْحَرَكَةُ كَانَ عَدَمُ اُلْحَرَكَةِ إِنَّمَا هُوَ طُرُوُّ هَذَا اُلْمَوْجُودِ بِعَيْنِهِ بَدَلاً عَنْهَا.
37) [فَإِذَا عَدِمَتِ اُلْحَرَكَةُ لَمْ يَطْرَأْ سُكُونٌ هُوَ ضِدُّهُ، بَلْ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ]، أَيْ أَنَّ اُلسُّكُونَ اُلطَّارِئَ إِذَا اِنْعَدَمَتِ اُلْحَرَكَةُ لَيْسَ هُوَ مَوْجُودًا هُوَ ضِدٌّ لِلْحَرَكَةِ. بَلِ اُلسُّكُونُ اُلطَّارِئُ إِنَّمَا هُوَ اِضْمِحْلاَلٌ لِلْحَرَكَةِ فِي نَفْسِهَا، وَفَنَاءُ عَيْنِهَا فَنَاءً مَحْضًا.
38) [وَكَذَلِكَ اُلصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ اُلاِسْتِكْمَالِ]، وَهَذَا عِنْدَكُمْ وَاجِبُ اُلإِثْبَاتِ أَيْضًا، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ فَنَاءُ اُلشَّيْءِ لَيْسَ بِطُرُوِّ ضِدِّهِ، بَلْ بِانْعِدَامِهِ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ فَقَطْ فِي اُلْمَعَانِي اُلْمُتَقَابِلَةِ تَقَابُلَ اُلْعَدَمِ وَاُلْمَلَكَةِ، بَلْ فِي اُلصِّفَاتِ اُلَّتِي تَكُونُ كَمَالاً لِلشَّيْءِ. وَاُلْكَمَالُ هُوَ نِهَايَةُ اُلشَّيْءِ، وَاُلنِّهَايَةُ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ وُجِدَتْ وُجِدَتْ دُفْعَةً، وَإِنْ بَطَلَتْ بَطَلَتْ دُفْعَةً.
39) [كَاِنْطِبَاعِ … مِنْ اُلْعَيْنِ]، كَالَّذِي تُثْبِتُونَهُ فِي اُلإِبْصَارِ، إِذْ عِنْدَكُمْ هُوَ اِنْطِبَاعٌ وَاحِدٌ لِصُوَرِ اُلْمَحْسُوسَاتِ فِي اُلرُّطُوبَةِ اُلْجَلِيدِيَّةِ مِنَ اُلْعَيْنِ. وَاُلرُّطُوبَةُ اَلْجَلِيدِيَّةُ لِلْعَيْنِ هِيَ اُلْمُسَمَّاةُ اُلْيَوْمَ بِاُلْجِسْمِ اُلزُّجَاجِيِّ اُلَّذِي هُوَ تَحْتَ اُلْعَدَسَةِ، وَفَوْقَ اُلشَّبَكِيَّةِ.
40) [بَلِ اِنْطِبَاعُ صُوَرُ اُلْمَعْقُولاَتِ فِي اُلنَّفْسِ]، أَوْ كَاُلَّذِي تُثْبِتُونَهُ فِي تَصَوُّرِ اُلْمَعْقُولاَتِ، إِذْ عِنْدَكُمْ إِنَّمَا هُوَ حُلُولٌ وَاحِدٌ لِلصُّورَةِ اُلْعَقْلِيَّةِ فِي اُلْقُوَّةِ اُلنَّاطِقَةِ.
41) [فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى اِسْتِفْتَاحِ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ ضِدِّهِ]، إِذْ أَنَّ اِنْطِبَاعَ اُلصُّورَةِ اُلْمَحْسُوسَةِ، أَوْ اِنْطِبَاعَ اُلصُّورَةِ اُلْمَعْقُولَةِ، إِنَّمَا هُوَ اِسْتِفْتَاحٌ مَحْضٌ لِوُجُودٍ، وَلَيْسَ هُوَ طُرُوًّا لِشَيْءٍ عَلَى ضِدِّهِ اُلزَّائِلِ.
42) [وَإِذَا عَدِمَتْ … مِنْ غَيْرِ اِسْتِعْقَابِ ضِدِّهِ]، وَكَذَلِكَ عَدَمُهُمَا فَلَيْسَ بِطُرُوِّ ضِدِّهِمَا عَلَيْهِمَا. بَلْ هُوَ اِضْمِحْلاَلٌ لِكِلَيْهِمَا فِي نَفْسِهِ، وَفَنَاؤُهُ فَنَاءً مَحْضًا.
43) [فَزَوَالُهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ قَدْ طَرَأَ]، فَزَوَالُ اُلصُّورَةِ اُلْمُنْطَبِعَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِهِ عَدَمُ تِلْكَ اُلصُّورَةِ عَدَمًا مَحْضًا طَارِئًا.
44) [فَعُقِلَ وُقُوعُ اُلْعَدَمِ اُلطَّارِئِ]، فَجَازَ إِذَنْ، عِنْدَكُمْ، تَصَوُّرُ اُلْعَدَمِ اُلطَّارِئِ، وَإِذَا جَازَ تَصَوُّرُهُ جَازَ تَصَوُّرُ وُقُوعِهِ.
45) [وَمَا عُقِلَ وُقُوعُهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا عُقِلَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ]، وَمَا جَازَ تَصَوُّرُ وُقُوعِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَقَدْ جَازَ تَصَوُّرُ إِلْحَاقِهِ بِقُدْرَةِ اُلْقَادِرِ. وَمَا صَحَّ تَصَوُّرُ نِسْبَتِهِ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ، فَقَدْ صَحَّ تَصَوُّرُ صُدُورِهِ عَنْهُ لاَ مَحَالَةَ.
46) [فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ …أَنْ يَكُونَ اُلْوَاقِعُ عَدَمًا أَوْ وُجُودًا]، يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ اُلْمُحَاجَّجَةِ أَنَّهُ إِذَا تُصُوِّرَ وُقُوعُ حَادِثٍ بِإِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ، أَيْ أَنَّ اُلْحَادِثَ كَانَ أَثَرًا لِفَاعِلٍ مُخْتَارٍ، فَحَاجَةُ ذَلِكَ اُلْحَادِثِ لِلْفَاعِلِ اُلْقَدِيمِ اُلْمُخْتَارِ إِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِ تَجُدُّدِهِ. وَهَذَا اُلتَّجَدُّدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عَدَمٍ إِلَى وُجُودٍ، وَهْوَ اُلْحُدُوثُ، فَاُفْتَقَرَ هَذَا اُلْحُدُوثُ إِلَى فَاعِلِهِ، وَهْوَ اُلْقَادِرُ اُلْمُخْتَارُ، وَإِمَّا مِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ، وَهْوَ اُلاِنْعِدَامُ، فَاُفْتَقَرَ هَذَا اُلاِنْعِدَامُ اُلْوَاقِعُ إِلَى فَاعِلِهِ، وَهْوَ اُلْقَادِرُ اُلْمُخْتَارُ.
وَلِتَعْلَمْ أَنَّ تَقْرِيرَ اُلْقَوْلِ بِأَنَّ اِنْعِدَامَ اُلْعَالَمِ إِنَّمَا هُوَ حَالٌ مُتَجَدِّدَةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى قُدْرَةِ اُلْقَادِرِ، وَلَيْسَ يَكُونُ عَدَمُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ اُلطُّرُقِ اُلأَرْبَعَةِ اُلْمَذْكُورَةِ، إِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ اُلْقَاضِي أَبِي بَكْرِ اُلْبَاقَلاَنِيِّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 403 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ.
ــــــ
تَمَّ شَرْحُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي بِإِذْنِهِ تَعَالَى شَرْحُ اُلْمَسْأَلَةِ اُلثَّالِثَةِ اُلَّتِي هِيَ فِي تَلْبِيسِ اُلْفَلاَسِفَةِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ اُللهَ فَاعِلُ اُلْعَالَمِ.
المجلة الثقافية الجزائرية





