أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم – إسماعيل مظهر (1)
شاء القدر أن يظل مذهب أرسطبس غير معروف عند العرب إلا لمامًا، شأن أكثر المذاهب التي تفرعت عن دوحة سقراط العظيم. وشاء القدر أن يحاول أرسطوطاليس ألا يذكر اسم أرسطبس، بالرغم من أنه ناقش في مذهبه مناقشات طويلة في كتاب الأخلاق إلى نيقوماخُس، بل وأخذ ببعض مبادئ المذهب القوريني، فحورها وأدمجها في مذهبه.
وشاء القدر أن لا يذكر بَر تِلِمي سَنتِيلِير هذا المذهب في المقدمة المستفيضة التي وضعها لترجمة كتاب أرسطوطاليس في الأخلاق تعيينًا، كما أنه لم يناقش في مذهب الرواقيين الذين هم فرع من دوحة أرسطبس، وحلقة انتقال في المذاهب الأخلاقية، أساسها المذهب القوريني، وهم أقرب إلى السقراطية من أرسطوطاليس.
وما كان أرسطبس أول فيلسوف أساءت إليه الأقدار، وما كان أوَّل إنسان ظُلم حيًّا وميتًا.
أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم
تترامى الأشعة التي بعث بها الفكر اليوناني القديم من أغوار الماضي السحيق سنيَّة وضَّاحة، فتضيء الظلمات التي ناءت بكلكلها على المدنيَّات المختلفة منذ القرن الخامس قبل الميلاد حتى اليوم، ولا جرم أنَّك لن تقع على شيء تحت الشمس لا يمتُّ إلى الفكر اليوناني بسبب، كما يقول العلَّامة جِلْبَرت مَري الإنجليزي؛ فكان من أثر ذلك أن تطرَّف البعض من مُقْدِمِي المفكرين في العصر الحديث، إلى القول بأنَّ الفلسفة اليونانيَّة، بل وكلَّ الآثار التي صدرت عن الفكر اليوناني «أصيلة» غير مدخولة بعناصر غريبة من الفلسفة أو العقيدة أو الفكر، وأنها لم تَلْقَح بأي أثر من الآثار التي نشأت قبل مدنيَّة اليونان في الشرق.
ولا شك في أنَّ الذين يذهبون هذا المذهب لهم المبررات التي تؤيِّد نزعتهم، ولهم الأسباب التي يرتكزون عليها في الحكم بأن الفكر اليوناني «أصيل» نشأ في عقول الإغريق القدماء، وعنها صدر من غير أن يكون للحضارات الأُخَرِ أثر فيه قليل أم كثير.
فإن العظمة التي نشهدها في أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وأرسطبس وديمقريطس وأبيقور، دع عنك فيثاغورس وطاليس وأبقراط وجالينوس، لعظمة تفوق كلَّ ما تقدمها من صور النُّبل الإنساني، إن لم نقل إنَّها تفوق كلَّ ما عَقِبَها حتى اليوم، مع قياس الفارق بينهم — وهم روَّاد الفكر — وبين المحدثين — ورثة هؤلاء الرواد العظام — والفاصل لا يقل عن خمسة وعشرين قرنًا من الزمان.
ولك أن تُقَدِّر بعض الآثار التي ظهرت خلال تلك القرون؛ بأن تعي أن الإنسانية شهدت فيها نشوء النصرانية والإسلام، وشهدت نشوء ما لا يُحصى من مذاهب الفلسفة والعلم والأخلاق، فلم تفلت ناحية من هذه النواحي من التأثُّر بمبتكرات الفكر اليوناني، تأثرًا عميقًا بالغ المدى. فلا عجب إذن أن يكون لهذه العظمة أثرها في المغالاة التي نقع عليها في تقدير بعض الكتَّاب آثار اليونان، تقديرًا ينفون به كل علاقة فكرية تربطهم بالحضارات الأُخَر.
ومهما يكن من أمر اليونان وتأثُّرهم أو عدم تأثرهم بما سبقهم من منتوج الفكر البشري، فإن الأمر الذي لا نشكُّ فيه أقلَّ شكٍّ أن أثر اليونان فيما تبعهم من المدنيَّات بالغ أقصى المدى؛ في حين أن تأثرهم بما سبقهم من المدنيات تافه قليل.
