إشكالية المنهج والمقاربة في السرد والخصوصية الثقافية لسيد ضيف الله – عادل ضرغام
سيد ضيف الله

في كتابه (السرد والخصوصية الثقافية) لا يعتمد سيد ضيف الله على نظرية واحدة، ولكن على مجموعة نظريات متداخلة ومتشابكة، منها النقد الثقافي والنسوية وأدب ما بعد الاستعمار. وفي الكتاب محاولة جادة للاشتغال على هذه النظريات في إطار تجليات نصية سردية من خلال تخصيب المفاهيم، للوصول إلى خصوصية سردية في هذه الأعمال، ومن ثم هناك تركيز على مفاهيم بعينها مثل المركز والهامش، والنسق الثقافي، ومفهوم السلطة أو القوة، والتمازج الثقافي، وكلها مصطلحات وثيقة الصلة بنظريات ما بعد الحداثة.
وقيمة الكتاب تتجلى من الوعي الخاص والعناية بالاصطلاح، وتفعيل هذا الاصطلاح، ففي الكتاب محاولة لها فرادتها في جسر الهوة بين النظري والاصطلاحي من جانب والوعي الخاص بالنصوص من جانب آخر. فقارئ الكتاب لن يشعر أن هناك تقعّرا اصطلاحيا بالرغم من العناية بهذا المنحى، ولكن ستقابله تلك القدرة على تذويب الحدود بين أسس النظرية وتشغيل أسسها، فالمدخل النظري ليس سياجا أو إطارا خارجيا، ولكنه متداخل ومؤسس لعملية الفهم والتأويل، فهناك استجابات لافتة للإشارة النصية لتصبح محركا ودافعا للمقاربة.
الكتاب يتجاذبه اهتمامان أساسيان: الأول منهما الوعي الخفي بالنظرية وحدودها واصطلاحاتها، والآخير الوعي اللافت بالأعمال السردية، في سياق محاولة دمجهما في الإطار الكتابي والبحثي. والكتاب مكوّن- فيما أظن- من دراسات مفردة، أوجد لها الباحث إطارا يجمعها لتوحيد اهتمامها ونزوعها نحو موضوع محدد، ولهذا قد يجد القارئ بعض القلق في الترتيب، وأن الفصل الأخير (النظام العالمي للرواية) له الحق والمشروعية أن يكون في البداية، لأنه – إذا صحت فرضيته البحثية- يمكن أن يكون فرشة جيدة للموضوع، وأن يكون نقطة انطلاق للمقاربة سواء داخل الثقافات المركزية والمحلية، أو داخل الثقافة الواحدة، أو داخل النمط الثقافي الشعبي.
وقد أتاحت هذه المزاوجة والتوازن بين الحمولة النظرية الخفية والوعي الفني مقاربة مختلفة، يجيد فيها الباحث الإصغاء إلى النص، والوقوف عند الجزئيات اللافتة، ويطوّعها في مقاربة مشحونة بإطارات معرفية، ومن ثم يجد المتلقي نفسه في مواجهة تأويل للنصوص، لا يخلو من إشارات نظرية، لها فاعليتها في التأويل. مناط الاهتمام يتعلق بفاعلية القوة أو السلطة، سواء أكانت هذه الفاعلية مرتبطة بأطر عالمية تجعل الجميع في نزوع متوجهين نحوها للاقتراب من أفكارها وتشكلاتها، أو مرتبطة بنسق أو أنساق ثقافية تحمل سطوة ممتدة بالرغم من اختلاف الأجيال، خاصة فيما يخص – كما جاء في الكتاب- النظرة النسوية في تأملها لذاتها وتحولها من الرضا والخنوع بالانحياز إلى التبرم، واستمرارها في ظل تلك السطوة مشدودة إلى استمرار التماهي والوقوف والثبات.
