مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

أزمة اليسار وتقنيات المراجعة في رواية برّ الدناكل للغربي عمران-عادل ضرغام

غلاف رواية بعنوان 'بر الذّاكر' للكاتب العمراوي، يظهر وجه امرأة بملابس تقليدية مزينة، محاطة بقماش أحمر.

        في رواياته برّ الدناكل المكوّنة من أربع جزئيات، هي على الترتيب (بائعة الريحان)، و(وداعا صنعاء)، و(وجه البورسلان)، و(وداعا عدن)، يعاود الروائي اليمني الغربي عمران طرح مناحيه الفكرية الأثيرة بداية من (مصحف أحمر) إلى لحظته الإبداعية الآنية، وهي مناح مشغولة بالإنسان في مواجهته لحاضره الراكد والثابت، وأيّة مواجهة لهذا الركود والثبات محكوم عليها بالفشل. ففي ظل وجود سلطة تسدل سطوتها من خلال تشكيل نمط حياة البشر بكل تداعياته، فتتحقق الرغبات لكن بوجه مختلف وإحساس مغاير بسبب لذّة الاختلاس التي تتماس مع طبيعة المجتمعات التي لا زالت قبلية منغلقة على ذاتها، لا تستجيب لإطار عام يجمع التباينات، ويوحّد الرؤى والآمال دون النظر إلى اختلاف العرق والمذهب والأيديولوجيا.

        فوجود انتماءات أيديولوجية وقبلية في حضور سلطة قامعة يؤدي بالضرورة إلى تهشّم اليسار في مستواه النمطي أو المثالي، فيلح مهزوما في حالي التسامح والصراع، لأنه في كلا الحالين يصبح أهل اليسار أو الحزب الاشتراكي موضع قلق وريبة من الجانبين، فأصحاب الأيديولوجية الدينية لديهم اهتمام بالنصاعة الزائفة غير المتحققة لدى أفراد الحزب الاشتراكي، وأصحاب السلطة لديهم اهتمام بالتسليم التام والانضواء داخل أفق قبلي، وهذا أيضا غير متحقق لدى جماعات اليسار، ومن ثم يطل الهروب كما تجلى مع صفحات الرواية حاضرا وفاعلا مع بطل الرواية (شنّوق).

        الرواية بكل ما فيها من لهاث البطل، ومن تجاوب معه من شخصيات، وهروبه المستمر، وخوفه وظلمته المحيطة، قد تكون رمزا كاشفا عن وضع وطبيعة التفكير المغاير الباحث عن مقاربة جديدة للحياة أو الوجود، مقاربة ترتبط بالعقل والتحلل من النمطي والموروث والقبلي، فموت والده الذي أسس لديه التفكير والرؤية المغايرة على يد جنود صالح، أو موت ابنه الكبير وهو يقاتل باسم الله بعد أن باعه الشيخ معلم الصبية في القرية، وموت صديقه قانح في حربه ضد الأيديولوجية المذهبية الدينية المهيمنة، يشير إلى دلالة إن لم تكن مرتبطة بموت ونهاية هذا التوجه العقلي، فهي –على الأقل- تشير إلى الاضمحلال وتلاشي الأثر.

        فمسار وسطوة الأيديولوجيا الدينية من المسارات المكونة للعمل، خاصة بعد إلماح الرواية من البداية إلى وجود (الشريفة) آية، ونسبها بالرسول الكريم، ليبدأ المتلقي في افتراض وجود هذا المنحى، ولكن تتأكد مشروعية وجوده في مشهد تاج الدين نجل (طهناس)، حيث تطل لافتات مكتوب عليها (لبيك يا حسين)، بالإضافة إلى النعوش المغطاة بالرايات الخضراء. لدى الغربي عمران رؤية قديمة وواضحة تجاه هذه التجمعات أو الأحزاب الدينية أو السلالية، ولديه شكّ واضح يتجلى في اختياراته وتحبيكاته السردية، مثل حديثه عن (أنصار الله)، أو حديثه عن المرأة/ الشيخة التي تستقبل البنات والنساء إلى طريق الله، فيقول على لسان غزال التي عاشت فترة زمنية في كنفها (كان الظاهر عكس الباطن، فتلك الدروس تعدّ البنات لمآرب غامضة، وجوه تختفي وأخرى تظهر، وذلك الحضور كان فيه المصرية والشامية والسودانية).

