مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

البناء الدائري وسيرة الإنسان في صورة مع غرباء من العائلة للشاعرة المغربية فدوى الزياني /عادل ضرغام

في ديوان (صورة مع غرباء من العائلة) للشاعرة فدوى الزياني يجد القارئ نفسه في مواجهة نصوص تبدأ من الفقد والوجود المأساوي القلق، وجود يفتقد إلى الهدوء والانسجام. وإذا فقدت الذات انسجامها أو تكيّفها مع واقعها تعيد غالبا تأمل ماضيها في تواز لافت مع البدايات الوجودية، وكأن كل سقوط أو تشظ، يعيدنا شئنا أم أبينا إلى سقوطنا القديم، وفقدان انسجامنا الجمعي الوجودي الأبدي، فالتاريخ الجمعي يترك أثره على الأفراد ويظل حاضرا وفاعلا وإن كان غير مدرك إدراكا تاما وبعيدا تفصله عنّا سنوات وقرون.

464483324 1352501912680120 2004791561719071474 n 263x300 1

تؤسس النصوص منطقا فاعلا للجسد، فالجسد وجود منفرد، وليس أداة للعقل أو القلب، بل كيان له منطقه في رصد الأشياء والارتباط بها، وله خياراته دون سطوة من العقل أو القلب. تؤسس النصوص حرية للجسد ولإدراكه ووعيه، وتشيّد مساحة لانعتاقه. وحركته في ظلّ ذلك حركة منفصلة، بحيث يصبح وسيلة إدراك لمجمل الأحاسيس والمشاعر. الجسد في النصوص حضور كامل الأهلية، يتخلّص من تبعيته، فالنصوص تشتغل على الجسد المنسي المهمش في تراثنا الشعري، وتحاول تفكيك مساحات استلابه تحت تأثير حضور الأعراف القمعية التي تهمش وجوده وحضوره.

تعطي النصوص للجسد حرية الحركة، وحرية الموقف، وحرية الوعي. وفي ظل هذا المنحى لاستعادة حضور الجسد، تصبح له ذاكرة، تعيد من خلالها تأسيس الوجود والذات بداخله. تعود النصوص في الجزء الأول إلى الحياة البدائية الأولى قبل تأسيس اللغة، فلكل عنصر لغته، ولكل جسد لغته يتواصل بها مع جسد الآخر المجاور له، أو مع مكونات الوجود المحيطة من سماء وقمر وشمس وأشجار.

في نصوص القسم الأخير تتوجّه النصوص نحو مقاربة الحياة والذات من موقعية التشظّي والاغتراب، وهذه الموقعية تؤسس مغايرة واختلافا وغربة. والمغايرة في الوعي بالعالم ومعاينة جزئياته لا تأتي- في منطق النصوص- بعد الاصطدام بالواقع بعد معاناة كبرى، وإنما لها جذور في بداية الوعي. فتأسيس هذه المغايرة يبدو واضحا في انخطافات العزلة، وفي آلية مقاربة العالم والإصغاء إليه في تناقضاته، والانفتاح على المعرفة التي تؤسس وعيا يتدابر مع الأنساق والأعراف الجاهزة ويتنافى معها، وذلك من خلال وجود الظلال المتخيلة العديدة للذات.

تكشف القصائد عن ذات تؤسس عالمها في كهفها الخاص، يتجلى فيه الحنين وفعل الاستعادة الذي يسدل نوعا من العزلة، حيث تحاول الذات إبطال مفعولها وتخطي لهاث حضورها، والانعتاق من سيلها بسدّ الثقوب التي تؤدي إليها، وتعيدها إلى حال المرور بالتجربة أو الحدث، وما يتفرّع عن هطولها بالخلق المتوالي والتشكيل الدائم المستعاد. وفي محاولة وصولها إلى ذلك تمارس طقوسا عديدة فاعلة في تشتيت الذهن عن انتباهته الأولى، مثل المشي حيث يبطل مفعول الذكرى، ويشتت حضورها، فاستعادة الحدث أو إعادة بنائه- في منطق النص- موت جديد.