ومن هنا نستطيع أن نقول بغير حرج: إنَّهم بحقٍّ روَّاد الفكر الإنساني والمعرفة على اختلاف صورها، وعلى تباين ملابساتها.
فالمدنية اليونانية أرقى المدنيات القديمة، هذا إلى أنها خلاصة ما وصل إليه التثقيف العقلي في الأعصر القديمة.
أما تأثر اليونان بما سبقهم من الحضارات فإن ثقات المؤلفين قد اختلفت فيه مذاهبهم وتدابرت آراؤهم، غير أنَّ كفَّة القائلين بأنَّ الفكر اليوناني قد اغتذى وكسب من غيره، ترجح كفة القائلين بأن الفكر اليوناني «أصيل» نشأ في ثرى اليونان، وتكيف في ثنايا العقل اليوناني، غير مدخول بأي لقاح خارجي أو وراثة أجنبية.
فالعلَّامة «ميير Meyer» الألماني على أن المدنية اليونانية لم تبدأ في الارتقاء الحقيقي إلَّا بعد أن احتكَّت بالشرق في «إيوليا Aeolia» و«إيونيا Ionia» في آسيا الصغرى، حيث كان في تلك البقاع مدنية أرقى من مدنيَّة الإغريق.
ويقول العلَّامة «دنكر Dunker»: «لم يبقَ من شيء في مدنية اليونان لم يتأثر من اتصالهم بمدنيات آسيا الصغرى حتى دينهم، فإنَّه على الرغم من أنه يكاد يكون خاصًّا باليونان، ونشأته ذاتية بينهم، فإنَّه تأثر بأديان الشرق، واقتبس الكثير من أصولها ومعتقداتها.»
أما الأستاذ «روبرتسون Robertson» فيقول في كتابه «تاريخ حرية الفكر» (ج١ ص١٢١): «إننا مهما قلبنا وجوه الرأي، وأمعنا في البحث، فإنا لا نعثر على مدنية يونانية أصيلة؛ أي مدنية ليس فيها أثر من مدنيات أُخَر.»
ثم يقول في نفس الكتاب ص١٢٢: «إن الإعجاب الشديد باليونانيين، قد حمل كثيرًا من الباحثين وأصحاب الرأي إلى أن ينكروا حقيقة تأثُّر المدنية اليونانية بمدنيات الشرق القديمة، حتى إنهم لم يكتفوا بإنكار ذلك الأثر، بل تطرَّقوا إلى القول بأنَّ الفكر اليوناني وليد بلاد اليونان، تأصَّل فيها ونشأ، غير متأثر بشيء ممَّا سبقه من منتوجات الفكر الإنساني وجهوده.»
ذلك في حين أنَّ الذين ينكرون تأثر المدنيَّة اليونانية بغيرها، ثقات من الباحثين أمثال العلَّامة «ريتر Ritter» الألماني في كتابه «تاريخ الفلسفة القديمة»، والفيلسوف «رينان Renan» الفرنسي في كتابه «تاريخ الأديان»، والعلَّامة «زلر Zeller» في كتابه «تاريخ الفلسفة اليونانية» وهم يجمعون — كما يَتَّبِعُهُم غيرهم من الكتَّاب — على القول باستقلال الثقافة اليونانيَّة عن غيرها من ضروب الثقافات الإنسانيَّة.
ولا نريد أن نستطرد إلى سرد البراهين التي يقيمون عليها مذهبهم، فإنَّها ترتكز على نظريات، تتسع للجدل والنقاش.
ذلك في حين أن اتِّصال تيار الفكر، ونشوء الحضارة اليونانيَّة في حوض البحر المتوسط، مهد كل الحضارات القديمة، والعلاقات التجارية التي كانت قائمة بين كل الشعوب التي نشأت شرقيَّة، تزوِّدنا بمرجحات قوية نميل معها إلى القول بأنَّ الحضارة اليونانيَّة، نشأت متطوِّرة عن مدنيَّات أُخر.
هذا ما يؤيده الأستاذ روبرتسون في كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا إذ يقول في ص١٢٢: «إن التعصب لبعض الصفات التي تتصف بها الأمم، والافتتان بما لبعض الشعوب من نبوغ وعبقرية، أمران ساقا بعض الكتَّاب، وفئة من كبار الباحثين، إلى الأخذ بآراء هي إلى ناحية الرجم بالغيب، أقرب منها إلى مناهج العلم اليقيني.
على أنه من أقرب الأشياء إلى الحق، أنك إذا رأيت أمة في التاريخ أخذت تضرب بسهم في مدارج الارتقاء الفكري والفنون، وبقية مطلوبات الحياة ومستحدثاتها وضروراتها، وأنها بدأت تخطو في سبيل ذلك خطوات سريعة ثابتة، حكمتَ بأن تقدمها على هذا النمط، إنما يرجع إلى ما أحدثه احتكاكها بأمم أجنبية عنها، من الانعكاس الذي يظهر أثره في صفاتها ومشاعرها ومتجهاتها.
انظر في المدنيات الأولى كمدنية آشور، أو حضارات بابل والكلدان ومصر، فإنك تجد أن ارتقاءها المدني كان بطيئًا، واستجماعها لأسباب الرقي والتثقيف العقلي كان أبطأ، وذلك يدل على أن سرعة الارتقاء المدني يرجع إلى ما يؤثر في الأمم ذوات المدنيات المستحدثة الثابتة القوية في عصر ما من المنبهات التي تُسْتَمَدُّ من معارف الأمم الأجنبية عنها، وفكراتها وطرق تثقيفها عامة.»
ثم يقول: «أما تفوق اليونان في عصور مدنيتهم القديمة المعروفة في التاريخ، فلا يرجع — على ما تقدم — إلى نبوغهم وتفوقهم الذاتي تفوقًا خارقًا للعادة — كما يدعي كثير من الباحثين — بل يرجع — استنتاجًا وعقلًا — إلى ما طرأ على صفاتهم المدنية من نشوء وتطور، كان سببه اختلاطهم بغيرهم من الشعوب المجاورة لهم حينًا، ومن طريق ما وضعوه من النظم الاجتماعية حينًا آخر، ناهيك بموقع بلادهم الجغرافي وتخطيط أرضهم في الداخل تخطيطًا أوسع بين المدن المختلفة سبيل المنافسة، خلا ما تؤدي إليه المنافسة من رقي في الصفات المدنية، التي ترتكز عليها قواعد العمران.»
ثم يقول: «إن البحوث التاريخية تدل على أن اليونانيين القدماء في فجر مدنيتهم كانوا خليطًا من قبائل شتى، وزاد اختلاطهم على مدى الأيام، كما أن معارفهم وعلومهم ترجع — أول الأمر — إلى سكان تراقيا Throce وهم ليسوا إغريقًا، وكانوا يعبدون إله الشعر.»
ونقل الأستاذ روبرتسون عن القدماء أقوالًا تاريخية تؤيد مذهبه، فنقل عن هيرودتس أن أصل اليونان قبيلة حربية ذات نفوذ واحترام عظيمين، فتبعها كثير من القبائل الأخر التي كانت آخذة بتقاليدهم، وصرفت على نفسها اسم القبيلة «اليونان».
ونقل عنه أيضًا: «إن الإسپرطيين يونان وأن الإثينيين «بلاسجة Pelasgians» ولكنهم مع الزمن اصطبغوا بصبغة اليونان وتعلموا لغتهم.»
ونقل عن تيوسديدس قوله: «غير ميسور أن نعثر في العصر التاريخي على شعب يوناني أصيل لم تجرِ في عروقه دماء دخيلة من قبائل أخر.» ويتخذ الأستاذ روبرتسون هذه الأقوال دليلًا كافيًا لإثبات أن الحضارة اليونانية قد تطورت باللقاح السُّلالي، وأنها لم تنشأ غير متأثرة بغيرها من الحضارات القريبة منها أو البعيدة عنها.
أمَّا علاقة اليونان بغيرهم من الأمم المتحضرة — وبخاصة مصر القديمة — فإن الأستاذ ألبير فور الفرنسي قد أبان عنها في تقرير علمي مسهب ننقله بحروفه لنفاسته، قال الأستاذ فور:١ «إذا غرست التقاليد أصول فكرة من الفكرات سواء أكانت عقلية أم فنيَّة أم أخلاقيَّة أم من أيِّ ضرب آخر من ضروب الثقافة والمعرفة، ثمَّ درجت عليها الأجيال المتعاقبة، فإنَّها لا تمحَّص ولا تختبر، بل ولا تعرض على محك النقد لتبلو نصيبها من الصحة والخطأ، ذلك بأن تقريرها في الأذهان يُدخلها في حظيرة النحل المقدَّسة، ويرفعها إلى مرتبة العقدة الثابتة التي يعد بحثها تدنيسًا لقداستها، وتهجمًا على حرمتها.»
«من هذا أن كثيرًا من مشهوري العلماء والفلاسفة ونابهي الكتاب والمفكرين قد أخذوا بأفكار في نشأة الحضارة اليونانية، بطلانُها من الوضوح والجلاء بحيث يمكن أن تدركه عقول أقل من عقولهم هبةً وملكةً واستعدادًا.»
«فقد قيل: «إن الحضارة اليونانية — أم الحضارة الغربية — ليست مدينة بشيء إلا لنفسها.» فردد هذا القول كتَّاب اتفقوا في الفكرة، وإن اختلفوا في طريقة التعبير عنها، ورموا جميعًا إلى إثبات أنه في تلك البقعة الفريدة الممتازة، استقى شعب مختار من شعوب البشر كل غرائب الفن، ومدهشات العلم، وروائع الأدب والفلسفة، مستمدًّا أصولها من ذات نفسه ومن أعماق وجدانه.»
«والغرض من هذا البحث إثبات ما ينفي ذلك، وإظهار أنَّ اليونان — وبخاصَّة في الفلسفة — قد استقوا معلوماتهم — إلى حدٍّ ما — من مصر القديمة.»
«على أن الإحاطة الوافية بما يمكِّننا من إثبات ذلك إثباتًا كاملًا أمر عسير، ذلك بأنَّ هذه المسألة لن تحل عقدتها اليوم، ولكن رسم القاعدة التي ينبغي علينا أن نتَّبعها، وشرح طرقها أمر لا يخلو من فائدة، ولا ريب في أنَّ عملنا يثمر ويؤتي أكله، إذا استطعنا أن نجلب حجرًا واحدًا نضعه في أساس البناء الذي سيتمُّه غيرنا في الأيام المقبلة، بعد أن يضرب علم العاديات المصريَّة بقدم ثابتة في سبيل التقدم الذي يحقُّ لنا أن نغتبط بتباشيره، معتقدين أنَّنا سوف نبلُغ فيه شأو الكمال، قياسًا على ما أتمَّ العلماء الذين ترسَّموا خطوات شمبوليون، ومن تقدَّمه من البحاث المنقبين من الأعمال الباهرة إلى يومنا هذا.»
«عملتْ على نشوء الحضارة ثلاثة شعوب ممتازة بمقدرتها الابتكارية؛ هم: المصريون والكلدان وأسلاف اليونان، ومنهم استمدَّت الثقافة اليونانية عناصرها، ولقد كان لمصر في العمل الذي تكاتفت عليه هذه الشعوب الثلاث أثر رئيس، فإنَّها كانت في طليعة الأمم جميعًا من حيث التأثير في أسلاف اليونانيين، أولئك الذين ورثهم (الأيونيون) وأغارقة العصر الأول، ولقد دلت الإحاثة في جزيرة كريت — إقريطش — وفي جزر (الفُلوپُونيز) وفي آسيا الصغرى من حول مدينة (طروادة) على حضارات ربت ونمت في خلال الألفين الثاني والثالث قبل الميلاد، حضارات اتسمت بسمات عامة مشتركة فيها دلائل على تأثير شرقي بقدر ما، ومثلها أوجُهٌ من الشبه كبيرة في آثار من منشآت الفنِّ المسِّيني، وضروب من الفن المصري سواء أفي الزخرف الصناعي أم الفني.»





