آلام طبيبة/سميرة جدي – الجزائر

في صومعة قديمة بأطراف المدينة، قضى رجلٌ عمره في البحث عن السر الأكبر للحياة. كان يرى الناس حوله يركضون خائفين من الألم، ويفزعون عند هبوب نسائم الحزن، بينما يلهثون وراء العافية والسعادة وكأنهما غايتان منفصلتان بالكلية عن باقي المشاعر.
في إحدى الليالي، رأى في منامه أنه يقف أمام لوحة عملاقة أبدعها رسامٌ خفي. كانت اللوحة مليئة بالألوان الزاهية والمشرقة، لكنها كانت تبدو باهتة ومسطحة، لا عمق فيها ولا روح.
فجأة، ظهر الرسام في المنام وحمل فرشاة ملطخة باللون الأسود الداكن والرمادي الكئيب، وبدأ يخط بها ظلالاً داكنة في أسفل اللوحة وخلف أشكالها المضيئة. صرخ الرجل معترضاً: “ماذا تفعل؟ كيف تشوه هذا الجمال بالسواد والظلام؟”
التفت إليه الرسام وابتسم بهدوء قائلاً: “يا بني، أنت ترى الظل تشويهاً، وأنا أراه أصل النور. لو أردتُ أن أريك القمة، فلا بد أن أرسلك أسفل الوادي. وبدون هذه الألوان الداكنة، لن تدرك عينك أبداً أين ينتهي النور وأين يبدأ الضوء”
استيقظ الرجل من نومه، وكأن حجاباً قد أُزيح عن بصيرته. تأمل في حال البشر وجسدهم ونفوسهم، وأدرك الحقيقة الفلسفية التي غفل عنها الكثيرون:
إن الألم ليس إلا “خادماً” للعافية؛ هو الشفرة التي تطرق بها العافية باب الوعي لتقول: ” احفظني واشكر وجودي”. فلولا مرارة الوجع لما كان للصحة طعمٌ يُميّز، ولأصبحت مجرد حالة محايدة لا تنبض بالامتنان.
وإن الحزن ليس إلا “خادماً” للسعادة؛ هو العمق الذي يحفره الجرح في الروح ليتسع بعدها لمحيطات الفرح. فلولا ظلمة الحزن، لغدت السعادة عادةً مفرغة من المعنى، لا هزّة فيها ولا أثر.
منذ ذلك اليوم، كفّ الرجل عن لعن لحظات السقم أو أيام الكدر، وصار يستقبل الألم والحزن كرجلين حكيمين جاءا ليُعدّا له مائدة العافية والسعادة، معلنين أن الخادمين قد أتقنا عملهما، وأن وقت الحصاد يحين بعد الجهد و العطاء.