وربما يكون من إضافات الكتاب اللافتة تخليص بعض المفاهيم من محدوديتها الترابطية، ومن علاقاتها بمكان محدد، لكي تصير مكوّنا حرّا، يرتبط بالوعي الإنساني الداخلي في مواجهة العالم الكبير أفرادا وجماعات، فالمركز والهامش- في منطق الكتاب – ليسا ثابتين، فهما متحركان، وما يعدّه الكثيرون هامشا قد يتكوّر على ذاته، وينعزل ويصنع من خلال هذا الانعزال مركزا من خلال نصاعة العرق والانتماءات الإثنية. ومن الإشارات المهمة في إدراك المفاهيم التي تظهر فاعلة في الكتاب، مفهوما الأنا والآخر، فلم يعرض لهما الكتاب بشكل تقابلي حاد، ولكن في ظل سلسلة من التفاوضات والصراعات الداخلية الكامنة، فهما في منطق الكتاب متداخلان، فلا وجود للآخر دون استحضار الأنا، ولا وجود للأنا دون استحضار الآخر، فهناك حالة من الجدل، حتى لو كان المنطلق في الأساس الانتصار للأنا، وطرد الآخر خارج حدود الذات، أو إخضاعه مقموعا داخل أطر الأنا.
منطلقات الاشتغال والفرضيات
قيمة المقاربة النقدية في هذا الكتاب- وخاصة في الجزئيات الخاصة بيحيى مختار وسعاد سليمان- تتمثل في كونها تعاملت مع النصوص على أنها بنيات مفتوحة متجاوبة، فالأنساق ليست كاملة التشكيل في كل قصة في تناقضها وتآزرها، لكنها تتشكل في الإطار الكلي لقصص المجموعة أو في مجمل الروايات. وقد كفل له ذلك الإشارة إلى الاستراتيجية السردية المرتبطة بالأنساق، وكأن هذه الاستراتيجية لها قدرة على السيطرة، وتوجيه الحركة، لأنها الجذر المغذي للخيارات، والأداة الأولى في تشكيل البناء السردي. وهذا التناول له قيمة في جرح الانعزال بين القصص، وإزالة الحواجز، بالإضافة إلى توليد نوع من التعاضد والتكامل بين هذه الأنساق.
والشخصيات وفق هذا الانفتاح بين القصص تتحرك وفق سياجات وأنماط محددة سلفا لها حرّاس، يشكلون قوة فاعلة في تشييد طرق ثابتة لا مجال للابتعاد عنها، فالابنة/ الراوية في قصة من قصص سعاد سليمان بالرغم من الثورة والتبرم، تكتشف في النهاية أنها تتماهى مع نموذج الثقافة الموروثة والنسق القديم المتمثل في الأم، فالتأمل الدقيق- نظرا لسطوة النسق وفاعليته يفضي إلى حالة من حالات التماهي بين الابنة الراوية والأم، فالفارق الزمني- وهو منطقيا يفضي إلى اختلاف- لم يؤد إلى خروج كبير عن صورة الأم الملاك أو الصورة المعهودة الموروثة.
ربما يكون ارتباط الأنساق في جانب مهم منها بالتشكلات المتجاوبة أو المتباينة القائمة على الصراع أو التفاوض الداخلي، السبب الرئيس في هدم الحواجز بين القصص في مجموعة (شهوة الملايكة)، أو بين الروايات في منجز يحيى مختار، فالكتاب يقارب أفكارا وأنساقا بها الكثير من التداخل، أو على الأقل يغطي بعضها مساحات متشابكة ومتعانقة، ولهذا نجد العناية لافتة بالخطاب والتمثيل، والمؤلف الضمني والراوي وأشكاله ومواقعه، وكلها مجتمعة تصنع بشكل غير مباشر الاستراتيجية السردية التي تؤثر في كل شيء داخل البناء السردي بداية من التوجهات الخاصة بالشخصيات، وانتهاء بالحدث.
الهوية السردية هي لبّ مشروع الكتاب، وهي فرضيته الأساسية استنادا إلى خصوصية ثقافية، ولكن هل اقترب هذا الكتاب بما يكفي لتجلية المصطلح، وجعله حاضرا واضحا، سواء في توزعه بين منحى فني ومنحى أيديولوجي سياسي قائم على فكرة السلطة أو القوة، أو في انحيازه لواحد منهما. ففي ظني أننا لا نستطيع مهما حاولنا الانطلاق من تجليات فنية في الحديث عن هوية سردية وتأسيسها لا نستطيع أن نغفل أثر السياسة والماضي السحيق والقوة والسلطة في تشكيل الهوية السردية الثقافية وارتباطها بأنساق جاهزة.
