أصول الفلسفة اليونانية ومذهب اللذة والألم – إسماعيل مظهر (1)
«وهناك دليل قاطع على وجود علاقات بين سكان اليونان وبين المصريين، حتى لو آثرنا أن نعتبر الفن المسِّيني هو المؤثِّر في الفن المصري لا العكس. وقصر إكنُوزُوس الذي اكتشفه مستر إيفنز في جزيرة (إقريطش) يرجح أنَّه قد بُنِي على مثال الفن المصري، وطبقًا لقواعد البناء والعمارة المصرية، ولا بد أن هذا القصر قد شُيد بين سنة ٢٥٠٠ وسنة ١٨٠٠ قبل الميلاد، ومن المحتمل أن يكون بين سنة ٢٢٠٠ وسنة ٢٠٠٠، وهذا يدل على أن العلاقات بين اليونان، أو على الأقل بين أسلافهم، وبين المصريين كانت موغلة في القدم، ولكننا سنقول إن القصر بُنِي قبل ذلك؛ أي حوالي سنة ١٢٠٠ أو سنة ١٣٠٠ قبل الميلاد.»
«ولكن المحقق أنه شُيِّد بين سنتي ١٠٠٠ و١٤٠٠؛ أي خلال الحرب الطِّروادية أو قبل نشوبها، ومن هنا نرى أن أهل آسيا كانوا متحالفين تجاه مصر، وكان هذا التحالف مكونًا من التكْرين والدانيِّين والترهينيِّين وغيرهم. ولقد أكد بُحَّاث أن الملحمة التي نُظِمت في التغني بانتصار الفرعون رمسيس الثاني — سيزوستريس — من ملوك الأسرة التاسعة عشرة على أهل سوريا، كانت الأصل الذي أوحى إلى هوميروس نظم الإلياذة، ولا مسوِّغ للشك في أنها أثارت ضجة بُدَاءة — وكما هو طبيعي — في مصر نفسها، إذ إنَّ أصلها قد حفر كلُّه أو بعضه في معابد كثيرة، زد إلى هذا أن الآسيويين الذين احتكوا بحضارة النيل في الحرب أو التجارة أو المعاهدات، قد حملوا — من غير شك — صداها إلى أسماع اليونان، الذين كانوا في بدء الدخول في دورهم التاريخي، ولكن استنتاجنا من ذلك أن الملحمة المصرية قد أثَّرت ضرورةً في نظم الإلياذة؛ أمر غير مقطوع به، وأي تأثير لمصر في اليونان من هذه الناحية عرضة للشك والظنون، وإذن يكون من العبث محاولة بحثه هنا.»
«ولكن إذا تأمَّلنا في التشابه الكلِّي بين تمثال «أبولون Apollo» الذي عُثِر عليه بالقرب من قُورنْثِية وبين التماثيل المصرية للدول القديمة، نترك الفروض وندلف إلى الحقائق، ونقرر الآن أنه لما كان الأسلوب التقليدي هو الطراز الذي كان سائدًا في العصور المتأخرة من تاريخ مصر، ولما كان الفنانون يقلدون الآيات الفنية التي جاء بها أسلافهم سنحت الفرصة لليونان لتقليد النماذج المصرية من كل عهد ومن كل مذهب فني، حتى قبل أن يرخص لهم الفرعون إپزاماتيك بالدخول في وادي النيل. ومما هو أشد إثارة للدهشة؛ التشابه بين التماثيل الجالسة التي تملأ جانبي الطريق المقدَّس الموصل إلى معبد رديميان أبولون في ملِيطُس وبين التماثيل الجالسة في مصر، والتي يرجع عهد بعضها إلى أبعد العصور، وتماثيل مليطس أيديها موضوعة على الركب وسيقانها متلاصقة مثل التماثيل المصرية، ويمكن للإنسان أن يلحظ هذه المشابهة بسهولة إذا قارنها بتماثيل ممنون التي أقامها أمنوفيس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، وهي متقدمة على النماذج اليونانية بقرون عديدة، ربما قاربت ثمانية قرون. ومثل هذه النماذج إنما تدلنا على أن الحضارة اليونانية المبكرة أو حضارة أسلاف اليونان والحضارة «الأيونية» المستنيرة قد تأثرتا بالحضارة المصرية.»