توجّه نصوص الديوان نحو حالة مؤسسة بالتكرار، نحو مناح متماوجة متداخلة للتعبير عن السقوط من الانسجام، وهي مناح ليست واحدة أو ساكنة ثابتة، بل تكشف دائما عن حركة وتكرار. فالسقوط- وإن كان يعيدنا إليه- ليس السقوط الأول المرتبط بقسيمي الأرض والسماء، وإنما يرتبط بكل فقد أو خروج من حالة إلى أخرى، من انسجام جزئي إلى تشظ تام، يعيدنا إلى أسئلتنا الوجودية الأولى. يكشف عن ذلك التقسيم الثلاثي (شجرة يا رب) و(ثم جاء الإنسان)، وأخيرا (صورة مع غرباء من العائلة)، فهناك تكرار دائري، ومن ثم يمكن البداية من أي جزء من الأجزاء.

البناء الدائري للنصوص

في الجزء الأول من الديوان (شجرة يا رب) تطلّ النصوص بوجه كاشف عن كون الشجرة ملاذا للمتعبين، خروجا من الحياة التي يكابدونها، وكأن الشجرة تمثل الطبيعة العطوف التي يتوجهون إليها للاكتمال والانسجام. الشجرة في تحديد (يونج) حلقة الوصل بين السماء والأرض، وبين الوعي واللاوعي، فهي رمز للمصالحة والوحدة. وعلى هذا يأتي الجزء الأول في الديوان ليس بوصفه بداية، وإنما بوصفه اختيارا للدخول من نهاية المكابدات والمآسي التي تواجهها الذات.

التمني الذي يطلّ في العنوان (شجرة يارب)، ليس إلا رغبة في الاكتمال، والخروج من حال التشظّي والاغتراب في الجزء الأخير بعد الصراع مع الإنسان في الجزء الثاني. فالتمنّي يمثل محاولة نحو استعادة التوازن الداخلي وفهم التناقضات داخل الذات. فالشجرة في المخيلة البشرية تمثل بوّابات بين العوالم، ومساحة الاتصال بما هو غامض، فتصبح مساحة لاقتراب البشر، رغبة في الحماية والاستقرار دون حزن دائم من تكرار الألم.

في نص (شجرة يا رب) يتبدّى للقارئ الوجود الدائري للإنسان، فالجزء الأول لا يأتي بوصفه بداية سعي، بل نتيجة ونهاية السعي. فالنص يضعنا وجها لوجه مع الحال المتبقية بعد الهجر والفقد، هي حال توجّه نحو فقدان الانسجام، يقول النص (شجرة يا رب/ يارب اجعلني شجرة/ لا أريد أن أكونها مرّة أخرى/ المرأة التي هُجرت/ لكنني هكذا ولدت/ لربما كان خطأ في الصنع/ أو ربما ببساطةِ/ بدل أن يكون إصبعا سادسا أُضحك به الأطفال/ أو شفة مشقوقة تجلب العطف).

يدخلنا الاقتباس السابق بشكل مباشر نحو زحزحة موقعية الثبات والانسجام، وبداية الفقدان، لأن ذلك يمثل طريقا للعودة. فالشجرة مساحة اتصال نؤسس بها ارتباطنا بالعلوي مع كل سقوط، وكل فقدان في منطق النص سقوط. ويعيدنا النص من خلال إشارات سيرية نحو تكرار السقوط، فالفقد والهجر يتجليان في النص، وكأنهما قدر دائم الحدوث والتكرار، مما يشكل لدى الذات وجودا أو شعورا مستمرّا بالنقصان أو الاختلاف عن الآخرين. فالفقد دائم التكرار يولّد لدى الذات شعورا بكونه قدرا، وبكونها منذورة لهذا الفقد والتشظّي.