هل توصلت الدراسات إلى خصوصية فعلا؟ أعتقد أن هذا الإجابة عن هذا السؤال ليست يسيرة، لأننا نجد الدراسات تستند إلى الجزئي، ولا تقوم بتطوير هذا الجزئي للوصول إلى نسق فاعل. ففي دراسته عن يحيى مختار تأتي جزئية الولي أو التصوف للإشارة إلى التميز الديني وإن كانت غير دالة تمام الدلالة على الأمر، ويتجاوب معها في الجزء الخاص بسعاد سليمان (حكاية العابد الذي مشى على الماء) في قصة (صلاة القلوب)، بل في جزئيات أخرى يشتم القارئ مساحة لتأليه هذه المعرفة الغيبية، في مقابل تغييب العقلاني، وكان هذا مدخلا جيدا للبحث عن الخصوصية، حتى لو كان جاهزا، فإنه يظل مهما في تشكيل خصوصية ثقافية مرتبطة بخارج أعلى غير ملموس، وفي ذلك تغييب للفاعلية البشرية، وارتكان للثبات والانتظار.
الخصوصية الثقافية التي تسهم في تشكيل الهوية السردية وفق مقترح الدراسات في هذا الكتاب خصوصية مجروحة، لأن الأمر ليس مرتبطا بثقل الوجود المحلي أو الهامش وفق ثنائية المركز والهامش، لكنه مرتبط بالقوة والسلطة أو الإحساس بالنقصان بحاجة الأطراف للوصول إلى أن تصبح جزءا من المركز الذي يحيط نفسه بأسس وجدران ومسوح يجب تخطيها وارتداؤها لكي يسمح له بالاقتراب، لكنه يظل هجينا مموّها. مفهوم الخصوصية في الفصل الأول لا يرتبط بالشكل، ولكنه يرتبط بالدلالة، ووجود الأنماط أو النماذج الغريبة اللافتة للنظر، بالرغم من أن هناك جزئيات ومنطلقات تصلح لأن تكون خصوصية شكلية، خاصة عند خيري عبدالجواد، في ارتباط روايته ببنية الحكّاء الشعبي، وربما عند طاهر شرقاوي إلى حد ما، ولكن المدخل في هذه المقاربة كان مشدودا للوقوف على غرابة النمط أكثر من ارتباطه بالبحث عن خصوصية شكلية فنية، وعلاقة هذه الشكلية البنائية بإنتاج مضمون مغاير، وربما تكون هذه الجزئية الفرضية الأساسية للكتاب، أعني محاورة الشكل الغربي في إطار تمثل الأشكال والأنواع من خلال خصوصية سردياتنا التراثية.
في بعض الأحيان يغيب الهدف أو تقلّ فكرة الخصوصية، ليس لأنها- بالضرورة- ليست خصوصية قارة للمكان أو شخصياته، ولكن لأن كل ما يطرح لا يصلح بمفرده لتأسيس هوية أو نوع من الخصوصية، لأنها نتف يتمّ تجميعها، وقيمة الراوي أو الكاتب في (كيد النسا) لخيري عبدالجواد في التقاط هذه الجزئيات ودمجها في إطار فني، فالقيمة هنا ليست في هذه النتف الشعبية، وإنما في طريقة سردها التي لم يتم التوجه إليها بشكل مباشر، فطريقة خيري عبدالجواد في هذه الرواية قائمة على الحكي الشعبي، ومن ثم تصلح بداية لمجابهة الشكل الغربي، وتشكيل هذه الملامح الخاصة.
في ظل انطلاق الكتاب في مقاربته النقدية من مفهوم الخطاب، والتمثلات السردية، ووجود أنساق متجاوبة أو متبابنة، سواء من خلال الأفراد، أو من خلال القوى المهيمنة بين الدول وسطوتها في تشكيل أفق يلهث وراءه الجميع على كل المستويات، يلتحم الداخل النصي بالخارج السياسي والاجتماعي، ويصبح الفن بشكل عام – والفن الروائي بشكل خاص- وثيق الصلة باستراتيجية سردية، ليست نتاج ثقافة محلية، أو نتاج سياق أو نسق محلي، لأنه مشدود إلى الأيديولوجيا الجمالية المهيمنة لمفهوم الفن، ولمفهوم الرواية، المشدود إلى نظم سياسية وثقافية، وإلى سياسات القوة والسلطة، وهي أيديولوجيا تسهم في صناعة الذوق المتغير للقبول أو الرفض.
