مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات اجتماعية

العراق… جمهورية الذاكرات المجتمعيّة المتحاربة/أ.د. سيّار الجميل

Copilot 20260719 070112

1- اشكالية الوعي التاريخي لدى العراقيين
لم تعد المشكلة في العراق أن أبناءه يختلفون في السياسة، فذلك شأن تعرفه جميع الأمم، وإنما تكمن المشكلة في أنهم ما زالوا يختلفون حتى على ذاكرتهم الوطنية. فبعد مرور أكثر من ستة عقود على حدث 14 تموز 1958، لا يزال العراقيون يعيشونه في ضمائرهم والرؤية منقسمة ومتصارعة بين فريقين اثنين يعاكس احدهما الآخر على مسألة تاريخية متصلبة . ولعل المأساة ليست في هذا الاختلاف، لأن التاريخ بطبيعته يقبل تعدّد القراءات، وإنما في أن يتحول الحدث التاريخي إلى عقيدة، وأن يصبح الزعيم رمزاً مقدّساً، وأن يغدو النقاش حول الماضي بديلاً عن التفكير في المستقبل. عندئذ لا يعود التاريخ علماً يبحث عن الحقيقة، بل يتحوّل إلى هويّة سياسيّة، وإلى وسيلة لتأكيد الانتماء أو إقصاء الآخر.
إن الأمم الحية تراجع تاريخها باستمرار، أما الأمم المأزومة فتعيش داخله. والعراق، بكلّ أسف، لم يخرج بعد من بلايا القرن العشرين، لأن جزءاً كبيراً من صراعاته المعاصرة ما زال يُخاض بأسماء رجاله، وشعارات ثوراته، وخصومات أجياله. وهكذا أصبح الماضي وطناً بديلاً، وأصبحت الذاكرة الوطنية مجموعة ذاكرات متصارعة لكنها متخشبة . وعليه ، لماذا يعجز كلّ العراقيين بعد أكثر من مئة عام على بدء تاريخنا المعاصر ، عن الاتفاق على قراءته ، بينما تتقدّم الأمم حين تجعل من التاريخ موضوعاً للفهم لا ميداناً للخصومة؟ فإذا لم نحرّر التاريخ من الأيديولوجيا والطائفية فلن نستطيع أن نحرّر المستقبل من الماضي. وإذا بقيت الذاكرة الوطنية موزّعة بين معابد ثقافية ومستنقعات سياسية متنافسة، فسيظل الوطن نفسه مشروعاً مؤجّلاً، وستبقى الدولة أسيرة رواياتها المتصارعة، بدلاً من أن تكون بيتاً مشتركاً لجميع أبنائها.
2- انقسام الذاكرة الجمعية
ان أية أمة لا تتفق على سرديتها التاريخية ، فليس باستطاعتها أن تبني مستقبلاً مشتركاً، أما ان تحول تاريخها إلى ساحات صراع وتبادل اتهامات ، فإنها تبقى أسيرة الماضي مهما تقدّمت في الزمن. ويقدّم العراق اليوم واحداً من أكثر النماذج تعقيداً في العالم.. انها ليست حالة اختلاف في الرأي ، بل انقسام في الذاكرة الجمعية نفسها. لقد تحول تاريخنا إلى سلسلة “معابد سياسية”. واحتكارات عقائدية ومستنقعات ايديولوجية .. والمشكلة ليست فيها ، وإنما تكمن في تحول حدث تاريخي إلى هوية بديلة، ويصبح الدفاع عنها دفاعاً عن الذات، لا عن الحقيقة.
3- العراقيون… حين يتحول التاريخ إلى معابد لزعماء
هنا ، تبدو السايكلوجية الجمعية واضحة عندما تتحّكم في المجتمع انفعالاته وذاكرته التي تربى عليها منذ القرن العشرين بعيدا عن العقل ولم تزل عواطفه تتلاعب به وما تربّى عليه من ظاهرة الشعارات السياسية حيث تتراجع الوقائع أمام الولاءات. السؤال : لماذا كل التصلّب والعناد عند العراقيين ؟ الجواب لا يكمن في طبيعتهم ، وإنما في تاريخهم المركب. الممتد لأكثر من ألف عام اذ شهد صراعات مذهبية وسياسية متكررة، وانتقالات حادة في السلطة، وثورات، وانقلابات، واحتلالات، وحروباً خارجية وداخلية. بالرغم من أزمنة ازدهار وتعايش وإنتاج حضاري. إن ما نراه اليوم ، يعدّ حصيلة تراكمات تاريخية، لكنه أيضاً نتاج مآسي القرن العشرين: الدولة الحديثة، والانقلابات، والمؤامرات والتحزّبات والحروب، والاستقطاب الأيديولوجي والسلطة وانعدام القناعة والموروث السقيم ، وما تلا عام 2003 من انقسامات جديدة. إن القرن العشرين العراقي كان، إلى حد بعيد، قرن الصدمات الكبرى. فمنذ انقلاب بكر صدقي عام 1936، أصبح تغيير السلطة بالقوة جزءاً من الثقافة السياسية. ثم جاءت أحداث 1941، وانقلاب 1958، وانقلاب 1963 وصراعات الستينيات، ثم انقلاب 1968، وحروب الثمانينيات، وغزو الكويت، والحصار، والاحتلال ، والصراع الطائفي ، وما أعقبه من عنف أهلي. وكل جيل ورث ذاكرة مختلفة، وأحياناً متناقضة، عن الجيل الذي سبقه.
4- في السايكلوجية الجمعية لعبادة الأشخاص واستدامة الانقسام
ومن هنا نشأت ظاهرة فريدة: كل جماعة عراقية تحمل تاريخاً خاصاً بها. وتعيش أزمة ذاكرة. والذاكرة المنقسمة أخطر من السياسة المنقسمة، لأنها تنتج أجيالاً ترى الوطن نفسه من زوايا متعارضة. والمطلوب هو الانتقال من ثقافة التقديس والإدانة المطلقة إلى ثقافة الفهم التاريخي. فالمؤرخ لا يسأل أولاً: هل كان هذا الرجل بطلاً أم خائناً؟ بل يسأل: ماذا فعل؟ ولماذا فعل؟ وما النتائج التي ترتبت على أفعاله؟ وكذلك الأحزاب كلها . فكل شخصية تاريخية هي مزيج من الإنجاز والإخفاق، ومن الصواب والخطأ .. ولعل الخطأ الأكبر الذي وقع فيه العراقيون هو أنهم جعلوا الأشخاص بديلاً عن الدولة. فأصبحت الوطنية تُقاس بحب هذا الزعيم أو كراهية ذاك، مع أن الوطن أكبر من جميع زعمائه، والتاريخ أوسع من جميع أبطاله وخصومهم.
إن الأمم المتقدمة لا تبني هويتها على الأشخاص، بل على المؤسسات والقيم المشتركة ومن يستحق ان يكون رمزاً . أما حين يصبح كل زعيم معبوداً لدى جماعة، وعدواً وجودياً لدى جماعة أخرى، فإن المجتمع يبقى يدور في حلقة مفرغة من الثأر الرمزي. ولا أعتقد أن الخروج من هذا المأزق يحتاج إلى نسيان الماضي، بل إلى إعادة قراءته بعين نقدية، وإلى تعليم الأجيال أن الاختلاف في تقييم الشخصيات لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام في الولاء للوطن. لقد آن للعراقيين أن ينتقلوا من سؤال: من كان على حق؟ إلى سؤال أكثر نضجاً: كيف نبني مستقبلاً لا يعيد إنتاج أخطاء الجميع؟ فالقرن الحادي والعشرون لن يرحم الأمم التي تبقى أسيرة قبور زعمائها، أو سجينة معارك لم تعد قائمة إلا في الذاكرة. وليس المطلوب أن يهدم العراقيون تماثيلهم الذهنية، بل أن ينزلوا بها من مرتبة المقدس إلى مرتبة التاريخ، لأن التاريخ ليس محكمة للانتقام، ولا معبداً للعبادة، بل مدرسة للتعلم.
وعندما يدرك العراقي أن خصمه في قراءة التاريخ ليس عدوه في الوطن، وأن اختلاف التقييم لا يلغي وحدة المصير، عندها فقط تبدأ رحلة الخروج من هذا العبء التاريخي الطويل. إن المشكلة في العراق ليست أن الناس يختلفون حول زعمائهم فذلك يحدث في كل الأمم. المشكلة أن العراقيين ما زالوا يختلفون حول الأشخاص أكثر مما يتفقون على الدولة، ويختلفون حول الماضي أكثر مما يتوافقون على المستقبل. وما لم تصبح الدولة هي “المقدّس المدني” المشترك، سيظل التاريخ وقوداً للانقسام بدلاً من أن يكون مصدراً للحكمة. وعلى المثقفين العقلاء ان لا يختلفوا حول حدث يكثر حوله الجدل والاختلاف، ويريدون أن يجعلوه رمزا بالقوة فهم واهمون.
5- تاريخنا العراقي المعاصر .. ليس مزادا سياسيا بأيدي المتصلبين والمتعصبين
لا يمكن للمرء أيا كان أن يحتكر التاريخ له وحده ليفصله على مقاسه، ويعشق حدثاً معيناً ويتعبّد في محراب زعيم ما .. كما لا يمكن أن تنتقل من الموضوع الى الذات كي تشخصن الأمور بعيدا عن الموضوع ، فذلك هو الخواء العلمي كي تتضاءل أمام الناس، وهي صفة مذمومة ان ترد بسباب وشتائم واتهامات بالطائفية وتشويه السمعة ، فالأجدى علمياً أن تجادل الحجة بالاخرى من دون التزام معاند أو تجريح مبيت. ولعل أكثر ما يؤخر الحوار التاريخي في العراق أن بعض المثقفين لا يناقشون الفكرة، بل يحاكمون صاحبها. فما إن تمس رواية تاريخية مستقرة في أذهانهم، حتى يتحوّل النقاش شخصنة واتهامات مقرفة ، ومن نقد الحجج إلى التشكيك في النيات، وكأن التاريخ أصبح عقيدة لا يجوز الاقتراب منها. إن الباحث الحقيقي لا يخشى مراجعة أكثر الأحداث ، لأن التاريخ ليس كتاباً مقدّساً، بل معرفة تتجدّد كلما ظهرت وثائق جديدة أو قراءات أكثر عمقاً. أما حين تتحوّل الأحداث إلى إيمان لا يقبل المراجعة، فإن المؤرخ يغادر ميدان البحث ليدخل ميدان الدعوة، ويصبح الدفاع عن الرواية أهم من البحث عن الحقيقة. إن أخطر ما يصيب المؤرخ ليس الخطأ في الاستنتاج، بل العجز عن احتمال السؤال. فهناك من يتعامل مع بعض المحطات التاريخية كما لو كانت جزءاً من هويته الشخصية، فإذا نوقشت الوثائق، شعر أن شخصه هو الذي نوقش، وإذا أُعيد تفسير الحدث، عدّ ذلك اعتداءً على تاريخه الخاص. وهنا يفقد البحث العلمي شرطه الأول، لأن الحقيقة لا تُقاس بدرجة الإيمان بها، بل بقدرة الأدلة على الصمود أمام النقد. والمؤرخ الذي يستبدل الوثيقة باليقين المسبق، أو الحجّة بالتخوين، لا يدافع عن التاريخ، بل يدافع عن صورة ذهنية كوّنها مسبقاً. لقد كتبت منذ زمن طويل قائلا : ” كلما تحوّلت الثورة إلى عقيدة، مات التاريخ. وكلما تحوّلت الوثيقة إلى خصم، انتصرت الأيديولوجيا على المعرفة ” ، وأرى أن هذه الجملة تلخص المشكلة العراقية.
6- لا فهم للتاريخ بلا منهج أو عقل
ومن الناحية المنهجية، إذا كنت ستتحدث عن تاريخ العراق المعاصر، فينبغي مناقشة النتائج والمسارات ضمن منهج التاريخ التراكمي ، فان استقطب حدث تاريخي مفصلي فانظر ما كان قبله وما تداعى منه بعده ، و التمييز بين الحدث ونتائجه وما اثره في ولادة الاحداث من بعده فقد ولدت عنه مسارات واتجاهات متباينة وسلسلة دورة من الانقلابات والعنف السياسي. وما يحسم النقاش ليس الانتماء الأيديولوجي، بل قوة الوثيقة واتساق التحليل. فما نادى به كلّ ابطالها ومن وقف معهم لم يتحقق ابدا .. واعلم بأن لا أنت ولا خصمك ستصلان الى نتيجة مشتركة ما دمت غير مقتنع بما يطرحه الآخر ، وأعلم بأنك ضد الفكرة وليس ضد صاحبها، وهذه ميزة المؤرخ لا السياسي. فالمؤرخ لا يبحث عن الانتصار في المناظرة، وإنما عن الاقتراب من الحقيقة. ان محاورة الموضوع دون تجاوزه شرط من شروط المعرفة ويستلزم أن تكون ديمقراطيا لسماع الرأي الآخر والعالم يدرك أن من شبّ على شيئ شاب عليه ، فتجد من شاب من العراقيين لم يزل يعيش ايام الملكية أو ايام جمهورياته الاولى والثانية والثالثة .. أما الشباب ، فهم لا يعرفون شيئاً عن تاريخ بلادهم.
7- التاريخ التراكمي
ولكن تجد ان أكثر العراقيين أخذوا يفكرون اليوم وهم يوازنون بين عهود التاريخ التراكمي وكيف بدأ العراق وكيف انتهى اليه والمفصل هو 14 تموز 1958 ويسألون أنفسهم عن الجدوى التاريخية منذ ذلك اليوم حتى الان ؟ هل تطور العراق منذ ذلك اليوم حتى الان ؟ هل تحققت الديمقراطية والبناء السياسي ومؤسساته منذ ذلك اليوم حتى الان ؟ هل تطورت قيمة العراق على ايدي هؤلاء الذين تتعبدون في محاريبهم ؟ كيف كانت الحياة العراقية واين أمست ؟ متى بدأت صراعات الثوريين والراديكاليين والقوميين والاسلاميين ولم تزل؟ لماذا قتل احدهم الاخر ؟ وعادوا يتحالفون مع بعضهم الاخر في جبهة وطنية واحدة ؟ اذا كنتم قد حاربتم الامبريالية وسحلتم رموزها من الرجعيين والعملاء .. لماذا رحبتم بالاحتلالات وساهمتم بالمشاركة في مجلس الحكم مع اميركا ؟ لماذا كانت اصواتكم تلعلع عهد ذاك واليوم اختنقت أصواتكم وانتم ترون العراق بأيدي هذا وذاك؟ مجرد اسئلة عابرة اطرحها على كل العراقيين سواء النخب ام البسطاء . انني ادرك تاريخ العراق بطوله وعرضه وأتقّبل وجهات النظر وأصوب الأخطاء في المعلومات وأرى كلّ بقايا تلك الفئات الحزبية أناس تأكل قلوبها الأحقاد ولم تزل تؤمن بالمؤدلجات العقيمة .. والبعض يقرن انقلاب 14 تموز 1958 دون تفكير بتاريخ الثورة الفرنسية وأزمنتها 1789- 1795م وبيئتها وعواملها التاريخية كما قرأها المؤرخون على مدى أكثر من مائتي سنة علماً بأن 14 تموز العراقية انتصرت في ساعة واحدة.
8- الزعماء يرحلون والذاكرة حية لا تموت
أذكر عبارة للمؤرخ البريطاني العظيم إدوارد هاليت كار (E. H. Carr) تكاد تختصر هذا المنهج: “إن دراسة التاريخ هي دراسة مستمرة للتفاعل بين المؤرخ ووقائعه.” أي أن الوقائع هي التي ينبغي أن تقود المؤرخ، لا الأهواء. لقد تعودت، منذ نصف قرن من الاشتغال بالتاريخ، ألا أناقش الأشخاص، بل الأفكار، لأن الأشخاص يرحلون، أما الأفكار فتبقى تؤثر في الأجيال. وحين يتحول النقاش العلمي إلى سجال شخصي، يفقد البحث قيمته، ويصبح الغرض منه الانتصار للنفس لا الانتصار للحقيقة. لذلك لا يعنيني من يوافقني أو يخالفني، بقدر ما يعنيني أن تكون الوثيقة هي الحكم، وأن يكون البرهان هو الفيصل. فالتاريخ لا يُكتب بالانفعالات، ولا تُحسم قضاياه برفع الأصوات، وإنما تُحسم بوزن الأدلة، ومراجعة الروايات، والقدرة على الاعتراف بأن الحقيقة أكبر من الجميع. وحين يعجز الإنسان عن الرد على الفكرة، يبدأ بالحديث عن صاحبها. وتلك هي اللحظة التي ينتصر فيها الهوى على العقل. كلما ابتعد النقاش عن الوثيقة، وعن الحجة والعقل اقترب من الخصومة.
وأخيرا : ليس من واجب المؤرخ أن يدافع عن الثورات أو الأنظمة أو الزعماء، بل أن يدافع عن حق الحقيقة في أن تُقال، ولو خالفت ما اعتاده الناس. فالتاريخ ليس محكمة لتبرئة الأحياء أو إدانة الموتى، بل مختبر لفهم الإنسان والدولة والمجتمع.
“أنا لا أكتب لأكسب أنصاراً، بل لأفتح نوافذ. ولا أراجع التاريخ لأهدم ذاكرة أحد، بل لأحرر الذاكرة من أسر الأيديولوجيا. فما يهمني ليس أن ينتصر رأيي، بل أن تنتصر الحقيقة من خلال العقل والوثيقة.”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة