أزهار في شقوق الإسفلت / سميرة جدي – الجزائر

لم يكن في ذلك الطريق شيءٌ يدعو إلى الأمل.
إسفلتٌ أسود يمتدّ بلا نهاية، تدهسه العجلات باستمرار، وتغسله الأمطار ثم تعيده الشمس إلى قسوته الأولى. على جانبيه أرصفة متشققة، وأبنية رمادية، ووجوه تمضي مسرعة كأنها تخشى أن تتوقف لحظة فتسمع صوت تعبها.
ومع ذلك، كانت هناك أزهار.
زهور صغيرة نبتت عند حواف الإسفلت وبين شقوق لا تكاد تسمح بمرور إصبع. لم يعرف أحد كيف وصلت إليها البذور، ولا من سقاها، ولا كيف استطاعت جذورها أن تجد طريقها في أرض لم تُخلق للزراعة.
كان الناس يمرون بجانبها دون أن يروها.
إلا امرأة عجوز كانت تجلس كل صباح قرب نافذتها، تراقب الطريق.
قال لها حفيدها ذات يوم: جدتي، لماذا تنظرين إلى تلك الأزهار كل يوم؟ إنها صغيرة، وستذبل قريبًا.
ابتسمت وقالت: لهذا أنظر إليها.
لم يفهم الطفل ما قالت فأضافت: الأشياء التي تعرف أنها ستذبل، ثم تختار أن تتفتح، هي أكثر الأشياء شجاعة.
في اليوم التالي، وجد الحفيد الجدة تحمل سطلا صغيرًا من الماء، وتسير ببطء نحو الأزهار.
سألها: هل تسقينها؟
قالت: ربما.
وهل ستعيش؟
نظرت إليه طويلًا ثم قالت:
لا أعرف. لكنني أعرف أن عليها أن تحصل على فرصة
منذ ذلك اليوم، صار يرافقها.
كانا يسقيان الأزهار سرًا، دون أن يلاحظ أحد.
ثم حدث شيء غريب…بدأت الأزهار تزداد.
زهرة هنا، وأخرى هناك، حتى صار الطريق الذي لم يعرف الناس فيه سوى الغبار والضجيج، يحمل بقعًا صغيرة من الحياة.
لكن الشتاء جاء قاسيًا كعادته.
هبت عاصفة اقتلعت بعض الأزهار، ودَهست السيارات بعضها الآخر. وعندما خرج الحفيد في الصباح، لم يجد إلا سيقانًا منحنية وأوراقًا ممزقة.
قال بحزن: انتهى كل شيء.
هزت جدته رأسها: لا.
لكنك ترين ما حدث.
انحنت، وأشارت إلى شق صغير في الإسفلت…كانت منه تخرج ورقة خضراء جديدة.
قالت: لم ينتهِ شيء. بعض الأشياء تحتاج إلى أن تنحني كي تعرف كيف تستقيم.
كبر الحفيد، وكبر معه ذلك الدرس…ومرت سنوات، رحلت العجوز، وبقي الطريق.
صار الحفيد رجلًا، ثم صار له طفل، وفي صباح ربيعي أخذه إلى المكان نفسه.
قال الطفل وهو يشير إلى الزهور:
أبي، من زرعها هنا؟
نظر الرجل إلى الطريق، ثم ابتسم:
أناسٌ لم تكن لهم أرض، لكنهم قرروا أن يزهروا.
لم يفهم الطفل تمامًا…فأمسك أبوه بيده وقال:
ستفهم يومًا، ثم نظر حوله.
رأى عاملًا يمسح عرقه ويواصل عمله رغم التعب. ورأى امرأة تحمل طفلها وتمضي رغم ثقل الأيام. ورأى شابًا يفتح كتابه في محطة مزدحمة، ورجلًا خسر كثيرًا لكنه ما زال يضحك، وفتاة تمسح دمعة خفية ثم ترفع رأسها وتمضي.
وفجأة، أدرك أن الأزهار لم تكن بين شقوق الإسفلت وحدها…كانت في كل مكان.
في الذين خذلتهم الحياة ولم يتحولوا إلى قسوة.
في الذين سقطوا ولم يسمحوا لسقوطهم أن يكون نهايتهم.
في الذين لم تمنحهم الأيام ربيعًا، فصنعوا لأنفسهم واحدًا.
وفي أولئك الذين كانت قلوبهم مليئة بالندوب، ومع ذلك ظلوا قادرين على منح الحب.
نظر الطفل إلى الزهرة الصغيرة وقال: إنها جميلة.
أجابه أبوه: لأنها لم تنبت في مكان جميل.
ثم تابع سيره معه وخلفهما، ظل الطريق أسود كما كان، لكن شيئًا واحدًا تغيّر:
لم تعد قسوة الإسفلت قادرةً على إقناع أحد بأن الحياة لا تستطيع أن تزهر.