        ففي بلد تتنازعه الانتماءات الدينية بين الشمال والجنوب، وبين شمال الشمال وجنوب الشمال ووسطه، وتسيطر عليه سلطات تستقوي بمليشيات قبلية وانتماءات مذهبية، تصبح حياة الأفراد صعبة خاصة في ظل وجود العسس الدائم، فتتولّد لهم سمات خاصة، أهمها الخوف والانزواء والثبات في كنف الظلمة، بالإضافة إلى أنساق اجتماعية تصيب الجميع بالرهاب من مجرد التفكير في مخالفتها. فالبطل شنّوق تتأسس حياته كالخفّاش في الظلمة، لأنه أصبح يرى الناس- على حد تعبير نص الرواية- مكامن محتملة للغدر، وفي عيونهم عسسا يرقبونه.

        يتحوّل برّ الدناكل الذي لم يرد في الرواية إلا في صفحاتها الأخيرة من خلال سطر أو سطرين، إلى أمل متعال، يمثل الوصول إليه وصولا للأمان، في ظلّ هذه السياقات المتناحرة، فهذا البرّ المقابل للبرّ العربي، يوجد في أثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، ونسق الرحلة دائما يتمّ منه إلى البرّ العربي، فكأن الرواية هنا تصفي فكرتها من خلال الوداعين (وداعا صنعاء- ووداعا عدن)، فالحرب تغيير في منطق الأشياء ونمطيتها وزلزلة للسائد، فبرّ الدناكل- بالرغم من الرؤية النمطية الممتدة ودونية النظرة إليه- أصبح حلما للوصول إلى أمان غائب، بعد أن كان مكانا طاردا للمهمشين والمعوزين من الأفريقيين في السابق، فقد أخبره سالم المهرب، أن سكانه لا يزالون يسيرون عرايا… وأنها أرض خالية من المليشيات ووكلاء الله.

استراتيجيات الصراع وأزمة اليسار

        تبدأ الرواية كاشفة بالتدريج عن شنوّق الذي يعيش في دار الشريفة زوجة صديقه إمام المسجد طنهاس، وقد شكّلت الرواية شخصية شنوّق من خلال بنية خاصة قائمة على تقتير الخلفيات المعرفية والسياقية التي أدت به إلى حاله العجيبة في بداية الرواية وصولا إلى حال الابتعاد ومحاولة الرحلة إلى برّ الدناكل في نهايتها. فهناك صفات تمّ إسدالها في البداية تدفع للاستغراب والدهشة والإغواء بالمتابعة والكشف لشخص يعيش (عاريا) في بيته دائما، وكأن العريّ معادل للحرية التي علمته إياها البندرية في رحلتها في تأسيس مغايرتها في الحياة والوجود.

        هناك دوال عديدة تؤسس وجودها في تشكيل شخصية شنوّق، منها الظلمة أو السواد، فاللون الأسود له وجود محوري في الرواية، فهو غالبا يقضي ليله خلف نافذته في ظلمة حالكة، ومنها الصمت فهو دائما ما يفشل في الحكي، وكأن في الحكي المباشر وجها لوجه نوعا من الضعف، ولكنه يكشف عن نفسه من خلال رسائل الماسينجر المتبادلة بينه وبين غزال، وبينه وبين البندرية، وأخيرا بينه وبين أروى. من خلال هذه الرسائل نستطيع تنضيد ملامح الشخصية في تشكيلها وانتمائها المحبوس بالخوف، وينتفي دال الصمت، وتتكشف الشخصية في ماضيها الاشتراكي، فقد تم سجنه مرتين، بعد مقتل والده الذي كان من مناضلي الحزب الاشتراكي الكبار، يقول ( خلال تلك التحقيقات طالبوني بتسليم ما تركه والدي من وثائق الجبهة الوطنية، وبالذات سجلات أعضاء الجبهة).

        فالتحبيك السردي بالإشارة إلى الأب الذي غادر القرية، وعاد بعد عدة زيارات بصفة (رفيق)، يعدّ مؤشرا دالا على التوطين والانتماء داخل الإطار الفكري، ومن ثم تمّ سجنه للمرة الأولى عام 1986م حيث شارك في إيقاد شعلة الثورة في ميدان التحرير، أثناء عمله سائقا في مؤسسة أكسفام البريطانية وانتقاله للعمل سائقا في المنظمة السويدية لرعاية الطفولة، وخرج من السجن بتدخل شخصية من الشخصيات المهمة في الحزب. عاد إلى قريته بحثا عن أمان وخوفا من العسس، وتزوج شقيقة صديقه قانح الذي حاول أن يعيده للعمل داخل خلية سرية للحزب لمواجهة الحوثيين، ولكنه رفض، وبعد مقتل صديقه قانح شقيق زوجته آثر الهروب والتخفي بعد اشتعال الصراع بين الحزب الاشتراكي بقيادة البيض وعلي عبدالله صالح، وسجن مرة أخرى بعد هزيمة البيض وهروبهم إلى حضرموت.

        تمثل حرب 1994 النكبة بالنسبة للاشتراكية في اليمن، فقد كشفت عن وجود سياقات جذرية تمنع تغلغل اليسار وتمدده، وأهم هذه السياقات تتمثل في السياق الديني المرتبط بالسلالة، وهو انتماء حين يكون صادقا يمارس تغييرا في طبيعة الشخصيات، ويحيلها من نمطها المتوقع في ردود أفعالها إلى نمط مغاير، ويمكن الإشارة في ذلك السياق إلى تحوّل فتاح الذي قام بأعمال مشينة لحظة هروب البندرية من عدن إلى صنعاء، فقد أصبح- بعد أن كان نموذجا للبله- قائدا يصدر الأوامر ويقود مجموعة من المنتسبين حين أصبح واحدا من قوات الحوثيين. وتمثل شخصية الشريفة آية نمطا كاشفا عن هذا التحول، فقد تحولّت- ربما بعد مقتل ابنها تاج الدين- إلى شخصية مؤمنة بفكر الحزب بشكل لافت، فقد تضاءلت من خلال هذا الإيمان قيمة الزوج في مقابل قيمة الحزب والانتصار لمبادئه، ففي حوارها مع غزال أثناء حرب الحوثيين وصالح، يتجلى إيمانها الجذري برؤى الحزب، ورفض كل ما يباين هذه الرؤى، في قولها واصفة (شنوّق) (هرب بعد أن اكتشفوا خيانته… تصوري أن ذلك المسخ يرفض شرف أن يكون في صفوف أنصار الله، والله لن يتركوه).

        وإن كان التحزّب الديني أو المذهبي له أثر في مطاردة الفكر اليساري والعمل على انكماشه وتشريد من ينتسبون إليه، وفي اختفاء زوج الشريفة (طنهاس)، والقضاء على (الفرانصي) ممثل السلطة وعينها، فإن هناك سياقا آخر لا يقلّ أثرا في تحجيم اليسار وتقويض مشروعية وجوده، وهذا السياق يتمثل في السلطة بعسسها الرسميين والمتطوعيين، فأي سلطة تتدثر بأساليب ووسائل تتيح لها التجسس على البشر، يتجلى ذلك في مشهد دفن تاج الدين في لقاء عيني شنوّق بعيني الفرانصي ممثل السلطة بزيه المغاير( فجأة التقت عينا شنوّق بعيني الفرانصي، انتابته رعشة، فكّر في العودة من حيث أتى).

        ووجود هذين السياقين له تاثير كبير في حركة الشخصيات، وفي إحساسها بحالة الترقب الدائم والمطاردة المستمرة، وفي حضور التصنيف، كما ورد في حديث شنوّق مع غزال (أتعرفين أنهم يصنفوني تارة بالاشتراكي، وتارة بالإخوانجي، لأني سرت في مظاهرات يسقط النظام، أشعر أحيانا أنهم يقصدون شخصا آخر، أو أنهم مصابون بالعمى). ويشكل – أي وجود السياقين وصراعهما- استراتيجيات للحركة والاستعداد، منها الانتشار والتجنيد والتجييش حتى في الريف والقرى التي كانت يوما ما نظيفة من وجودهم، ومنها الاستقواء بالخارج، ومنها أخيرا تخزين السلاح، ففي استعداد السلطة تتحوّل سراديب مسجد الصالح إلى مخزن للأسلحة لصالح النظام، وأنصار الله على الطرف المقابل يحشدون عناصرهم من الأرياف، ويخزنون السلاح في دار الشريفة والمدارس بوصفها مرتكزات لدعاة السلالية والاستلاب.

