العراقيون: وحدّتهم كرة القدم… أما الوطن فما زال ينتظر وحدتهم! سيار الجميل

“قد تستطيع مباراة واحدة أن تجمع العراقيين في شارع واحد، ولكن التحدّي الأكبر أن يجمعهم الوطن في طريق واحد.”.
1- مقدمة
ما حفزني إلى كتابة هذا المقال لم يكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل ذلك المشهد الإنساني الذي استوقفني طويلًا وأنا أشاهد آلاف العراقيين يتدّفقون إلى شوارع مدينة تورنتو الكندية بعد إحدى مباريات المنتخب العراقي ازاء منتخب السنغال في مونديال 2026. وكانوا مقيمين وزائرين قدموا من مدن العالم المختلفة، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، يلّوحون بعلم العراق، ويردّدون اسمه بفرح عفوي لا تصنعه السياسة ولا تفرضه الأيديولوجيات ولا مشروع المحاصصات.
في تلك اللحظة لم يكن أحد يسأل الآخر: من أي مدينة جئت؟ وإلى أي طائفة تنتمي؟ وما قوميتك؟ فقد امتزج العرب والكرد والتركمان، واجتمع المسلمون والمسيحيون، والتقى السنة والشيعة، وحضرت ألوان الطيف العراقي كلها في لوحة وطنية آسرة، لم يكن بطلها سوى العراق. كان العلم العراقي هو اللغة المشتركة التي فهمها الجميع، وكانت الفرحة هي الهوية الوحيدة التي أذابت، ولو لساعات، كثيرًا من الحواجز التي أثقلت حياة العراقيين خلال العقود الماضية.
غير أن هذا المشهد الجميل أيقظ في داخلي سؤالًا ظل يرافقني وأنا أراقب تلك الوجوه المشرقة: إذا كان العراقيون قادرين على أن يتوّحدوا بهذه العفوية من أجل مباراة لكرة القدم، فلماذا يعجزون عن المحافظة على هذا القدر من التلاحم حين يتعلق الأمر بوطنهم ومستقبله؟ ولماذا يبدو العراق، في لحظات الفرح الرياضي، وطنًا واحدًا، ثم يعود في الحياة اليومية إلى فسيفساء انقسامات وتجاذبات؟ هكذا بدأت أكتب هذا المقال؛ لا للحديث عن كرة القدم، بل عن الوطن الذي كشفته كرة القدم، وعن العراق الذي يظهر أحيانًا في المدرجات أكثر مما يظهر في ساحات السياسة والثقافة، وعن أملٍ ما زال حيًا بأن تتحول تلك اللحظات العابرة إلى مشروع دائم لوحدة وطنية حقيقية.
2- وحدّتهم كرة القدم… ولكن قلوبهم شتّى في المهاجر والدواخل
لعل المشهد الأكثر إثارة في حياة العراقيين اليوم هو ذلك الذي يتكرر كلما خاض المنتخب الوطني مباراة مصيرية. ففي لحظات معدودة تختفي الحدود النفسية بين البصرة والموصل، وبين أربيل والنجف، وبين بغداد والأنبار، بل وبين ابن دواخل الوطن وأخيه المنتشر في أصقاع الأرض. ترتفع الأعلام، وتتعالى الهتافات، وتذوب الفوارق السياسية والطائفية والقومية أمام أمنية واحدة: أن ينتصر العراق. في تلك الساعات يبدو العراق وكأنه استعاد روحه القديمة؛ روح الوطن الذي يتقدّم على كلّ الانتماءات الفرعية. فلا يسأل أحد عن مذهب المشجع الذي يجلس إلى جواره، ولا عن قوميته أو عشيرته أو حزبه، وإنما يصبح الجميع جمهورًا لفريق واحد، وقلبًا واحدًا، وحلمًا واحدًا. غير أن هذا المشهد، على جماله، يكشف في الوقت نفسه عن مفارقة مؤلمة. فما إن تنتهي المباراة حتى يعود العراقيون إلى واقعهم المليء بالاستقطابات. يعود السياسي إلى خطابه، والإعلامي إلى منبره، والحزبي إلى خندقه، والطائفي إلى مفرداته، والقومي إلى حساسياته، وكأن الوحدة التي صنعتها كرة القدم لم تكن سوى هدنة عابرة في حرب طويلة من الانقسامات والتجنّيات.
3- المشكلة في غياب المشروع الوطني
وفي المهجر تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالعراقيون الذين غادروا وطنهم منذ عقود، أو الذين ولد أبناؤهم في بلاد الاغتراب، يجتمعون في المقاهي والقاعات لمؤازرة المنتخب، وتفيض أعينهم بالدموع عند سماع النشيد الوطني. لكنهم، خارج تلك المناسبة، يحملون معهم خلافات الداخل نفسها، وكأن الحدود الجغرافية لم تستطع أن تمحو الاورام السايكلوجية التي تراكمت عبر عقود من الصراعات. لقد أثبتت كرة القدم أن المشكلة ليست في استحالة التعايش، بل في غياب المشروع الوطني الجامع. فإذا استطاع أحد عشر لاعبًا أن يجمعوا ملايين العراقيين حول شاشة واحدة، فلماذا تعجز النخب السياسية والثقافية عن جمعهم حول مشروع دولة حديثة؟ واذا كان المنتخب بلا حساسيات اثناء اللعبة ، فلماذا التنافر والكراهية عند النخب الأخرى ؟ وإذا كانت تسعون دقيقة كافية لإذابة الجليد بين المختلفين، فلماذا تعجز سنوات طويلة من العمل السياسي عن تحقيق الحد الأدنى من الثقة الوطنية؟
4- كوامن في أعماق المجتمع
إن كرة القدم لا تصنع الوحدة، لكنها تكشف أن بذورها ما زالت كامنة في أعماق المجتمع. فهي تذكر العراقيين بأنهم قادرون على الفرح معًا، وعلى الحزن معًا، وعلى رفع علم واحد، وعلى ترديد نشيد واحد، وأن الانقسام ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات سياسية وثقافية وتربوية تراكمت عبر الزمن. ولعل الدرس الأهم الذي تمنحه كرة القدم للعراقيين هو أن الهوية الوطنية لا تزال قادرة على الحياة، لكنها تنتظر من يحررها من أسر الانتماءات الضيقة. فالمنتخب الوطني لا يمثل طائفة ولا قومية ولا حزبًا، وإنما يمثل العراق كله، ولذلك يجد الجميع أنفسهم فيه دون تردد. إن مأساة العراق ليست في غياب أسباب الوحدة، وإنما في غلبة المصالح التي تستثمر في الانقسام. فهناك من يعيش على تأجيج الخلاف، ومن يراكم نفوذه بإدامة الخصومات، ومن يخشى ولادة مواطن يرى في العراق وطنًا قبل أن يراه ساحة لصراع الهويات. ويبقى السؤال الكبير: لماذا يتحول العراقي، وهو يشاهد مباراة لكرة القدم، إلى مواطن كامل، ثم يعود بعد انتهائها إلى أسير هويات متنازعة؟ إن الإجابة لا تكمن في الملاعب، بل في المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة، وفي بناء دولة المواطنة التي تجعل حب العراق سلوكًا يوميًا لا انفعالًا موسميًا.
ولعل المستقبل يحمل فرصة مختلفة إذا أدركت الأجيال الجديدة أن ما يجمع العراقيين أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن الانتصار الحقيقي ليس في تسجيل هدف في مرمى المنافس، بل في تسجيل هدف تاريخي في مرمى الكراهية والانقسام. عندها فقط لن تكون كرة القدم المناسبة الوحيدة التي يتوحد فيها العراقيون، بل ستصبح مجرد انعكاس لوحدة وطنية راسخة، لا تهزها السياسة ولا تمزقها الأيديولوجيات ولا تعصف بها الخلافات العابرة. فالعراق لا يحتاج إلى معجزة جديدة؛ إنه يحتاج فقط إلى أن يتحول الشعور الوطني الذي يولد في المدرجات إلى ثقافة دائمة في البيوت، والمدارس، والجامعات، ومؤسسات الدولة. وعندها لن يكون العراقيون موحدين في تشجيع منتخبهم فحسب، بل موحدين أيضًا في صناعة مستقبلهم.
5- الوطنية لا تحتكر والوطن لا يباع
غير أن المعضلة العراقية لا تكمن في اختلاف الآراء أو تنوع الانتماءات، فالتعددية سنة من سنن المجتمعات الحية، وإنما تكمن في نزعة احتكار الوطنية، حيث يتوهم بعض العراقيين أن حب الوطن ملكية خاصة بهم، وأنهم وحدهم يملكون حق توزيع صكوك الوطنية على الآخرين. والحقيقة أن الوطنية ليست امتيازًا تمنحه جماعة لجماعة، ولا حزبًا يمنحه لأنصاره، ولا طائفة تحتكره لنفسها، وإنما هي شعور أخلاقي وسلوك مدني يتساوى فيه جميع أبناء الوطن. فليس من حق أحد أن يدعي أنه أكثر عراقية من غيره، لأن العراق أكبر من جميع الأحزاب والطوائف والقوميات، وأقدم من جميع الصراعات التافهة التي تعصف به. وما يزيد المشهد تعقيدًا أن المجتمع العراقي ما زال مثقلًا بثقافة التمايزات، فكل جماعة تنظر إلى نفسها بوصفها النموذج الأكمل، أو الضحية الأكبر، أو الأحق بالقيادة، فتتراجع فكرة المواطنة أمام تنافس الهويّات الفرعية. وبدل أن يكون التنوّع مصدر ثراء حضاري، تحوّل في كثير من الأحيان إلى سبب للتنازع والشكوك المتبادلة، حتى أصبحت المسافات النفسية بين أبناء الوطن أوسع من المسافات الجغرافية التي تفصل مدنه. والوطن يباع!
6- ما الذي فعلته المحاصصة ولم تزل ؟
ومن أخطر ما أفرزته هذه الذهنية أن المحاصصة لم تعد نظامًا سياسيًا فحسب، بل تسربت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدت حاضرة في الوظيفة، والمؤسسة، والجامعة، والنقابة، والجمعية، بل وفي كثير من العلاقات الاجتماعية. وهكذا لم تعد الكفاءة هي المعيار الأول، بل صار الانتماء في أحيان كثيرة يسبق الاستحقاق، وهو ما أدى إلى إنهاك الدولة وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسساتها. ولو أن العراقيين اجتمعوا جميعًا، ولو لمرة واحدة، على مقاومة الفساد كما يجتمعون لتشجيع المنتخب الوطني، لتغير وجه العراق في سنوات قليلة. فالفساد لم يعد ظاهرة تخص حزبًا أو طائفة أو قومية بعينها، بل أصبح وباءً اجتماعيًا وإداريًا امتدت آثاره إلى قطاعات واسعة، وصار كثيرون يتعايشون معه أو يبررونه أو يستفيدون منه بدرجات متفاوتة. ولذلك فإن معركة العراق الحقيقية ليست بين مكون وآخر، وإنما بين ثقافة النزاهة وثقافة الفساد، وبين مجتمع يحكمه القانون وبين دولة تتجاذبها المصالح.
7- ضرورة القيم الجديدة
كما أن نهضة العراق لن تتحقق ما لم يمتلك المجتمع شجاعة مراجعة بعض العادات والتقاليد البالية التي تجاوزها الزمن، والتي ما زالت تكبل العقل، وتعرقل المبادرة، وتغذي العصبيات، وتقدم الولاءات الضيقة على المصلحة العامة. فليست كل عادة موروثة فضيلة، كما أن احترام التراث لا يعني تجميد الحياة عند حدود الماضي. إن الأمم المتقدمة لم تنهض لأنها أنكرت تاريخها، وإنما لأنها امتلكت الجرأة على تنقية موروثها، والإبقاء على ما يخدم الإنسان، والتخلي عما يعوق تقدمه. إن العراق بحاجة إلى قيمٍ أكبر من انتصار في مباراة، وأبقى من فرحة عابرة. إنه بحاجة إلى ترسيخ قيم المواطنة، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، والعدل، والنزاهة، والعلم، والعمل، والإنتاج، والتسامح، والاعتراف بالاختلاف بوصفه مصدر قوة لا سببًا للعداء. فهذه هي البطولات التي تصنع مستقبل الأوطان، وهي الانتصارات التي لا تنتهي مع صافرة حكم، ولا يخبو وهجها بانطفاء أضواء الملاعب.
8- وحدّتهم كرة القدم… ولكن ما أحوجهم إلى وحدة القيم
إن كرة القدم، على ما تمنحه من فرح وما تخلقه من مشاعر مشتركة، لا تستطيع أن تكون وطنًا. فهي لعبة لا يمارسها إلا أحد عشر لاعبًا داخل الملعب، ويشاهدها الملايين من خارجه، أما الوطن فهو المجال الواسع الذي يتسع للجميع؛ للرياضي والعالم، وللفلاح والطبيب، وللعامل والأستاذ، وللفنان والجندي، وللمؤمن وغير المؤمن، ولمن يتفق معنا ولمن يختلف معنا. الكرة قد تجمع الجماهير لساعات، أما الوطن فيجمع الأجيال عبر القرون. وليس من الحكمة أن يتحول الانتصار الرياضي إلى ذروة الشعور الوطني، بينما تبقى القضايا المصيرية للوطن أسيرة الخلافات والانقسامات. فكم هو مؤلم أن نرى العراقيين يختلفون حول كل شيء، ثم يتفقون على مباراة، في حين أن الأولى أن يتفقوا على حماية وطنهم، وصيانة دولته، وإعلاء شأن القانون، وبناء مستقبله. إن المباراة تنتهي بصافرة الحكم، أما الوطن فلا تنتهي مسؤوليته إلا بانتهاء حياة الإنسان.
إن الوطن ليس شعارًا يرفع، ولا نشيدًا يردّد، ولا علمًا يلوح به في المناسبات، بل هو مسؤولية تاريخية وأخلاقية. إنه البيت الكبير الذي إذا تصدّع سقفه فلن ينجو أحد من سكانه، وإذا انهارت جدرانه فلن تميّز الأنقاض بين طائفة وأخرى، أو بين قومية وأخرى، أو بين حزب وآخر. ولذلك فإن الدفاع عن الوطن يجب أن يسبق الدفاع عن المصالح الضيقة، لأن ضياع الوطن يعني ضياع الجميع. ان السياسة تتبدل، والأحزاب تنشأ ثم تتلاشى، والأيديولوجيات تصعد ثم تخبو، والعقائد السياسية تتغير بتغير الأزمنة والظروف، أما الوطن فهو الثابت الذي يمنح لكل تلك المتغيرات معناها وحدودها. إنه الجذر الذي تستند إليه الشجرة، فإذا اقتلع الجذر فلن يبقى للغصون ولا للأوراق وجود. ولهذا فإن حب الوطن يجب أن يسمو على الولاءات الحزبية، وأن يسبق الانتماءات الأيديولوجية، وأن يعلو على الخصومات التي يصنعها البشر ثم يطويها الزمن.
9- الارض هي الأهم في الوجود
لقد علمنا التاريخ أن أممًا كثيرة فقدت أوطانها حين ظنت أن خلافاتها أهم من أرضها، وأن مصالح جماعاتها أولى من مستقبل دولها. وما أكثر الدول التي كانت قوية، ثم تآكلت من داخلها حين غلبت العصبيات على روح المواطنة. فالوطن ليس هبة أبدية، بل هو أمانة تتوارثها الأجيال، ولا يبقى إلا إذا حافظ أبناؤه عليه، وعدّوه القيمة العليا التي لا يعلو عليها شيء. إن العراق أقدم من جميع الأحزاب التي عرفها تاريخه الحديث، وأبقى من جميع الأيديولوجيات التي تعاقبت عليه، وأوسع من جميع الانتماءات الفرعية التي قسمت أبناءه. وسيظل العراق بعد أن ترحل هذه الأحزاب، وتتغير تلك الشعارات، وتتبدل الأفكار، كما بقي آلاف السنين شاهدًا على تعاقب الإمبراطوريات والدول. أما العراقيون، فإنهم لن يكتبوا لأنفسهم مكانًا مشرفًا في التاريخ إلا إذا أدركوا أن الدفاع عن العراق أهم من الانتصار لأي فكرة، وأن الحفاظ على وحدته أهم من الانتصار لأي حزب، وأن بناء دولته أهم من كل المكاسب المؤقتة. وأن بناء حضارته أهم من كل الأوهام والخرافات والتقاليد البالية.
10- وأخيراً : نحن بحاجة الى مباراة بناء العراق
إن الأوطان لا تُبنى بالأهداف التي تُسجَّل في الملاعب، بل بالأهداف التي تتحقق في الضمير. ولا يحمي العراق لاعبٌ يسجل هدفًا في تسعين دقيقة، بل يحميه ملايين المواطنين الذين يقررون، كل يوم، أن يضعوا العراق فوق الطائفة، وفوق الحزب، وفوق الأيديولوجيا، وفوق المصالح الضيقة. فحين يصبح الوطن هو الفريق الذي نشجعه جميعًا، عندئذ فقط سنكون قد انتصرنا في المباراة التي تستحق أن تُخاض، وهي مباراة بناء العراق.”