وفي ذلك السياق يأتي الحديث عن فرضية (أممية الرواية)، أو (الأيديولوجيا الجمالية للرواية)، وهو حديث يستند إلى مفهومي (الأدب المقارن)، و(الأدب العالمي) في صيغته الألمانية وفكرة السمو العرقي، وتتلخص في ميلاد سقف فني في كل فترة زمنية يتمّ التوجه إليه، ويتغير حسب حركة النوع، وتغيّر الذوق والنظريات الأدبية والسوق العالمي. وأعتقد أن الأمر كان بحاجة إلى توجه يضاف إلى التوجه الموجود بالكتاب، فحركته في مقاربة الموضوع تأتي من الأعلى إلى الأسفل، في تجذير قيمة وأثر السقف الفني، والأمر كان يحتاج إلى نظرة أخرى من الأسفل إلى الأعلى، أي بالكيفية التي تقاوم أو تستقبل الأطراف سطوة النسق الفني.
المقاربة في هذه الجزئية كانت تحتاج إلى فكرة (التمثل) الخاص بالنوع الأدبي، واختلافه من مرحلة زمنية إلى أخرى، فالفارق الزمني مهم في تأسيس تمثل مغاير، بحكم التراكم، وبحكم البحث عن هوية فنية، خاصة أن الباحث أشار إلى فكرة قطع الصلة بين الأمم وتراثها السردي، ومحاولة تفتيت أية هوية قومية، في مواجهة الأشكال الغربية الحديثة للسرد، بوصفها نموذجا مفروضا على الأدباء في بقية البلدان، وارتباطهم بهذا النموذج، وسيرهم على منواله، في إطار فكرة التبعية.
فلو كانت المقاربة- فوق ما قدمته- مفتوحة على الكيفية التي يتمّ بها تمثل النوع الأدبي، لأدركنا أن التبعية التي تحدث عنها سيد ضيف الله ليست سوى حلقة أولى من حلقات تالية، فعمليات التمثل- أو التفاوض على حدّ تعبيره- ليست واحدة، ولا تتجلى في شكل واحد، حتى بالنسبة لمنجز الكاتب الواحد. فنجيب محفوظ الذي كتب القاهرة الجديدة أو الثلاثية ليس نجيب محفوظ الذي كتب رحلة ابن فطومة أو ألف ليلة وليلة أو الحرافيش، ففي الأولى نراه داخل النسق في الاتباع الشكلي العالمي، وفي الأخرى هناك بحث عن شكل وثيق الصلة بالسردية القديمة، ومن ثمّ يتجذّر هذا التوجه في حلقة جديدة أقرب ما تكون إلى تشكيل الخصوصية والهوية السردية.
ففكرة التمثل كانت تتطلب- فوق ترسيخه للفكرة التي عمل عليها باجتهاد لافت- مقاربة لبعض مشاريع الكتّاب العرب، حتى تتجلى قيمة منجزهم اقترابا أو بعدا عن هذا النظام العالمي أو التوجه الأممي للراوية، خاصة في ظل اعتبار الشكل جزءا من هذه الأيديولوجيا، واعتبار الموضوع أو السؤال: أين يسكن الفن في مرحلة ما؟ جزءا أساسيا لتطور هذه الأيديولوجيا من فترة إلى فترة، وهذا لن يتمّ إلا من خلال مقاربة أشكال التمثل أو الحوار أو التفاوض بين نسقين قربا أو بعدا أو إزاحة.
وهذا قد يجعلنا نقف عند فكرة ترددت كثيرا في صفحات الكتاب، وتأصل وجودها في الفصل الأخير، وهي الأيديولوجيا الجمالية للرواية، وقد جاءت- وفق تحديدات سيد ضيف الله- مرتبطة باهتمامات الفن أو النوع موضوعيا ملتحمة مع آليات تشكيله التي قد تناسب لحظة زمنية، أو تعمل أسباب عديدة لجعلها مناسبة للحظة ما. وهي فكرة تحتاج إلى وقفة أو مناقشة، لأنها تحيل الفن إلى سلعة تستجيب لمتطلبات السوق بعيدا عن القيمة والجدارة الفنية، لأنها نتاج مؤسسات موازية لمؤسسات القوة والسلطة، وهيمنة المركز على الهامش، وتؤدي فيها حركة السوق والتوجيه العالميين دورا مهما، وذلك من خلال خلق أيديولوجيا جمالية مناسبة للحظة الزمنية.
فالأيديولوجيا الجمالية للرواية تستجيب للعرض والطلب، في لهاث دائم بعيدا عن التجلي القديم في التحولات النظرية للرواية الذي ينطلق منه سيد ضيف الله لإثبات مشروعية فكرته، وذلك من خلال الإجابة عن السؤال التالي: أين يسكن الفن؟ هل في حدود الواقعية وتقديم النماذج والمهمشين؟ أم في حدود الواقعية السحرية؟ أم في حدود التعدد وغياب اليقين، وبداية التركيز على الأقليات ارتباطا بهدم المركزيات والسرديات القومية الكبرى؟.
إشكالية المنهج والمقاربة
في أجزاء كثيرة من دراسات الكتاب هناك اعتماد على النموذج الجاهز والأكثر حضورا، وهو نموذج المركزية الغربية في مقاربة وصناعة المركزية النوبية المتخيلة، خاصة في عالم يحيى مختار، والوصول في النهاية إلى حكم يربط بهشاشة الموضوع وزيفه. فحين يطبق أسس تشكيل المركزية الغربية على تشكيل المركزية النوبية يعتمد على التمايز العرقي والتمايز الديني بوصفهما أساسين فاعلين في تجذير المركزية الغربية، ولكن تطبيق ذلك على المركزية النوبية يحتاج إلى إعادة نظر، لأن المركزية الغربية مركزية سلطة وقوة، ومركزية النوبيين من خلال شخصية (عثمان حجية) مركزية مقاومة، وهناك فارق شاسع بين الاثنتين، فالمهمش الضعيف يصنع مركزية متخيلة للاستقواء. فرفض زواج النوبيات من أعراق أخرى يأتي بوصفه مقاومة المحو وتلويث الهوية، فهي مركزية مقاومة مشمولة بالحنين إلى الماضي، وليست مشمولة بالقوة، فالمركزية هنا تتشكل ضد فكرة الذوبان، مركزية عوالم خاصة مكتفية بذاتها، لا تنشد سلطة خارج حدودها المنكفئة على عالمها.
فالمركزية الغربية حاضرة وآنية ومستمرة، ولكن المركزية النوبية مصنوعة من مقاومة المحو والذوبان، ومتشبثة بماضيها أكثر من تشبثها بالآني، هي مركزية الحركة للخلف لا الأمام، ولهذا يتطلب الأمر في مجمل الأعمال فكرة الوريث والحارس. فالتأمل الدقيق يكشف عن خلل في المركزية النوبية- إذا عقدنا المشابهة في المنطلقات بين المركزية الغربية والنوبية- فيما يتعلق بالتمايز الديني، ولا تصلح الصوفية أو التصوف في الدلالة على التمايز الديني، لأنهما موجودان في كل الأديان، حتى في الأديان غير السماوية.
المشابهة بين المركزية الغربية والمركزية النوبية في التفوق العرقي والديني كانت تحتاج إلى شيء من التروي، لأنه تشابه ليس على إطلاقه، والصوفية- بوصفها بديلا أو أداة للتمايز الديني- أداة تسليم وثبات، ومن ثم هي مغايرة للمركزية الغربية، فالتصوف ينتج بشرا يتكلون على السماء، مما يجعلهم خارج الفاعلية الواقعية. لكن المركزية الغربية تبني تمايزها الديني من التطابق مع المسيحية بوصفها إطارا شاملا دون خصوصية فردية، لكنها في التصوف النوبي تتجلى في شكل أفراد يمارسون نوعا من السطوة الخفية على الأفراد العاديين، فالأفراد مع المركزية الأوربية يطلون في حرية، لكنهم مع الأخيرة يتجلون مشدودين إلى نسق فردي، وإلى قوى غيبية، فنجدهم يتسمون بسمات خاصة.
وثمة جزئية أخرى تتعلق بالمنهج، فقد يبدو للقارئ أن آليات النقد الثقافي- وتوجهات نقدية أخرى بالضرورة- متجذرة في المعنى أو الدلالة، ومن ثم تتأثر المقاربة النقدية بذلك، فيشعر القارئ بالانصياع وراء المعنى ومحاولة صنع إطار يتساوق مع السرود الأدبية، والانشداد وراء حديث خارجي خاص بالسياقات السياسية والاجتماعية لتشكيل الفكرة وارتباطها بالأعمال الأدبية. فتسويغ الفكرة وربطها بالعمل موضوع المقاربة أخذ الكثير من جهد الباحث. ونجد في بعض الأحيان – نتيجة لذلك- إشارات بها نوع من الخطابية بعيدة الصلة عن الموضوع، فهي مرتبطة بالخارج المرتبط بأفكار عامة، مثل الحديث عن فشل الجامعة، وقد تكرر ذلك مرتين في صفحة واحدة، في البداية والنهاية، يقول في بدايتها (لأنها في ذاتها دليل على فشل مؤسسة الجامعة في مهمتها، وانعزالها عن مجتمعها بشكل يُسقط عنها قبتها التي نتفاخر بها، ولا يُسقط عمامة الأب)، وفي الفقرة الأخيرة يقول (إن فشل الجامعة في مهمتها الأساسية باعتبارها قاطرة المجتمع، لابد أن يكون السبب في فشل الراوية/ الابنة في تحقيق النماء الثقافي).
في بعض الأحيان تصل هذه البلاغة الخطابية مداها في الاستناد إلى أحاديث الرسول، لإثبات وجود نسق مقابل له جدارة، أو يمكن أن تكون له مشروعية. فتأسيس هذا النسق في المقاربة النقدية لا يرتبط بحديث الرسول (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وإنما يجب أن يكون – انطلاقا من النص موضوع المقاربة- مشدودا إلى منعطفات الثورات النسوية، وفشلها في السياق العربي، لتعود كسيرة مهزومة. وربما كان لدى الباحث وعي بهذه الهيمنة والتجذر في الإطار الدلالي للأعمال، ولهذا نراه- بوصف ذلك ردّ فعل- يقدم إشارات في التحليل إلى فاعلية الراوي وموقعه، خاصة أن لهذه الجزئية هدفا منطقيا، يتمثل في كونه يريد أن يثبت أن لكل صنف من الأصناف الثلاثة للرواية (التقليدية- والحديثة- وما بعد الحداثية) نوعا أو نسقا خاصا من الرواة.
فالأمر- وفق ذلك- كان بحاجة ماسة لتفعيل هذه الآلية، والإشارة إلى دورها بشكل مباشر مع كل مقاربة بعيدا عن شكلها الذائب والمتواري، والكشف عن دورها في إنجاز الشكل الروائي. فالحديث عن الرواة، وأنواع الرواة، وموقعية كل راو حديث مهم، ولكن حضوره في البداية أو داخل المقاربات النقدية، لم يؤد إلى ردم الفجوة الموجودة في الكتاب، وهي الانحياز الدائم للمعنى أو وللدلالة بكل أفقها النظري، سواء في الحديث عن فاعلية النسق وحضوره، أو عن ثنائية المتن والهامش. فوجودها في صلب الكتاب على مساحات متباعدة، لإحداث التوازن دون تفعيل حقيقي، يأتي وكأنه محاولة لرأب الصدع الموجود، صحيح هناك إشارات في التحليل لفاعلية الراوي وموقعه، لكنها إشارات خافتة، تشكلت كتلتها الأساسية في البداية، ولم يكن لها وجود لافت في المقاربات الخاصة بروايات السرد المحلي، ولهذا نراه يقول تساوقا مع هذا المنحى (إن ما تتمايز به روايات السرد المحلي يكمن في الأساس في عملية انتقاء المادة المتفردة والنادرة التي تحقق الدهشة للقارئ في مناطق متفرقة من العالم… رواية السرد المحلي تفشل جماليا، وتنجح أنثربولوجيا، حين تتحوّل إلى متحف تتجمع فيه الآثار الأصلية والمقلدة من حدب وصوب).
في المقاربات النقدية التطبيقية ليس هناك مساحة للحكم عليها، لأنها تمثل تجليا فرديا يرتبط بثقافة الناقد، وتوجهه النظري، وفنيّته في التعامل مع النصوص التي يتمّ بناؤها من خلال عدد هائل من النصوص، ولكن في بعض الأحيان يبصر قارئ الكتاب من خلال الاستناد إلى مقاربة وجهد صاحبه أشياء قد تكون لها قيمة. فالحديث عن القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، في تناوله لمجموعة سعاد سليمان، حديث مقبول وله مشروعية، ولكني أتوقف عند طبيعة النوع من الأساس، ومن خلال هذا التفريق الذي أقرّه الباحث، يلحّ السؤال الآتي: هل القصة القصيرة أقرب إلى الشعر أم إلى الرواية؟ والإجابة بشكل صريح تتمثل في كونها أقرب إلى الشعر، فهي فن التوقف والثبات وليست فن الحركة والتتابع والنمو، هي فن النقصان في احتياجه للتأمل والاكتمال، هي سرد، ولكنها تعمل عمل الشعر. فالوصف المقدم للقصة القصيرة جدا عند سعاد سليمان، وصف يصدق على فن القصة القصيرة بشكل عام في أصل نشأته، وحدود جذوره الشعائرية، فالقصة سرد مجازي، يرتبط بالتوقف والتأمل، فهي أقرب لبنية مكانية مثل اللوحة، وليست بنية زمانية مثل السرد، فهي تتوسّل بالسرد، لكن لتقديم شيء آخر مشدود لأشياء خارج نصية.
وفي بعض الأحيان قد يتجلى لقارئ الكتاب نوع من الرؤية التي قد تضيف إلى التأويل المقترح، ومن خلاله تتولّد إضافة تثري المقاربة النقدية.فشخصية (الغريب) في رواية يحيى مختار في تمددها الزمني الذي يدخلها إلى مساحة من الأسطرة كانت بحاجة إلى تأمل طويل، خاصة في ظل محاولات الانغلاق وبناء المركزية المتخيلة، فالغريب هنا يمثل الوجود خارج العرقية، ويطلّ بوصفه شاهدا على انغلاق المركزية أو انفتاحها من مرحلة زمنية إلى أخرى، من إبعاده والنفور منه، وعدم تزويجه في فترة من الفترات، والسماح له بالاقتراب في فترة أخرى. فالغريب جرح لنصاعة النمط أو التكتل من خلال السخرية والانتقاص منه، وجرح مشروعية الانعزال، وكأن في الانعزال في مفهوم النوبيين المنزوين على أنفسهم إعلانا عن قيمة عرقية تصنيفية، لأن الجماعة-أية جماعة- إذا نظرت بعين التقديس- حتى لو كان التقديس من أجل المقاومة- إلى نفسها سترى الآخرين في مرتبة أدني، فهم عبيد أو غرباء.
في تناوله لمجموعة سعاد سليمان (شهوة الملايكة) يظل التناول محتميا بجزئيات بسيطة وخافتة، بل مبذولة في كل السرديات النسوية بشكل لافت، دون أن يكون هناك محاولة للوصول من خلال هذه الجزئيات إلى إطار عام، يكفل وجودا لسردية ذات خصوصية. فمن خلال جزئيتي (استعارة العام هو الخاص) و(التماهي)، تؤسس المقاربة النقدية حضورها من خلال جعل الأم/ الشخصية رمزا لنسق الثبات، بكل يقينياته، وارتباطه غير المبرّر بالمؤسس المقيّد، وجعل الابنة/ الراوية نموذجا أو رمزا للتبرم، ولكن هذا التبرم في الجزئية الأخيرة (التماهي) لم يفض إلى مغايرة، فظلت فاعلية النسق القديم حاضرة وفاعلة.
فوجود النسقين على هذا النحو وارتباطهما بالثبات بالرغم من التبرم الواضح والجلي، كان يجب أن يحيلنا إلى أزمة لدينا تشكل نسقا في الشخصية العربية وسرديتها وهويتها، يتمثل في كون التغيير عندنا مشدودا للخلف، ومشدودا للثبات، وأن منطلقات الثبات أكبر وأقوى من مغريات الحركة للأمام. وبوسعنا أن نجد ذلك واضحا في الفنون، وتعدد أشكالها بين تقليدية وتراثية وحداثية، ذلك التعدد المشدود إلى سطوة التقاليد التي لا نرى صدى لها في الآداب والفنون الغربية، فالتطور في الغرب يفضي إلى مغايرة قارة، ولكنه لدينا يفضي إلى تفاوض ومحاولات استبقاء للقديم، واستيعاب وتقليم للجديد.
في ظل محاولات التفاوض بين المركز والهامش، يظل لهذا السؤال مشروعية، هل لا زالت المركزية الغربية بجوائزها، وسلطة مؤسساتها النقدية في التسويق والتسويغ أو المنع والتعتيم لأعمال الهامش لها هذه السلطة؟ والسؤال يمكننا – بدلا من إجابة متسارعة- من إعادة طرح الأمر، ووضعه في حيز النقاش والمساءلة، خاصة أن هناك بلادا أوربية سوف تتأثر إبداعيا إذا حذفت من منجزها إسهام بعض الكتّاب الذين ينتمون إلى الهامش والأطراف.