        في ظل هذا الوجود الثنائي الحدي يصبح وجود اليسار وجودا هامشيا، يؤيد ذلك أن كل الشخصيات التي ظهرت مؤمنة بهذه المبادئ من خلال حركتها قسرا أو طواعية في تحبيكها السردي انتهت نهاية تكشف عن المرض، فإيمان شنوّق- من خلال إرثه الثقافي والعائلي عن والده- بهذه المبادئ لم يؤد به إلى حياة أفضل، بل ظل على العكس في إطار الاستهداف من جانبي الانتماء المذهبي والانتماء السياسي السائد من خلال السلطة المستبدة التي ترى في كل رأي مغاير زعزعة لرسوخها. وكذلك (غزال) التي لا تدخل ذلك الإطار إلا من خلال اختيارها لحريتها في مقابل أنساق اجتماعية قامعة، لم تكن بعيدة عن تلك النهاية المؤلمة بالمرض، ففي صراعها الطويل مع الحياة تتبدى جزئيات لافتة في حياتها، مثل اعتداء الأخ جنسيا عليها، وزواجها من عسكري يتغافل عن طريقة حصولها على المال، وانضمامها بعد موته إلى جماعة الشيخة، وارتباطها بجمعية نسوية تهرب منها بعد نشر اسمها في تقاريرها، فتفقد اسمها الحقيقي وتتحول إلى (غزال).

        ويمكن أن نضع في ذلك الإطار شخصية البندرية من خلال الانتصار لخياراتها وحقها المشروع، فنهايتها مهاجرة هاربة من الضغط والأنساق البالية تعاني المرض والوحدة، بالإضافة إلى شخصيات تمت تصفيتها، مثل (قانح) شقيق زوجة شنوّق الذي قتل في حربه ضد الحوثيين، ووالد شنوّق الذي قتله رجال السلطة. فكل الشخصيات داخل هذا الإطار نهايتها محزنة مأساوية، فتتكشف لنا فشل فكرة استمرار اليسار، بسبب سياقات وأنساق عديدة، منها ما هو ديني، ومنها ما هو سياسي يتعلق بالسلطة، ومنها ما هو قبلي يتعلق ببنية قامعة مزدانة بالأعراف والتقاليد. فكل ذلك يؤثر بالضرورة في تشكيل شخصيات ذلك الإطار الأيديولوجي، ويجعل إيمانها بهذه المبادئ- فضلا عن محاولة تحقيقها- إيمانا منقوصا أو متناقضا، فكل إيمان بهذه الأفكار يحمل في تكوينه مسوغات نقضه وتدميره، تقول الرواية على لسان البندرية في حجاجها مع شنوّق مشيرة إلى هذا البون الشاسع بين المتخيل النموذجي للاشتراكية وتجليها الفعلي داخل الشخصيات التي لا تستطيع التخلص من تكوينها القبلي (لكنك كنت مكبّلا بعادات ابن الريف والقبيلة، تنجح في إظهار نقيض ما تخفيه، ولو أنك اتقنت تصنع التلقائية، خاصة حين تردد مبادئ الاشتراكية).

        تتأسس مشروعية الفكرة الخاصة بأزمة اليسار انطلاقا من رصد أو مقاربة الواقع أو جزئياته الكاشفة عن هيمنة التوجه المذهبي، وحلوله بالقوة محل السلطة والمؤسسات الكاشفة عن اهتمام خاص بالحرية والعدل، ففي تجوال شنوّق نحو قريته أثناء الحرب يرصد مظاهر التغيير التي تثبت هذه الهيمنة من خلال تغيير واجهات مقار مؤسسة برنار السويدية، فقد أصبحت مغطاة بصور صبيان زينوا بالورد كالشهداء، وكذلك واجهات مؤسسة (أكسفام)، فقد تحولت إلى صفيح متآكل غطت جدرانه شعارات تدعو لفضائل الموت جنبا إلى جنب مع صور فتيان بشرائط خضراء. فالمذهبي الديني لحظة التمكن لا يبقي على شيء يخالف أفكاره، ولا يعرف إلا الهدم، وهيمنة الصوت الأحادي إلى درجاته القصوى.

        لا تقف الرواية عند صورة اليسار القديم الطامح في أسسه إلى العدل والحرية، ولكنها تضعنا مع يسار اللحظة الآنية المرتبطة بالشباب الذي لديه القدرة على طرح أسئلة تؤسس للحرية بعيدا عن النصائح، وفرض القناعات والمسلمات، وذلك من خلال شخصية أروى وأصدقائها في طرحهم لأسئلة يتمّ طمسها بالعادة والتعوّد والانسياق وراء الغيبيات الجاهزة التي يروج لها ممثلوها ودعاتها من أهل الدين، مثل الحقيقة والمطلق انطلاقا من العقل، ولكن الرواية تلمح إلى سطوة النسق القديم في تقويض اليسار، وذلك من خلال هجوم الإسلاميين وقتلهم أروى وبعض أصدقائها، ليظل اليسار في أزمته الممتدة في عدم قدرته على الاستمرار أو الفعل.

البناء السردي وتقنيات المراجعة

        البناء السردي في رواية (بر الدناكل) ليس سردا أحاديا تصاعديا، ولكنه سرد متقطع بين حركة للأمام وإن كانت بطيئة، وحركة للخلف من خلال آليات محددة، مثل الحكي بين الشخصيات والاسترجاع، وتقنية رسائل الماسينجر التي تكشف من خلاله عن ماض بعيد بوعي آني. وهذا النمط السردي يغيّب المركزية السردية، ويفتح الرواية على بعد حجاجي بين الشخصيات وبين كل شخصية وذاتها أو وعيها القديم لحظة المعايشة والمرور بالتجربة، ويجعل وجهات النظر المتباينة تتجلى بتعدد الشخصيات، وتعدد الأيديولوجيات.

        وثمة تقنية بنائية كان لها كبير الأثر في تجذير الرواية في نسق المراجعة والحجاج للخيارات والسلوك والانتماء، ليتجلى شكليا من خلال العورات والثقوب التي تظهر. جاء الترتيب الذي يبدأ من الفصل(54) إلى الفصل الأخير (1) معكوسا وغريبا، ويمكن أن يكون الرقم الأول مرتبطا بعمر شنوّق، فيصبح مقصودا ومبررا فنيا، فالرواية إعادة مراجعة ومقاربة، فالتذكر هنا حاضر بوصفه فعلا من أفعال القراءة والتقييم لكل الخيارات السابقة، فالتذكر لا يقدم وعيا مباشرا، وإنما يقدم وعيا فوق وعي سابق، فتتجلى قيمة المراجعة داخليا، سواء بالمحاورة مع الذات أو بالمحاورة مع الآخر، فهنا خطاب يعيد مساءلة الحوادث التي مرت بها الشخصيات في خياراتها السابقة، فهذا ليس وعي المرور بالتجربة، لكنه وعي التفاوت الزمني بين مقاربته ومعايشته حدثا، والتعبير عنه في نسق تأملي ينطلق من إدراك مختلف.

        بهذا الوعي المغاير يتولّد التفتيت، وينتفي الاستقرار، ويتحول السرد من بنية أحادية ذات مركز إلى بنية متشظية تتباين منعطفاتها ووجهات النظر التي تشكلها. فخطاب البندرية واختلافها الحاد والحاسم مع شنوّق هو في الأساس خطاب مراجعة للسلوك وللقيم التي كان يؤمن بها، ويتحرك في توجهه وفق أسسها، ففي خطابها عن نفسها في رسالة موجهة إليه تقول (تنغمس في الوقت ذاته مع كائن مضطرب في علاقة عاطفية، كائن لا يعرف ما يريد، ولا يملك من النضج رغم ادعائه ذلك، وظلّ متذبذبا بين تلقائية الريفي، وتصنع ابن مدينة بدائية).

        وإذا كانت الآلية الكبرى والأساسية في السرد تعتمد على الراوي العليم الذي يمثل معادل وحدة وسيطرة وسيادة، فإن هذه الوحدة السردية تعرضت للتفتيت من خلال الآليات التي تمارس دورها في تفتيت تلك الوحدة لتضعنا وجها لوجه أمام بنية متشظية للعوالم الداخلية للشخصيات، فكأن هذا الاستقرار أو الاستواء شكلي، فالاستقرار لا يكشف إلا عن حركة دائمة، يعمل خطاب كل شخصية فيها ضد خطاب الشخصية الأخرى.

        فبناء الرواية في جزء كبير منها يعتمد تقنية الرسائل الخاصة بالماسينجر الذي يقوّض هذه الوحدة، ويهشم واحدية وجهة النظر، فمقاربة الحوادث متباينة بين شخصيتي شنوّق والبندرية. فأهمية السرد القائم على رسائل الماسينجر تتمثل في بتر خطية السرد، ويحيل حركة السردي إلى ثبات تأملي يعيد مراجعة ومقاربة الخيارات الماضية وأثرها. فالماضي في فعل التذكر- فضلا عن منطق الكشف وإتمام العناصر الغائبة- يوضع في إطار جدلي، نتيجة لتغيير المركز، وفي إطار لحظي لا يستقيم له نمو أو اكتمال نهائي في نسق فردي معهود، فكل نمو أو تبرير او تفسير لحدث أو لخيار من كل شخصية يقابله تعطيل وتقليم وتهشيم، ليظهر نمو جديد، لا يحمل مركزية أو ثباتا أو تشكلا واستمرارا كاملين، لأنه في معرض دائم للمعوّل الذي تحمله الشخصية المقابلة بوجهة نظرها.

        ففي إطار هذا المنطق الحجاجي لفن الرسائل تتأسس مشروعية للفكرة ونقيضها، حيث يتحوّل إيمانه بالمبادئ الاشتراكية- من وجهة نظر البندرية- إلى إيمان زائف، يتمّ تشكيله وبناؤه على تناقض، فتتضح صورة مغايرة يبدو التصنع جليا بها. وفي إطار هذا التبرير يكون لدينا شخصية واحدة منفتحة على شخصيات عديدة، نستطيع من خلالها بفعل المراجعة أن نقيس مساحات التغيير، وتصبح كل شخصية من الشخصيات النسوية في الرواية دالة على فترة أو على تجل من تجليات السياقات الحضارية في ارتباطها بعملية التحديث والتفكير، فالبندرية دالة على فترة متسقة إلى حد ما، وتصبح غزال والبندرية في مرضها وهروبها نموذجين كاشفين عن حال تتغير وتتبدل، لتأخذ الشخصيتان رمزا دلاليا كاشفا عن حجم التغييرات إذا قمنا بتوسيع دائرة التلقي من إطار جزئي إلى إطار كلي، يشي بذلك دال الرقص الحاضر في كل علاقة. فكأن هذا الجزء نابع من الآخر السابق، وكأن التلاحم مع غزال محاولة استعادة لعالم سابق ينعم فيه بشيء من الطمأنينة، قد تولّد فيه ميلا لاستعادة الحركة والفعل.

        في نص رواية (برّ الدناكل) يجد القارئ نفسه أمام صور لثلاث نساء، تمثل كل واحدة منهن حالة مغايرة لإطار أكبر في كل مرحلة زمنية، فالبندرية تأتي مصورة صورة لانعكاسات اليسار في مرحلة زمنية تمتد إلى حرب 1994م، حيث تعرفت في رحلتها إلى صنعاء إلى عسكري أمن جعلها عينا تقدم التقارير عن المدرسين والدارسين في المعهد الأمريكي لتعليم اللغة الانجليزية، ثم عن الزملاء والأساتذة في كلية الطب بعد أن التحقت بها بفضل الأمن، ثم عن المنظمة الأجنبية لرعاية الطفولة والأمومة، وعلى السائق شنوّق نفسه، ليتأكد أن جزءا مما لحق به كان بسببها، بينما تأتي (غزال) في ظلّ وجود شخصية ثابتة مندمجة معها، وتؤسس من خلال هذا الاندماج صورة كاشفة عن اليسار وفاعليته، ينضوي في إطارها الجميع، ممثلة للحظة آنية، فكأن الرواية من خلال تقنيات المراجعة تضع هذه المرحلة داخل حيز الصمت والانزواء، وعدم القدرة على الفعل، والاستمرار في ظلمة مطبقة، كشف عنها التحبيك السردي لشخصية شنوّق في بداية الرواية.

