برودة الأشياء/سمير إسماعيل

. كانت المرأة تعبر الشارع مرتدية وشاحًا أزرق من الصوف يلتف حول عنقها , في الشتاء لا يحدث شيء مهم. همس :ــ من الممكن انها لا تحس بالبرد وهي تعبر الشوارع المغطاة بالثلج و الخالية من البشر . ما ان اكمل الجملة حتى رأى الشارع قد اختفى من قدامة بعد ان انغلق باب المقهى واختفت المعالم خارجه ,نهض من الكرسي واقترب من الزجاج , كانت الارصفة تحتضن قليلا من الثلج دون وجود للشارع الذي لم يعد يظهر في الصورة وكأنها معلقة بحبال غير مرئية في فراغ الفضاء الذي اقتحمه الضباب كليا , ماعدا بعضا من أضواء واجهات المحلات المنعكسة على الثلج وعلى اجساد المارة الذين يقتربون من المقهى الا وجهها الذي ينتظره ولم يظهر بعد في الصورة , ربما بسبب سمك الزجاج الذي يحتفظ بالضباب اكثر من وجهها , وربما لان الزمن قد فقد ما يبحث عنه في وجهها وجسدها المغطى بملابس حريرية , ترتدي قميصا ملونا بالوان الاحمر والازرق والاصفر والبرتقالي ,بسيطا وفضفاضا , ومن عاداتها الاخرى ارتداء البطلون الجينز , ملابسها غير ضيقة , بل مريحة يتلاعب فيها الهواء ولكنها ليس بالضرورة مثيرة كما يعتقد , وكانت دائما منشغلة بنفسها , وكلما جلسا معا في الحديقة على العشب تضع يدها حول ركبتيها في حركة غريزية , ولم تغازله , وهو لم يغازلها , بل كل احاديثهم تدور حول الكتب التي يقرأها , كانت دائما تضع في حقيبتها كتاب , لأنها كما قالت له انها لأتقدر ان تضيع الدقائق في المترو او الباص او المقهى دون ان تقرأ او تجد كتابا جديدا بين يديها . وعندما لم تأت, اخرج للبحث عنها في شوارع انقرة المدينة الباردة , في الوقت نفسه اشعر وخطواتي تعبر الشوارع والازقه بأن المدينة ايضا تبحث عنها ولا تجدها , لذا اقدم اوصافها للوجوه في ساحة المدينة وخاصة وشاحها الصوفي الازرق الملتف حول رقبتها , اخبره رجل عجوز انها عبرت الساحة نحو السوق القديم دون ان تتوقف في الساحة ودون ان تترك أي اثر يدل عليها , واجابته امرأة في الاربعين تقريبا بأنها تعرفها حقا واعطته شرحا لملامحها ولكنها قالت بغرور :ـــ هذه الشابة كلما عبرت من الساحة لم تترك ظلا لها , بل تأخذ الضوء معها . في الليل عندما كان واقفا امام النافذة يتأمل السماء , فاجأته النجوم بالاقتراب منه حتى اصبحت ملتصقة بزجاج النافذة ومحيطة صورتها بلمعان نور طغى على وجهها , لم تكن تنظر الى وجهه , بل كانت تنظر الى داخل الغرفة باحثة عن شيئا ما لم يستطع اكتشافه , لكن صورتها والنجوم انسحبت بسرعة من امامه حيث كانت الريح تمد انسيابها مثل شعرها الطويل المنساب على كتفيها , فتطير كأنها غزالة تعبر الفضاء, تاركة خلفها حوافر مطبوعة على الثلج , وكلما اسرعت تختلط الحوافر وكأنها تحاول ان تمزج الزمن الذي تعبره مع خطواتها . توقف عن الافكار منتظرا ما سيحدث عندما يحررها من ذاكرته . سأل نفسه :ـــ ما حقيقة هذه المرأة .؟ لم أجب , بل منح نفسه اجابة ليس لها علاقة بالسؤال : ـــ دائما ما تظهر الحقيقة مخفية بين الاجابة , دون الخيال الذي يفقدها صدقها .
(من جديد انا المؤلف سأبدأ بكتابة القصة بعد ان وجدت الصفحة بيضاء إلا من سطر واحد، مكتوب بخط لا يشبه خطي هذه ليست قصة عن امرأة… بل عن الكاتب الذي حاول أن يكتبها، مكتشفا في النهاية أنه كان الشخصية التي اخترعها .) خارج المقهى ظل الثلج يتساقط بانتظام, ولان السماء تكرر حركة الندف نفسها في كل شتاء فهي لا تعرف غير ذلك , وكلما نظرت الى الرصيف الخالي من الشارع , اصدق ان المرأة تلك كانت تعبرنا دون ان يراها احدا , لولا الظل الذي كان يسحل وراءها على الثلج تاركا اثرا , ورغم ذلك فالجميع يلاحظه ويلتفت الى الفراغ الذي تتركه وكأن شيئا يمكن رؤيته على الثلج اثر اقدام صغيره لسيدة يحملها الفضاء كطائر. توقفت , اتطلع الى الافق حيث ظهر قوس قزح بألوانه منفتحا مثل شق في السماء على شكل باب كبير جدا , ووراء فضاء يمتد الى مالا نهاية وفوجا من نساء يخرجن فرادي , ذات شكل واحد ووجه واحد وملابس لا تختلف , الوجه نفسه والملابس نفسها والقوام نفسه والعيان نفس اللون والطول واحد ,..
حفاة يتحركن بنفس الحركة , كلهن متشابهات , كأنهن نسخة واحدة , لم اقدر على تميز من منهن الاصل , والباقي نسخ مقلدة , صوت احداهن ينبثق من مكان بعيد :ـــ كلنا واحد , كل امرأة تحمل نفس القلب ونفس الابتسامة من اجل اعادة خلق البشرية . ثم اختفوا جميعا وانغلق باب قوس قزح على السماء .. توقف المؤلف عن الكتابة ثم تطلع الى السماء وعندما اعاد النظر الى المخطوطة , لاحظ وجود جملة لم يكن قد كتبها عندما رفع رأسه للسماء . (ـــ كان يتمدد قليلًا عند الزوايا, ويضيق قرب الأشجار, ثم يختفي عندما ترتفع الشمس) لكن الشمس لم تكن أكثر من مصدر ضوء, لم تمنح دفئًا حقيقيًا. كانت تذيب الجليد ببطء, ثم يختفي الماء داخل الأرض دون أثر, كأن الجليد لم يكن سوى قطرات مرت على الشارع الذي عاد للظهور , في الليل ظهرت النجوم , لم تكن بعيدة بل قريبة لحد انه يمكن ان يمسك احداها وأن الريح كانت تمر بينها تداعبها بنسمات باردة . عندئذ ظهر وجه المرأة بين النجوم كنجمة كبيرة غطت السماء . لم يكن وجهًا كاملًا، بل كتلة من الضوء تتحرك خصلات شعرها مع الريح الباردة , في الطرف الآخر البعيد قليلا كانت غابة الاشجار مغطاة بالثلج ساكنة. وخيالات حيوانات متوقفة بين الأشجار, وثمة آثار حوافر على الثلج, ومع ذلك كانت الآثار تزداد كلما تغطت الارض بالثلج . جلست قريبا من الزجاج على مقعد خشبي انظر مفتونا بما اتخيله , وكما ان تلك الخيالات لا تحتاج الى تفسير بل انها تحدث لكي تترك اثارها في داخلي , كانت البرودة خارج المقهى يقينا اكثر من برودة افكاري ..قبل ان يخرج من باب المقهى الرجل العجوز الذي يجلس قريبا من مقعدي , نظر بوجهي ثم الى مقعدها الفارغ وقال بكلمات دافئة ـــانها هناك .! .. نظرت الى مقعدها , لم يكن احدا جالسا هناك , ورغم ذلك شككت برويتي , لان الفراغ في بعض اللحظات يصبح اكثر اقتناعا بالامتلاء ..لذلك من تلك اللحظة لم اعد ابحث عن جسدها بل عن وجودها في افكاري , عن كل محاولة للفهم والرؤيا , عن وصف اخر للأشياء كان ينتهي بشكل اخر لها , الحجر يتحول وصفه الى بيت , النافذة الى خيال حبيبة وراءه , الضوء الى اشراقة في الروح , ظل شجرة لقاء حبيبين , الثلج يذوب ويغيب البياض معه , ، صوت كعب حذاء بعيد يقرب وجهها واحلم بصاحبته ..
كل الاشياء في رؤيتي تتحول الى رموز ولا تكتفي بكونها اشياء ثابته ولهذا فأن تفسي التغيرات اصبح عصيا على الذاكرة الجامدة . ذات مساء بدا الدم في عروق يدي أكثر وضوحًا من المعتاد, لم أفكر في الألم, بل في الطريقة التي يواصل بها الدم رحلته داخل الجسد, ربما لهذا يبدو الخلود فكرة بيولوجية أكثر منه وعدًا دينيًا , وربما كانت تلك المرأة المختفية عن الظهور تعرف ذلك , مما يجعلها لم قوية لدرجة مذهلة , ولان القوة كلمة يستخدمها من يقفون داخل التجربة , أما هي فكانت تبحث عن الاستمرار لا التوقف وهو شكل آخر من أشكال الصمت المنبعث من القوة . عندما انشق الضوء بعد توقف الثلج ثم المطر ظهر قوس قزح فوق المدينة, لم يلتفت إليه أحد الخارجين والداخلين الى المقهى والعابرين للشارع نحو الجهة الاخرى قبل ان يتوهج الضوء الاحمر , فقط وحدها وقفت تتأمل هالة قوس قزح الذي تحدب في نهاية السماء , ظلت نظراتها تعانقه وكأنها تنتظر ان يغلق ابوابه الملونة على جسدها , ولما طال انتظارها ادركت انه ليس بابا للعبور ولا جسرا للوصول بل فتحة تأخذها الى الجهة الاخرى من السماء .. لذا نهضت من مكاني وغادرت المقهى , اقتربت منها للمرة الاولى منذ ان عرفتها في خيالي ..لم تلتف اليّ , بل تكلمت وكأنني أرى شبحها قربي , قالت وكأنها تكمل حديث استمر بيننا سنوات ــــ انت لا تبحث عني , بل تبحث عن امراتك المفقودة من سنوات في صورتي . ثم اختفت من قدامي بلمح البصر .بعدها وجدت نفسي وحيدا انظر الى قوس قزح يختفي من السماء وكانه يبتلعها , ثم وجدت الناس بعد ان توقف الزمن , قد عادوا الى السير و إلى أعمالهم، وعادت السيارات إلى المرور, واستمر الثلج في الذوبان, واستمرت الشمس تخرج من تحت الغيوم لتؤدي وظيفتها اليومية لكن في صباح اليوم التالي رأيت صورتي على واجهة زجاج المقهى كانت واضحة , الشيء الوحيد الذي لم يظهر في الانعكاس… هو أنا.