الفقد في النص حين يطلّ قدرا يتشابه مع الوجود داخل العالم بإصبع سادسة زائدة، أو بالمغايرة الأخرى في الشفة المشقوقة. هذه المشابهة تجعل شعور الفقد أزليا، ومن ثمّ تأتي الأمنية بالتحوّل إلى شجرة، فالتحوّل محاولة للوصول إلى الهدوء أو الاكتفاء بالوجود المنعزل لتصنع الذات انسجامها داخليا، دون أدنى مسامحة للانفتاح نحو التورط ببداية جديدة، تؤدي في النهاية إلى النتيجة ذاتها، يقول النص في الجزء الأخير (شجرة يا رب/ قبل أن يغيّر الحب جلده/ ويعود من طريق مختلف).

وإذا كانت الذات بعد الفقد المتكرر تحاول تأسيس وجود مكتف بانعزاله، وفيه تصنع انسجامها دون تورّط جديد، فهي توجهنا في نص تال، نحو الخطوات التي تتبعها الذات لتخطّي الألم والفقد. في نص (ست خطوات لتتخطّى) يتخلّى النص عن موقعية الذات المتكلمة، ليجذّر بنيته داخل نسق المراقبة، تتضمن المعاينة الخارجية، فتتأمل المقولات المعروفة لتخطّي حالة الفقد، وذلك من خلال سرد المقولات المستقرّة والمستخدمة للوصول إلى حال هادئة وساكنة.

تعاين الذات هذه المقولات وتسردها، وهي تدرك أنها ليست سوى أكاذيب مضللة للتعافي، مثل (أنا بخير) او (لا عليك ستتخطّى الأمر)، أو (لا بأس أنا بخير). وهي كلها كلمات أو أساليب تدخلنا في مواجهة حادة مع اللغة، فيشعر القارئ بتطابق الدلالات المتناقضة مثل (نجاة) و(خسارة) من جانب، أو بين (غيمة) و(عاصفة) من جانب آخر. وهذ التناقضات تدخلنا نحو إشكالية اللغة وخياناتها، وإشكالية الفقد والتشظّي. فصفات القاتل لم تكن معهودة أو جاهزة متوقعة. فالقاتل/ الحب لا يأتي كما هو متوقع لقاتل، بل يأتي ودوداً ناعما، لتصبح هذه النعومة رأس سكين أو رصاصة.

النص هنا يعيد تسكين دلالات جديدة للكلمات، وثيقة الصلة بالذات وتجربتها ووعيها المتأسس على التكرار ونتائجه، لأن كل المحاولات الخاصة بالتخطّي لم تفلح في إحداث التغيير المنشود، بل ظلّ الموت/ الفقد حاضرا وفاعلا، وظلّت الكلمات الأخرى مجرد كلمات ناتئة شبيهة بالصراخ. يتجاوب مع محاولات التخطّي السابقة التي لم تفلح في إزالة الموت أو الفقد محاولات أخرى أشبه بالطقس اليومي، يمكن أن نطلق عليها طقوس الانعتاق من الذاكرة.

لا يتجلّى الفقد في نصوص الديوان إلا بوصفه حنينا لانسجام أو اكتمال، وتتوسّل بالطقوس التي تحاول الذات بالاشتغال عليها التملص من حضور الذاكرة وإعادة تشكيلها مرّة بعد مرّة. تأتي الطقوس ماثلة من خلال قول النص (لا بأس بالمشي ساعات طويلة). طقوس المشي تموّه على الذكرى، وإذا جاءت على الذهن، فإن المشي يجعلها جزئيات لا سبيل لاكتمالها، لأن المشي يعمل على تفتيتها دون تشييد أو تشكيل كامل، ودون أدنى مساحة لتعالقها الحيوي مع ذكرى سابقة أو لاحقة.

تأتي الذكرى- أو على الأقل- تتشكّل مفتتة دون اكتمال، ودون تجلّ نهائي للحكاية، يستطيع القارئ أن يرصد الظل والريح الخريفية والعطر، ولكنها نتوءات منفردة أو حفر تنبّه إلى الماضي وتشير إليه، لكنها لا تفلح- نظرا لتفعيل طقس المشي- في صناعة أو تشييد وجود كامل الأجزاء، يقول النص في نهايته (لا بأس بالمشي ساعات طويلة/ تمشين خفيفة، تمشين وحيدة/ كحالم يريد أن يطير/ لكن حفرا غامضة تجهلين وجودها/ ككل مرة/ تخرج إليك من العدم).

نصوص الجزء الأول من الديوان تتحرّك من فضاء وموقعية الفقد، لتدخل بالقارئ إلى أفق مملوء بالهشاشة، يحاول أن يتعاظم على ذاته وتشظيه، من خلال صناعة اكتمال داخلي خاص، تقطع فيه الذات أواصر اتصالها بالعالم الواقعي الملموس وشخوصه، لتؤسس اتصالها بعالم فوقي أعلى، أو على الأقل تؤسسه في تلك المسافة البينية بين السماء والأرض. يتجلّى ذلك واضحا في نص (محاولة لإقناع العزلة) فمن فعل التكرار والتحولات العديدة التي تصيب الذات، بالإضافة إلى الألم المتبقّي مع كل تحوّل من هذه التحولات، يبدو الانسحاب خيارا أساسيا وبديلا عن فكرة الصراع في ظل وجود يؤسس انسجامه بالذوبان والاحتفاء بالأشجار.

الارتباط أو التوجّه نحو الشجرة لصناعة عالم لا تشدّه أو تحرّكه الرغبات بسدّ الثقوب نحو أفق العودة، يتحقق في أقصى درجاته بصناعة وابتكار العزلة التي تقصّ وتهشّم كل محاولات الاقتراب التي يقوم بها الآخرون، يقول النص (أحاول إقناع عزلتي، بأنني تحوّلت إلى حيوان متوحّش في لحظة ابتعادي عن القطيع، أمارس الحياة كلعبة ذهنية، وأحاول ترك أثري على سيقان الأشجار، كإشارة أخيرة على اكتمال النمو).

ومع استقرار حال العزلة، والدخول في أواصر ارتباط توحّد جديد يكفل الانسجام، نجد أن هناك عودة لحال الاكتمال الأولى، حيث تغيب اللغة التواصلية المحدودة بالنطق، ويصبح التواصل خارجا عن الأطر أو الحدود المعهودة، فنلمح انفتاح الذات على جزئيات الوجود، مع عقد حالة من حالات التواصل البدائية الأولى. يتجلّى ذلك عند التأمل في نص (العودة إلى البدائية). يبدو من السطر الأول (لنفترض أننا جالسان معا/ على شجرة) وكأنه الإشارة الموجّهة لحركة المعنى ولمعاينة النص داخل وجود زمني بدائي قديم في غياب اللغة.

مع هذا النص يلمح القارئ أسس الاتصال البدائية القديمة، بوصفها وسائل اتصال بديل في غياب اللغة، فالنص يجمع سياقات وكائنات قادرة على اختراع وسائل اتصالها بالجسد ومكوناته، فهناك النهر والشمس والعصفور والقمر، تتواصل فيما بينها بالإشارة في غياب اللغة، للوصول إلى تكوين جديد، تكتسب فيه الذات ورفيقها وجودا جديدا يطلان من خلاله، ويتحملان- من خلال الأنسجة الجديدة التي تتكوّن بالتدريج- مساحات شاسعة من الألم في مقاربة الحياة.

تجرّنا النصوص في الجزء الأول نحو معاينة صورة للذات، وصلت إليها، بعد مكابدات طويلة مع الألم، صانعة عزلتها وانسجامها داخليا. والوصول إلى هذا الطور الجديد الذي يفتقد الرغبة في التعلق بالأشياء والرغبة في انتظار القادم، يوجهنا إلى موقعية جديدة للذات، وإلى موقعية جديدة للآخر الذي كان سببا رئيسا في خلق الألم. في نص (لا أندم على شيء) يتمّ تحريف قصة (مارسيل ساردين) الملاكم المعروف والمطربة (إديث بياف)، فنجد أن هناك مغايرة في مساحات التشابه، وإحلال كل قسيم محل الآخر، فتؤسس الذات وجودها المعتصم بالانعزال بالرغم من الحنين.

سيرة الإنسان وغربة الفرد

يشتغل النص الشعري على بناء سيرة ذاتية للإنسان في الخروج من العزلة والاندماج، من بداية نقصانه، ومن ثم تبدأ الذات/ الإنسان في الشعور بالعري والخوف والجوع وكلّ العواطف الإنسانية. في نص (الشرّ المطلق) هناك وقوف على تشييد وبناء سيرة للإنسان في سقوطه ونقصانه، وتغلّبه على جزئيات الطبيعة ومخلوقاتها. لكن هذه السيرة الإنسانية بداية من الشعور بالحاجة إلى الرفيق، والشعور بدفق الشهوة، ومرورا بالصراع، وانتهاء بالتحكم في مساحات التشابه وخلق الحيوات العديدة خروجا من الملل، لا تقضي على الانسجام السابق القديم قبل السقوط قضاء تاما.

إن الإنسان يعاين عالمه الجديد بناء على ذاكرته، خاصة في ظل وجود نوع من المشابهة تصل به إلى مرحلة الاكتمال الجزئي، وكأنه حين يلتحم برفيق يصل إلى ذلك الانسجام، ويستشعر بعضا من صفاته. في نص (أحزان صغيرة على الموت) ليس هناك تقديم لمساحة ارتباط بمن يحبّ بوصفها داخل إطار الحياة بعد السقوط، بل يجعلها حنينا ومحاولة استعادة للحال الأولى البعيدة التي خلفّها سابقا.

وأعتقد أن بداية النص من الميلاد (لا أحد يعنيه عيد مولدك)، والإشارة إلى التفاحة المقضومة من شجرة المعرفة (ولا أظن أن أحدهم سينحني/ ليلتقط تفّاحة عمرك المقضومة والمرمية على الأرض) يوجّهان النص بالرغم من الانفتاح على كل تفاصيلها إلى أن هناك أشياء تظلّ متوهجة وحاضرة كاشفة عن الوجود القديم بالرغم من مرور الزمن. والحب- في منطق النص- هو السبيل الوحيدة لاستعادة تلك الحياة وذلك الانسجام. يتجلّى ذلك واضحا في تعداد الأشياء التي غابت بالسقوط، حين يحدّثه عن (الغابة التي أصبحت بحرا/ حين احتضرت الأشجار)، وكلاهما- أي الغابة والأشجار- يشكل عالما من عوالم الانسجام القديم.

مع النزول إلى الحياة الذي يتوازى مع الفقد، يصبح الشعور بثقل الأشياء واضحا، وتزول بالتدريج القشرة الرهيفة التي يصنعها الحب على الجرح أو السؤال الوجودي. تتحوّل الذات في ظلّ وعيها العاري بجسدها وآلامها إلى ذاتين، ذات تتأمل وذات موضوعة في مرمى البصر في بؤرة التأمل، وليس هناك أصدق من الذات حين ترصد انشطارها، وتحوّلها من كائن مكتمل إلى كائن واع بسياقاته ونقصانه.

يتجلّى ذلك في نص (عادت الوحدة إلى الله) حيث تبدأ ملامح خفوت الاكتمال والانسجام بظهور ملامح خشنة لهذا البشري، ملامح تقشط وهم المتخيّل، يقول النص (تحوّل وجهه إلى شبح/ والبشري الذي أحببته لم يعد كذلك/ كذبت دائما بشان رفقته/ لم أعد أحبّ رفقته/ لم أعد أحب غرفته الباردة/ سئمت تقييده لنفسه بالسرير لساعات/ شاخصا إلى السقف). يعاين النص هنا الحال المنحدرة التي وصلت إليها الذات. وفي تصوير تلك الحال لا نجدها مشكّلة بشكل قاطع، وإنما بشكل تدريجي، ينمّ عن الشعور في المرحلة الأولى بدبيب الاختلاف.

تأتي المرحلة الثانية من خلال الشك في وجود تحوّل ما، إلى أن تصل إلى اليقين من خلال علامات دالة، كلها كاشفة عن وعي بثقل الحياة والوجود وصراعاته وتناقضاته، وانزواء الذات داخل عجلة آليته، لأنه يتجلّى بوصفه وجودا مجروحا، فقد قدرته على مدّ تواصله بصورته القديمة المزدانة بالوحدة مع متخيله. وهذا قد يوجهنا مع فهم خاص للعنوان، يطل معه النسيان، وتبدو حدود كل قسيم (المتخيل والواقعي) حادة وقاطعة، تكفل لكل قسيم منهما وجوده المستقل.

إن تأمل الصور المتجاوبة لتشكيل وجود منفصل بداية من (سئمت تقييده لنفسه بالسرير لساعات/ شاخصا إلى السقف دون جدوى)، ومرورا بقوله (سئمت طبول الفزع طوال الليل/ تفرع في صدره)، وانتهاء بقوله (دورانه لاهثا خلف فكرة الانتحار/ مثل كلب يلاحق ذيله) يكشف عن أن السأم وصول حاد ويقين لتكوين جديد، يشي بالانفصال التام، ومن هنا تبدو الذات مثبّتة داخل إطار حياتي خاص، يقصّ قدرتها في الاقتراب من المتخيل الذي يبدو بعيد المنال، لأنها لم تعد قادرة على صنعه أو استحضاره.

وسوف يجرّنا هذا المنحى الانفصالي بين المتخيل والواقعي، بالإضافة إلى غياب القدرة على صناعة المتخيل أن نعاين في نصوص تلك المرحلة ذلك الصراع الأبدي مع الحياة، حيث تبدو الذات في كينونتها الوجودية في حالة انهزام دائم، من خلال صور عديدة مثل (جرّ الحبل مع الريح)، و(نزع الأشجار)، و(حصد الهواء) في نص (وجبة مع سوء الحظ)، وهي صور بالغة الدلالة على الصراع أولا، ثمّ على التجذّر داخل هذا الأفق الحياتي المنفتح على صهد الواقع وصلادته وجهامته.

ويتكرر الأمر ذاته في نصوص أخرى مثل (غرق الدمعة في الجدار)، و(نساء من توت). ولكن استمرار وتيرة الصراع بين الذات والعالم يفقدها القدرة على المجابهة، مما يدفعها إلى التسليم بالهزيمة، ومعاينة وجودها داخل حالة من القصور الذاتي في مقاربة الحياة والارتباط بها، فيحدث نوع من الانفصال الجديد، ويتحوّل وجودها إلى وجود خاص خارج سلطة التعلّق بالحياة وجزئياتها.

وربما يجدي الوقوف عند الصورة الأخيرة الواردة في النص، لأنها تكشف انفصالا فوق انفصال سابق، فحين يقول النص الشعري في نص (نساء من توت) للإشارة إلى تفكيك الرغبة في الارتباط بالحياة والانعتاق من سلطة الانتظار في إسدال مشابهة بين الذات والحافلة (داخل شاحنة ستنزقت رغبتها في الطريق/ واختارت في احتجاجها الأخير/ أن تنام على ظهرها/ رافعة عجلاتها إلى السماء)، نشعر أن هناك رفضا للحركة، وفي الوقت ذاته ليس هناك قدرة أو براح للانفصال طواعية عن العالم او الانعتاق من الوجود داخله.

وتتجاوب مع الصورة السابقة صورة أخرى جاءت في نهاية نص (بعد الأربعين بقليل) تكشف عن الحال الجديدة من الانفصال والانعتاق، حيث تبدو الذات في أشدّ حالات وجودها الصامت الخانع، تحرّكها الحياة كما تشاء، فليس هناك رغبة في مناكفتها، أو تلمّس نوع من المجابهة والصراع، بل نرى- فوق ذلك- تسليما كاملا وجنوحا نحو الانزواء في صمتها المستكين ووجودها الهشّ، يقول النص (لم يعد في هذا الوجود ما يستحق الشغف/ سوى علبة سجائرك في وداعتها الجنائزية/ ودخانها الصامت/ ذلك الذي صنع بيقين تام ليكون قاتلك). فهذه الصورة واحدة من صور عديدة- وهي تأتي غالبا في نهايات النصوص- توجّه القارئ إلى راهنية ممتدة للسكون والثبات.

واعتماد النصوص على تشييد سيرة كبرى للإنسان تشكّل إطارا عاما في سقوطه وتورّطه بالحياة، وحنينه في مرحلة أخيرة للتغلّب على نقصانه، ربما يمثّل نوعا من الدهشة في تأمل حالات الذات الفردية، ومرورها بمراحل متوالية تتكوّن من انفصال والتحام متواليين. فالانفصال الأخير عن الحياة يكشف عن اغتراب حاد، ومن ثمّ يتأكد لنا البناء الدائري للنصوص في كشفها عن المراحل وتعالقاتها.

في الجزء الأخير من الديوان تتشكّل ملامح الغربة من الاختلاف وتعبيد طريق مملوءة بالمغايرة. فالاغتراب في النص الشعري (غريب في العائلة) يتولّد في حدود الهامش الذي تؤسسه الذات لوجودها. وفقدان التواصل أو الانفتاح على الحياة الذي رأينا له صدى سابقا، يؤسس لتواصل من نوع جديد، ويكوّن ارتباطات خاصة تصنع تماهيا بين الذات والقلب والشخص، ومن خلال هذا التماهي تخلق الذات غربتها من حدود وأطر الظل والكتابة.

الكتابة هي الخروج من الصمت والسكون والانفتاح على تعالق جديد، يؤطر للذات سبيل غربتها، ويمنحها الوجود الهامشي، فحين يقول النص الشعري (غريب في العائلة) (قلبي هو أصغر إخوتي، ودعته أمي في يوم كان الجميع مشغولين بأخبار الحرب/ تخلّى عنها حين غادر البلاد/ رفقة ظلّ خائف/ صادفه أثناء خروجه من كتاب/ هربا معا كصديقين في قارب الموت) لا تغيب ملامح السيرة المؤسسة للذات، في خروجها من تعالق عام إلى تعالق خاص، بل إلى تماه شديد الخصوصية. فالصمت أو السكون تجاه التواصل مع العالم يؤدي بالضرورة إلى خلق البديل والتعلق به.

والنص الشعري في بناء هذا التعالق الخاص مع الكتابة والظلّ لا يكفّ عن الإشارة إلى وجود مرشدات في مرحلة الطفول كاشفة عن المغايرة من جانب، وعن المآل المنتظر في النهاية من جانب آخر. فالنص الشعري غريب في العائلة يسدلّ مجموعة من الصفات للذات في طفولتها، تفلح في خلق تكوين مميز. وربما تكون العلاقة المتوترة والإشكالية مع الأب التي تجلت في نص (شفرة على حافة كلمة) فاعلة في تفسير البدايات الأولى والنهايات التي تدخل بالذات إلى عوالم مغلقة تصنعها بذاتها ولذاتها لتحقق في النهاية نوعا من التواصل معها.

وفي القسم الأخير هناك نصوص كاشفة عن الوضع المغترب للذات داخل السياق الواسع، وداخل السياق العائلي، كما في نصيّ (في العائلة) و(إصبع ضغير في قدم العائلة)، ففيهما تتجلّى الذات مكتفية بذاتها، وبوضعها الهامشي المهمل، ومنبوذة من الآخرين، لأن الذات حين تستجيب لعالم تصنعه من خلال الانفتاح على الكتابة والتعلق بصور الظلال المتخيلة في تأسيس وحدتها واغترابها، تبتعد- بالضرورة- عن التواصل المعهود الذي ألفه البشر العاديون.

قراءة النص الأول (في العائلة) توجهنا نحو الوجود المنسي المهمل، وذلك من خلال مجموعة صور متوالية. فحين يتوقف القارئ عند (أنا الحائط الأقصر)، و(الزبيبة التي نسيت في نهاية العنقود) يدرك طبيعة هذا الوجود المهمل، بوصفه رد فعل مساو للتعلّق بعالم متخيل غير ملموس، لأن الذات بهذا التعلّق تضحي بمسارات الارتباط العرفية المعهودة، ومن ثمّ تتأسس حدود عالمها في الوجود الزائد الذي لا ينتبه إليه أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة