الترجمة ومفهوم الخيانة/هاشم شفيق

الترجمة لها مفعول السحر، كونها الجسر الذي سيوصلك إلى الآخر، لتراه كيف يفكر ويعمل ويعيش، هذا الإنسان الذي هو شبيهك وصنوك، يفكر ويأكل ويمشي مثلك، لكنك تجهل بماذا يتحدث، فلغته غير لغتك ولكي تفهمه تحتاج إلى ساحر، هو المترجم الذي سيفك الطلسم، ويجعلك تفهم الآخر، البعيد أو المجاور لتكوّن عبره رأيك به ومفهومك حوله، من أجل أن تتواصل مع فكرته الإنسانية. فلغات العالم كثيرة، والمترجم الذي يتقن لغة ما، سيعيننا على فهم الشخص المختلف في حياته ولباسه وتراثه وسبل معيشته. لكن اللغة وحاملها الذي هو الناقل والذي نسمّيه المترجم، هو من سيجعلنا نقيم التواصل معه ويجعلنا نفهم ما عبّر عنه وكتبه الكاتب في الفلسفة والأدب والعلوم الأخرى.
مقدمة هذا الحديث هو صدور كتاب لمترجم عريق من أمريكا اللاتينية هو غريغوري راباسا، بترجمة سيزار كبيبو.
الكتاب عبارة عن مذكرات لراباسا يسرد فيها جزءاً من حياته، ولا سيّما طفولته، حيث كان يعرف أكثر من لغة، وحين استوى عوده اضطلع بالإنكليزية، التي كان بارعاً فيها منذ صغره وهو بين العائلة، أو بين الطلاب الذين التقاهم خلال سِنيّ دراسته. في الثانوية درس اللاتينية والفرنسية، ثمّ صار يتقن الإنكليزية والبرتغالية والإسبانية والإيطالية، مما حدا به هذا الولع باللغات وإتقانه لسِتٍّ منها، بأن يصبح أستاذاً لقسم اللغات، وهذا ما أهّله بجدارة ليترجم لعمالقة الأدب الذين ظهروا في أمريكا اللاتينية، فترجم لجورجي أمادو وأوسترياس وغابريال ماركيز وخوليو كورتزار، وماريو بارغاس يوسا وغيرهم من الذين ظهروا لاحقاً وحققوا مجداً لافتاً، لا يقل عما قدّمه السابقون. بالطبع حين كان يترجم ربطته صلة وثقى بالكتاب الكبار، الذين عمل على ترجمتهم مثل، ماركيز وكورتزار ويوسا وغيرهم.
عبر هذه العلاقة ستنشأ ملاحظات وحياة كاملة بين المترجم وأصدقائه الكتاب، إذ ستكون هناك ساعات وأيام وأوقات غير أوقات الترجمة، لتغدو حكايا وقصصاً بشأن كلمة ما، حادثة ما، واقعة وقعت، وستصبح الحياة بين المترجم والمؤلف حياة مشتركة، فالمترجم سيعرف أسرار الكتابة حول طبيعة عمل الروائي وحياته اليومية والتفاصيل الكثيرة التي تحيط به، وبهذا سيكوِّن المترجم معرفة شاملة نتيجة القربى من المؤلف، هذا بالإضافة إلى الكلمات التي سوف ينقلها لتنتهي محمولة على غيمة من المشاعر والأحاسيس والمعاني الجبارة، تلك التي ستوحي وتبلّغ وتشير لتخبر بالدلالة والغرض، فالمترجم هنا سيصبح باحثاً اجتماعياً ومفكراً فنياً وموسوعياً يضمر الكثير من فنون اللغة وتحوّلاتها الكبيرة بين المغزى والهدف المراد.
من هنا نجد المترجم الناقل، أو المحايد، سيكون أميناً للنص، من دون أن يحدث عليه تغييراً وتحوّلاً. أما النص حين تتم خيانته فهو سيمرّ بحالات من التحوّل والإبدال المستمرة، حتى تؤول في النهاية لفائدة المتلقي، وربما سوف لا تكون في مصلحة المؤلف، هذا الذي يريد من نصه أن يبقى محافظاً على القالب والحدود المرسومة له، غير أن العمل الذي سيتم اختراقه من قِبل المترجم هو ذلك النص الطري، القابل للطي والتمدد، أو القابل إلى اللم والاختزال. فالمترجم هنا ستظهر مهاراته الجمالية من خلال صقل العمل وتجويده، عبر خبرته الطويلة في النظر إلى اللغة والعيش بين حناياها، يقلّب الكلمات ويزن جوهرها ومعانيها، فهو خير عارف بموقعها، وأين ستكون في الجملة التعبيرية، وكيف سيكون صداها ومؤداها ورنّتها لدى الآخر، الذي سيتلقاها كلغة هي لغته، ولكنها مترجمة عن لغة أخرى، بيد مترجم عارف وخبير وصانع لمجرى فني ولغوي.
من بين هؤلاء صنّاع الأنسقة والجسور بين الآخر لغوياً وتعبيرياً، المترجم اللاتيني راباسا، الذي قال عنه ماركيز: «أفضل كاتب أمريكي من أصول لاتينية يكتب بالإنكليزية»، وحين ترجم راباسا رائعته «مئة عام من العزلة»، أضاف ماركيز القول: إنها أفضل من النص الأصلي، مما حدا بهذا القول وكذلك العمل كله أن ينال جائزة نوبل، وهي أهم جائزة في العالم.
إن كتاب «إذا كانت الترجمة خيانة» هو مذكرات المترجم راباسا، وفيه يوضّح مفهوم الخيانة وأصلها الإيطالي، وكذلك يُعرّج على التشابه في جذر الكلمة اللاتينية المترجم والخائن وتشابه اللفظ إلى حدّ ما، وكذلك الكلمات المتقاربة، وأيضاً حين يسرد ذكرياته مع اللغات التي تعلّمها، عبر الدخول إلى شخصيته وعلاقته باللغة، بدءاً من عام 1944 بعد خدمته في الجيش، ثم علاقته بالمدارس والجامعات والأساتذة الذين تعلّم منهم، ليصل عبر هذا كله إلى تلك الذكريات، التي كانت مع المؤلفين الكبار الذين ترجم لهم، وربطته بهم علاقة وثقى، بادئاً نشاطه الترجمي إلى الإنكليزية بنص «الحجلة» للروائي والقاص خوليو كورتزار، فنال عليه جائزة « الكتاب الوطني» ما رفع من أسهم المترجم في عالم أدب أمريكا اللاتينية، ولا سيّما بين الكتاب الكبار، ولكن ماركيز الذي ذهل بما تُقدم ترجماته من أمثولات مدهشة بين المترجمين حبّذ أن يترجمه راباسا، فطلب منه ترجمة «مئة عام من العزلة»، حينها كان راباسا مشغولاً بثلاثية «الموز» لأوسترياس، فطلب وقتذاك كورتزار من غابو، أي من غابرييل ماركيز، الانتظار حتى يفرغ راباسا من الترجمات التي بين يديه، فامتثل ماركيز لطلب كورتزار.
يقول راباسا عن كورتزار ما شدّني اليه: هو حس الفكاهة والجاز والمواقف السياسية الليبرالية، و»الحجلة» كانت ثمرة عمله، إضافة إلى أعمال أخرى، وحين فرغ مما لديه التفت إلى ماركيز فترجم عمله بلغة إنكليزية عالية، بحيث قالت عنه صحيفة «نيويورك تايمز»، بعد قراءتها لرائعة ماركيز والأعمال اللاتينية الأخرى: «لو اعتبرنا أن المترجمين هم أبطال الأدب المعاصر المجهولون فإن غريغوري راباسا هو بطله المجهول الخارق».
ترجم راباسا لماركيز «قصة موت معلن»، تلك الحكاية القصيرة التي سرعان ما انتشرت في العالم، فكلنا نتذكر بطلها المتحدّر من أصول لبنانية. وترجم راباسا لجورجي أمادو. وما دمنا بصدد ماركيز، حيث الكل كان يتحدث عن ماكاندو يقول راباسا، بعد أن ترجم ماركيز وذهب إلى أمادو: «كان من الغريب والساحر ربما، أنني بعد توقفي عن ترجمة غارسيا ماركيز، شرعت بترجمة بضعة أعمال لجورجي أمادو، وغمرني فجأة شعور بأن ماكاندو موجودة في مكان ما، في ولاية باهيا في أدنى بلدة الكاكاو الجنوبي».
شاعر وكاتب عراقي
القدس العربي