«وبفضل شمبوليون وحلِّه للرموز الهيروغليفية، وبفضل عمل العلماء الذين جاءوا من بعده وصرفوا جهودهم لردِّ مِصر القديمة إلى الحياة، أصبحنا اليوم في موقف يُمكِّننا من تكوين فِكْرة في الأصول المنقوشة على الحجر أو المكتوبة على ورق البَرْدي، وقد تألَّفت مجموعة وافرة من المخطوطات من كلِّ نوع بفضل جهود علماء العاديات المصريَّة الذين زادوا إلى ثروة العلم باكتشافاتهم وبإصلاحهم أخطاء عديدة عن حضارة مصر، كانت قد حازت الثقة من قبل. وللأسف إن هذه المخطوطات — على كثرتها — ليست في الحقيقة غير جزء قليلٍ من الكتب الكثيرة التي كانت مكدسة في المكاتب وفي معابد الفراعنة. ولذا لا تزالُ عمليَّة سد الثغرات باقية، وهذا هو سبب اختلاف المؤرخين، وتفرقهم شيعًا وأحزابًا في تفسير ديانة مصر القديمة، ونحن مرغمون على الرجوع إلى المخطوطات التي بين أيدينا وتحت تصرفنا، ومضطرون إلى أن نستنبط منها النتائج التي تعتبر بالنسبة إلى حالتنا العلمية محتملة، إن لم تكن باتة نهائية. وعلى أقل تقدير، يمكن أن يكون في مستطاعنا إعطاء فكرة حقيقية عن الحياة العقلية والأخلاقية لمصر في ألف السنة الأولى قبل الميلاد، وبخاصة في القرنين السابع والسادس؛ أي في الوقت الذي تأكدت فيه العلاقات بين مصر واليونان. وسنرسم الآن صورة عامة لتلك الحضارة الزاهرة، ولكن قبل الإقدام على ذلك سنختبر كيف حظي اليونان بالوصول إلى وادي النيل.»
«حوالي سنة ٦٥٠ قبل الميلاد — ولأسباب سياسية لا تعنينا هنا — دعا الفرعون إپزاماتيك الأول — مؤسس الأسرة السادسة والعشرين — اليونان من آسيا الصغرى لنصرته، ومن ذلك الوقت إلى ما بعده، وفي ظل رعاية هذا الملك وخلفائه؛ أعطيت لهم إقطاعات خاصة عند مصب النيل.»
«وفي القرن السادس ق.م اشتهر الفرعون أمازيس بسياسة العطف على الهِلِّينيِّين Hellenistics وقد خصَّص لهم إقليمًا لاستعمارهم، ابتنوا فيه مدينة يونانية كاملة اسمها نُقْرَاطيس وألقوا برحالهم أيضًا في بلاد مصرية مختلفة، مثل: ممفيس وعبيدوس، وفي الواحات الكبيرة، وهكذا انتشرت في مصر طوائف وأشتات من اليونانيين مختلفة الأصول والسلالات منهم الإغريق والأيونيون والكاريون، ويونان من آسيا الصغرى، ويونان من الجزر ومن «قورينة Cyrene» بشمال أفريقية غربًا.»
«ومن أسباب هذا الذيوع والتكاثر قوَّة الخصب ورطوبة الثرى، ورخاء الحياة وسلاستها، ولم تكن أسباب هذه الرفاهة مقصورة على ليونة العيش وغزارة الموارد الماديَّة وحدها، بل ترجع أيضًا إلى خُلُق السكان الهادئ الوديع المشبع بالحضارة السامية، والذي صقله التمدين الراقي، حتى لقد قال المسيو ملهود: «إنها لحقيقة ذات بال أن العلم والحضارة اليونانيين، لم ينتعشا إلَّا بعد تلك الهجرة».»
«وفي ذلك الوقت كانت الحضارة المصريَّة فتنة الناظرين، وعجب السائحين، ورغم الانحطاط والتدهور السياسي الذي استمر عدة قرون، والذي بدت أعراضه في كلِّ ميدان من ميادين العمل — ولو أنَّه قد غولي في تقديره — فإنَّ تسلُّم الأسرة السادسة والعشرين عرش مصر، كان بُداءة عودة الحياة إلى الفن، ودليلًا على أن العلم والأدب قد نهضا نهضةً بعثت عهد الفراعنة السابقين الزاهر، من رموس الماضي.»
«كانت التصورات الأخلاقية الراقية قد ملكت نفسية المجتمع، وكانت منبثَّة في مجموعة منظَّمة من القوانين المدنيَّة والجنائية، قد بهر تنسيقها وحسن نظامها القدماء. والفصل الخامس بعد العشرين من «سفر الموتى» وهو الذي يشمل تزكية الروح، والمسمَّى بالاعتراف السلبي أمام محكمة أوزيريس يكشف لنا عن خلاصة الآداب المصرية، ويرينا سمو مشاعرهم الأخلاقية، ورفعتها وتساميها.»
«ولأسباب معقولة قورن هذا الاعتراف السلبي بالوصايا العشر عند العبرانيين، ونجد من المؤلفين القدماء الذين وصلت إلينا كتبهم على مهابط السنين — وبخاصة هيرودوتس وديوذورس — برهانًا على أن هذه الشريعة الأخلاقيَّة، كانت مستمدَّة من القوانين والشرائع المصرية، أما ديوذورس فيحاول أن يحملنا على الاعتقاد بأن «صولون Solon» قد استعار بعض قوانينه من المصريين، وهذا محتمل إلى حد كبير قياسًا على تفوق مصر على جيرانها تفوقًا كبيرًا، وعلى التأثير الذي لا يدفع والذي لم تكن مصر لتضعف عن تسليطه على قوم في زهرة شبابهم، متلهفين إلى العلم ولهم مواهب سامية، ولم يكونوا بعدُ قد أطلقوا العنان لقوتهم الإبداعية، وكانت عبقريتهم الغريبة الباهرة، ستتفتح عنها الأكمام، بعد صولون بقرن واحد.»
«وقبل ظهور اليونان في التاريخ الحقيقي كان المصريون هم الذين أوجدوا أكمل حضارة وأفتن وأزهر مدنية، وكان التعليم منتشرًا في مصر انتشارًا واسعًا، وعدا طبقة الكهنة الذين كان لهم احتكار العلوم والآداب، كان هناك عدد عظيم من كتَّاب الدواوين ورجال الحكومة، يمثِّل العنصر المثقف من السكان. وكان لكل مدينة عظيمة مدرسة واحدة، أو عدة مدارس متصلة بالمعابد، ويتكون منها كليات دينية حقيقية، وتدل التقاليد على أن أعظم علماء اليونان وأفحل فلاسفتها كانوا يترددون على هذه المدن العظيمة. وكانت أكثر المدن روَّادًا وقُصَّادًا سايس وبابُسْطِس وتَنِّيس وهِلْيُوبُوليس وعَيدُوس وطيبَة، وكانت كليَّة هليوبوليس الكهنوتية طائرة الصيت، وكان يؤمها اليونانيون ويعتبرون وفودهم عليها جزءًا من برنامجهم التعليمي. وفي عهد الأسرة السادسة والعشرين — أي من وقت تولي إپزاماتيك الأول إلى وفاة أهْمُس واستيلاء الفرس على مصر؛ أي من سنة ٦٥٠ إلى سنة ٥٢٥ قبل الميلاد — كان يمكن لليونان أن يؤمُّوا وادي النيل، ويعيشوا فيه في أحوال مواتية لا تقطعهم عن الدرس والمطالعة ومذاكرة المعارف، وفوق ذلك، فإنه لم يحدث تحت سيطرة الفرس ما يعوق السائحين والمؤرخين والسياسيين عن السفر والتنقل خلال الديار المصرية، يدرسون عاداتها وفنونها ومعتقداتها الدينية، ولقد يعطينا المؤرخ هيرودوتس مثلًا من ذلك فيما كتب.»
«لقد أظهرنا إمكان وجود العلاقات العقلية بين مصر واليونان، والآن سنختبر طبيعة هذه العلاقات، وليست المسألة مسألة إثبات وراثة فلاسفة اليونان المبكرين المباشرة للأفكار والتصورات المصرية، فهذا شيء عسير يصعب أن نحلم بتحقيقه في حالتنا العلمية الحاضرة. والأمر هنا يدور حول إثبات أن الفكر المصري ينبغي أن يكون قد أثر بعض التأثير في الفكر اليوناني، ومن ناحية أخرى نرى أنه من الضروري تجنُّب الخطأ المضاد لذلك، وهو إنكار أيَّة علاقة لمملكة ما بالممالك الأخرى التي تجاورها، حتى بالممالك البعيدة عنها وبخاصة إذا كانت الأخيرة مباءة للأدب والفن والعلم.»
«أخذ اليونان أفكارهم عن يوم الحساب بعض الشيء عن المصريين، ومن أجل ذلك كانوا — كالمصريين — يعتقدون بوجود روح مجنَّحة خالدة، وكانت الروح تُمَثَّل على الآثار المصرية وفي المقابر بصورة طائر ذي رأس بشري، ويلزم أن يكون اليونان قد أخذوا صورة الجنة من مملكة الموت، التي كان يحكم فيها أوزيريس.»
«ولا مجال لنكران المشابهة والتقارب في الجرس بين كثير من الكلمات المصريَّة وبين عدد عديد من الكلمات اليونانية التي تدلُّ على معنى واحد، وفضلًا عن ذلك فإنَّ القُنِيَّ والنيل — تلك التي تصوَّر المصريون وجودهما في العالم الآخر، على مثال النيل الحقيقي وقُنِيِّه الأرضية — اتخذها اليونان نماذج لأنهر العالم السفليِّ ومجاريه وقُنِيِّه، ومن الصعب أن نشك في الأصل المصري لكلمة “Rhudamanthu” فهي مأخوذة أصلًا من الجملة المصرَّية “Ra-in-amenti” وهو رع إله الشمس في “Amenti” وهي الحياة المقبلة. وكلمة “Charon” للملَّاح في العالم السفلي مأخوذة من الكلمة المصرية “Karon” ومعناها زورق أونوتي، وقد أوحت فكرة محاسبة الموتى أمام محكمة أوزيريس إلى اليونان أفكارًا مشابهة لها. والزخرف على ترس آخيل مستمدٌّ من التماثيل النصفية المصرية، وقد صبغت أساطير يونانيَّة كثيرة بعناصر مجلوبة من مصر؛ مثل أسطورة هيرقل فإن الأصل المصري ظاهر فيها، ومثل أسطورة أطلس حامل الدنيا برمتها على منكبه، وهي فكرة تضرب جذورها في أصول أشهر الخرافات المصرية.»
«وكان اليونانيُّون وهم يطوفون بالمدن المصرية يجعلون الآثار والمعابد قيد عيونهم ومرمى أبصارهم، وكانت هذه المشاهد جلَّ ما يحتاجون إليه، لتدريب خيالهم اليقظ الوثَّاب القديرَ على التصوُّر. وإذا انتقلنا من الأساطير والاعتقادات الدينيَّة إلى الأفكار الأكثر استغراقًا في الفلسفة، نجد أثر التأثير المصري في اليونان، ففكرة العدالة العالية التي نراها في هسيود فكرة مصريَّة بحتة، وتاميز اليونانيَّة هي «ما» المصرية إلهة الحق والعدل، ويتمثل في شخصها القانون الأخلاقي، والسنن المرعيَّة في المجتمع، ويعنو لهيبتها الفرعون نفسه، كذلك تتجه أفكارنا نحو مصر كلما قرأنا في هسيود تقديره حياة العمل والجهاد، والسير في منهاج الفضيلة، وكذلك عندما ينصح لنا بالسعي الحر الجريء.»
•••