        تأتي أروى من خلال الرسائل التي تمّ تبادلها بينها وبين شنوّق، كاشفة عن عمق التباين بين جيل قديم، يرتبط بالانزواء والتخفي وجيل يؤسس وجوده من خلال الظهور اللافت جهير الصوت في تأسيس الوجود، فهي وأصدقاؤها ممثلون لحالة من حالات التجلي الفطري للمبادئ الاشتراكية قبل الفعل والانفعال داخل حلبة النزال، بحيث نراهم مشدودين لجهارة الصوت والفعل والتعبير وقيمة الطرح الفكري المتفلت من أية ارتكاسات تراثية مؤسسة من خلال العرف أو الدين، ومن ثم نراهم لا يقبلون النصائح، ولا التبريرات الجاهزة المرتبطة بمحاولة إدخالهم داخل سياق جاهز، فأروى وأصدقاؤها يمثلون قلق المستقبل، ويطرحون سؤال المشروعية والجدوى في ظل هذا الهيمنة من القبلي والمذهبي.

        على الطرف المقابل في ظل جدل الرسائل المتبادلة الذي عاين، وما زال يعاين اللحظات أو التجليات الثلاث كاشفا عن صور دالة لأفكار تتعرض للمساءلة والمراجعة، بسبب تقنية الرسائل، وتقنية التذكر والاسترجاع، وفق لحظات زمنية متباينة. فالقارئ لهذا النص يدرك أنه أمام واحد ومتعدد في آن. يطل أثر هذا الواحد في تجليات ثلاث، ويتغير شكله مع كل حالة، وتتولّد تبعا لذلك مساحة من الترميز تتجلى مع كل حالة.

        يؤيد مشروعية ذلك الفهم جزئيات خافتة في النص الروائي، فشنوّق يستحضر المغايرة بين حاله المستكين والمنزوي والهارب من المواجهة الآنية وحالة أروى وأصدقائها في سلوكهم العلني في التعبير عن نزوعهم الفكري في مقاربة الوجود بعيدا عن التأسيس الموجود قائلا في رسالة إليها (اسمعيني حين عرفتك وأنت تدخلين وتدخلين بذلك الهدوء، وبعض الانكسار لم أتوقع أن تكوني تحملين أفكارا آمنت بها ذات يوم، تلك الأفكار التي عادت عليّ بالشقاء والتشرد). وفي النص ثمة مغايرة بين توجه تم بناؤه على التجريب والنزال وموقف مثالي لم يغامر بالتجريب حتى تلك اللحظة.

        وقد تكشف بعض الجمل الواردة في نص الرواية بشكل خافت عن الإشارة إلى ترميز النساء بالمدن والبلدان كاشفة عن مشروعية ذلك المنحى في التناول، فتقول على لسان البندرية في رسالتها إلى شنوّق (عدن لا يتعرّف عليها العابرون كما هم من تناسخوا منها، ولذلك كن حنونا عليها، فهي أنا)، أو في قول الرواية على لسان شنوّق نفسه ( أحاول إحصاء فقدي، فأرى وجودي برفقته فقدا متواليا.. قبل أن أكتب هذا قرأت آخر رسالة لفتاة قبل موتها، وفي زيارتي الأخيرة للعيدروس وجدت قبر فتاة (أروى)  فاغرا، وكأن صنعاء وعدن كفتا ميزان يحملهما عزرائيل  مشوه).

        في رواية الغربي عمران هناك اشتغال من خلال آليات بنائية محددة، لتؤسس قيمة المراجعة لخيارات الماضي، ومعاينة تشكلات حجم التباين لتجليات اليسار من فترة إلى أخرى، وبدون استحضار قيمة المراجعة المستندة إلى تقنيات بنائية تتفلت من الرؤية المؤسسة المتسقة مثل البناء القائم على التذكر وارتداده إلى الماضي، وما يشيعه في النص من وجود رؤية جدلية بوجود وعيين، وعي آني يقرأ الوعي السابق، وتقنية الرسائل في سياقها الجدلي التأملي، ما ظهر للقارئ ذلك التفسخ وتلك الثقوب المرتبطة بشخصيات في إطار يساري قديم وآني، مثل كون البندرية عينا على زملاء، وعلى البطل الأساسي في نص الرواية، أو كون البطل مشدودا لنسق ريفي لا يجاوزه إلى وعي حاد بالقيم والمبادئ الاشتراكية.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading