دريدا والأدبي/تيموثي كلارك-ترجمة حسام نايل

لا يزال من الشائع تقديم عمل دريدا إما بوصفه تطرفًا راديكاليًّا في البنيوية، لا سيما فيما يتعلق بالطبيعة العلائقية للعلامة، أو بوصفه نسخة أوروبية من ثنائية الكلية/النسبية البارزة في الفلسفة الأنجلوسكسونية. كذا لا يزال تعبير «ما بعد البنيوية»، وهو أحد أعراض هذا التلقي، يحجب الطبيعة الدقيقة لمصدر كتابات دريدا في المشهد الفلسفي الأدبي الفرنسي، حيث لا مفر من هيدجر وبلانشو.
يقدم دريدا في مقاله «القوة والدلالة» Force and Signification (١٩٦٣م) (Writing and Difference, pp. 3–30) تفسيرًا للنزعة البنيوية، كما يقدم أيضًا تفسيرًا متعارضًا للغة الأدبية يتماشى في خطوطه العريضة مع ما جرت مناقشته في الفصلين السابقين. فاللغة الأدبية تتميز بإشارتها إلى مسائل أنطولوجية أساسًا. وكما هو حال الشعر عند هيدجر، يتعلق الأدبي تعلقًا خاصًّا بأمر يزيد على أي موجود ويتعداه، ألا وهو «اللاشيء الجوهري الذي يمكن على أساسه لكل شيء أن يظهر ويبرز داخل اللغة» (Writing and Difference, p. 8):
«الكتاب النقي، الكتاب في حد ذاته، بحكم ما لا يمكن الاستغناء عنه فيه، لا بد أن يكون «كتابًا عن اللاشيء» الذي كان يحلم به فلوبير … ولا بد أن يعترف الناقد بهذا الفراغ بوصفه موقف الأدب ووضعه، وبوصفه ما يؤسس خصوصية موضوعه. ألا وإنه ما يجب أن يتحدث عنه الناقد باستمرار» (Writing and Difference, p. 8).
ولا يمكن تمييز هذه الفقرة، في حد ذاتها، عن كثير من أعمال بلانشو المعاصرة. فالاعتقاد بأن غياب أي كائن قد لا يصبح أبدًا موضوعًا لأي تمثيل يجعل الأدبي بنية غريبة ﻟ الظهور بوصفه انسحابًا. و«نظرًا إلى أن اللاشيء ليس موضوعًا»، فعلى الناقد أن يهتم ﺑ «الطريقة التي يَتحدد بها هذا اللاشيء نفسه عبر تلاشيه واختفائه» (Writing and Difference, p. 8). ومنشأ النص الأدبي هذا في حركة المحو هو ما يسميه دريدا «القوة» force. وهي «قوة» تتعارض، من ثَم، مع التركيز على «الشكل» form الذي يميز البنيوية بفرضياتها التي تهتم ﺑ «القوة والدلالة».
ويختلف هذا البيان حتى الآن عن الأوصاف المتداولة ﻟ «التفكيك». إذ لا يتحدث دريدا مثلًا عن تحليل «الاستبعادات» و«الاندماجات» في النص التي «تجعل النسق معتمدًا اعتمادًا تأسيسيًّا على عوامل لا يمكنه توحيدها أو احتواؤها».١
والأكثر من هذا، تختلف معالجة دريدا لنصوص مالارمه وبلانشو اختلافًا كليًّا عن قراءاته للمجازات الفلسفية. فمثلًا، يفحص مقاله «الحضور أصلًا غائيًّا ووحدة الكتابة» Ousia and Grammé، فحصًا دقيقًا تكوين المفاهيم الفلسفية والعلاقات التبادلية بينها (مفهوم الزمن مثلًا في ذلك المقال) للكشف عن أسبقية اشتغال قانون الخلل الوظيفي في تأسيس المفاهيم الميتافيزيقية. وذلكم وجه من وجوه عمل دريدا يمكن القول إنه قد صار مألوفًا تقريبًا، ويشكل مدخلًا — في كتابه «مواقع»٢ — إلى حالة طريقة في التفكيك (بكل ما تنطوي عليه هذه الفكرة من مخاطر)، أعني شكل الجدل أو الديالكتيك الذي يدين به دينًا كبيرًا لهيجل، إلا أنها ترفض استيعاب عمل النفي في الكلي. وتُعَد معالجة دريدا لمفهوم «الأدب» مثالًا على هذا الإجراء. فبينما يتأسس مفهوم الأدب بتعارضه — مثلًا — مع الفلسفة ومفاهيمها (الحقيقة/الخيال، الحَرْفي/المجازي)، نجد دريدا يقلب أولًا هذه الأسبقية المفترَضة للفلسفي بتبيان أن شيئًا «أدبيًّا» فاعلٌ فعلًا لا محيد عنه في تكوين المفاهيم الفلسفية، الأمر الذي دعاه ثانيًا إلى تشكيل حد جديد يمكن بمقتضاه تصور «الأدب» خارج المفهوم الذي كان يشمله سابقًا. وبرغم ذلك، لا تهتم معالجات دريدا لنصوص أدبية بعينها بتشكيل المفهوم أو تكوينه على هذا النحو تمامًا.
يقول جوناثان كالر:
«وتلفتنا مناقشات دريدا للعمل الأدبي إلى مجموعة مشكلات مهمة، مع أنها ليست تفكيكات بالطريقة التي كنا نستعمل بها المصطلح، إذ سيتأثر النقد الأدبي التفكيكي تأثرًا أساسيًّا بقراءاته للأعمال الفلسفية».٣
ولا يزال هذا الموقف غريبًا إلى حد ما؛ فحتى لو كانت إحدى نتائج عمل دريدا رَج الخطوط الفاصلة بين الأدبي والفلسفي، فقد غاب المغزى المميز لمقالاته التي تناول فيها شخصيات من أمثال مالارمه Mallarmé، وجويس Joyce، وبونج Ponge، وسيلان Celan … إلخ — غاب هذا المغزى حتى عن دراسات قيمة مثل كتاب كالر «عن التفكيك». والأكثر من هذا، فمع أن دريدا تقبل عمل بول دي مان بوصفه متممًا عمله،٤ فقد اختلفت معالجتهما للنصوص الأدبية اختلافًا ملحوظًا، برغم ميل النقاد إلى دمجهما معًا. والطموح الرئيسي لهذا الفصل رسم معالم الطابع الذي تتميز به معالجة دريدا للأدبي.
يشكل مقال «القوة والدلالة» أساس التقارب بين مقالات دريدا عن الأدب ومقالات بلانشو:
- فأولًا: «يُحتفَى» بالكتابة عندهما على قدر تحريرها المعنى من ملابسات السياق المباشر وتوجيهه إلى أفق إمكانات غير متوقعة: «الكتابة تبدع المعنى عبر تنشيطه، وإسلامه إلى النقش والثَّلْم والشق، إلى سطح يتميز أساسًا بأنه يقبل الانتقال بلا حدود» (Writing and Difference, p. 12).
- وثانيًا: تُعرَّف اللغة «المتحررة» عندهما من منظور استدعاء مباينة مالارمه بين الخطاب الشعري والخطاب اليومي. وأما الكتابة فهي متحررة من التصورات الأداتية عن اللغة، لأن ما يؤسسها هو تعليق الإحالة المباشرة. فكلما تحررت الكتابة من كونها علامة إشارية أو أداة تواصل، تتمكن من أن «تقول ما تَكونه العلامة من دون دلالة، عبر إحالتها [الكتابة] إلى نفسها فقط» (Writing and Difference, p. 12). لذا، «تُولَد الكتابة شأنها شأن اللغة» عبر علاقة جوهرية باللاشيء. «ولقد تحدث هيدجر عن الكلام الخالص الذي لا يمكن تصوره في إطار صرامة «ماهيته» المستندة إلى «طبيعته بوصفه علامة»، «ولا حتى المستندة إلى طبيعته بوصفه دلالة»» (Writing and Difference, p. 13). والفكر الأدبي هو فكر ذلك العدم [اللاشيء] التأسيسي الغريب.
- وثالثًا: تَظهر مرة أخرى مسألة «الآخر». وكما هو الحال مع بلانشو وهيدجر، تُسمي هذه الكلمةُ الحدثَ في الشعر، والمعنى والنقش الذي يفلت من أي سيطرة أو تحكم أو توقع بشري. ولسنا ها هنا بعيدين عن وصف بلانشو لمالارمه فيما يتعلق بالكلام النقي: «لا أحد يتكلم الكلام ولا أحد يَكون ما يتكلمه، كما لو أن الكلام يتكلم إلى نفسه» (The Siren’s Song, p. 113). وكذلك عند دريدا تنطوي الكتابة على «المحل الذي يوجد فيه الآخر» (Writing and Difference, p. 11). إذ يشارك الآخر في الكتابة من منظور ثانويةٍ لا مفر منها في المعنى المكتوب، لأنه حتى في كونه منقوشًا يقدم المكتوبُ نفسَه بوصفه مقروءًا في الوقت نفسه عبر صدى الدلالات غير المتوقعة في فعل النقش. وعليه، طبقًا لدريدا «لا يوجد المعنى قبل فعل الكتابة، كلا ولا بعده» (Writing and Difference, p. 11). فالآخر يحدد فضاء «التبادل المؤجَّل بين القراءة والكتابة» (Writing and Difference, p. 11). ولعل هذا الآخر مرتبط بما يناقشه دريدا — في موضع آخر — من منظور الصوت الأوسط (Margins of Philosophy, p. 9): «الآخر … يصون كلًّا من اليقظة والحركة ذهابًا وإيابًا، فالعمل بغُدُوِّه بين الكتابة والقراءة يجعل نفسَه غير قابل للاختزال» (Writing and Difference, p. 11).
وليست الكتابة، هنا، طرفًا صريحًا في نقد نزعة التمركز الصوتي المميزة للميتافيزيقا الغربية (see Of Grammatology, first published 1967). بل ترتبط الكتابة ارتباطًا أساسيًّا بتصور يناهض أداتية اللغة وما يترتب على ذلك من مسائل تتعلق بطريقة وجود النص الأدبي.٥ ويسبق هذا التصورُ الراديكالي عن الكتابة — المدين دينًا كبيرًا لبلانشو — كلماتِ «التفكيك» و«علم أنساق الكتابة» زمنيًّا، إنْ لم يكن يسبق الممارسة التي ترسمها تلك الكلمات.
ولعل قدرَ الإبهام أو الغموض الكبير الذي يحيط بعمل دريدا ناجمٌ عن أن فكرته عن الأدب littérature — طبقًا للنهج الذي أوضح معالمه العريضة في كتابه «مواقع» — تكمن في استعماله استعمالًا جديدًا.٦ والحق إن هذه الفكرة — كما يقول دريدا في مقاله «خارج العمل» Outwork (١٩٧٢م) (Dissemination, pp. 3–54) — تتعارض بصفة خاصة مع تصور الأدب المتعارف عليه:
«لماذا ينبغي على «الأدب» أن يظل يشير إلى ما ينفصل بالفعل عنه — عمَّا جرى تصوره والإشارة إليه تحت اسمه — أو عما يدمره تدميرًا لا هوادة فيه، ولا يكتفي بمجرد الروغان منه؟» (Dissemination, p. 3).
وكما هو حاصل مع بلانشو وهيدجر برغم ذلك، فهذا الاستعمال الجديد (مثل الشعر أو السرد) يُعيِّن أمرًا يتصل بقضايا الماهية المتجاهَلة في المصطلح بمفهومه الأكثر اعتيادًا. لذا، يُسمِّي الأدبُ littérture ما يَكون «أدبيًّا» على نحو راديكالي في الأدب literature، بدلًا من ممارسة جديدة في الكتابة كليًّا. ومرة أخرى، يلعب اسم مالارمه دورًا في تعيين ظهور هذه الممارسة الراديكالية في الكتابة، فاهتماماته تتجاوز اهتمامات النقد الأدبي. يقدم الأدب «لاموقعًا» يمكن من خلاله الاقتراب من آخر الفلسفة الذي هو الهم الأساسي لدى التفكيك. إنه مصطلح ينطبق على بعض النصوص أكثر من غيرها، وبخاصة أن دريدا يشير «إلى اتجاهات بعينها تعمل حول حدود مفاهيمنا المنطقية، وإلى نصوص بعينها ترج حدود لغتنا». وبعد أن أتى دريدا على ذكر مالارمه في هذا الشأن، أشار إلى «أعمال بلانشو وباتاي وبيكيت».٧
تُعد قراءة دريدا لعمل مالارمه «محاكاة» Mimique نموذجًا على إقحام الأدب ضمن حدود الشعر. وتنطوي على فكرتين رئيسيتين متعارضتين. أولًا: يهتم دريدا بمن كتبوا عن مالارمه، لا سيما جان بيير ريشار Jean-Pierre Richard، في محاولة منه لزحزحة مفهوم «المثالي»، المركزي عند مالارمه، عن القراءات الثيماتية والأفلاطونية الجديدة. فيغدو «المثالي» حركة بين النصوص تتعارض بالأحرى مع الأنطولوجيا الإيجابية. وثانيًا: ينشغل نص «محاكاة» بهيدجر عبر مناقشة مستمرة، وإنْ يكن هذا الانشغال غير واضح تمامًا. فالنص لا يكتفي بمساءلة التصورات المتعارف عليها عن المحاكاة من حيث هي تقليد، وإنما يسائل أيضًا قراءة هيدجر ﻟ المحاكاة من حيث هي ظهور الكائن؛ أي يسائل باختصار الشعرَ، وإن لم ينص على ذلك صراحةً.
ولعله من الضروري الآن عرض تلخيص موجز لنص مالارمه. فحوى نص «محاكاة» نقل المونودراما من الإيماء إلى اللغة وتدوينها، وتتألف هذه المونودراما بأكملها من تمثيل صامت mime. فهناك بيرو٨ الذي يحاكي (على سبيل التذكر) خطته النهائية التي رسمها لقتل زوجته بدغدغتها حتى الموت.
يعيد بيرو أداء سلسلة الأحداث محاكيًا أفعال القاتل والضحية على حد سواء. ويركز دريدا، من بعد مالارمه، على البنية الزمنية الغريبة في كتابة بيرو الإيمائية: «يحاكي بيرو — «في الحاضر» — اقترافَ جريمة قتل «في ظل مظهر زائف للحاضر» (Dissemination, p. 200). ويشير دريدا، هنا، إلى ثلاث سمات يمكن ملاحظتها في هذا الأداء، السمة الأولى: لا بد من فصل التمثيل الصامت mime عن فَهْم المحاكاة mimesis الكلاسيكي بما هي تمثيل representation: «فلا تقليد imitation هنا، التمثيل الصامت لا يقلد شيئًا. فبيرو منذ البداية لا يقلد أو يحاكي شيئًا، إذ لا يوجد شيء سابق على كتابة هذه الحركات أو الإيماءات» (Dissemination, p. 194) فهو لا يكرر حاضرًا قد تَعين من قبل. التمثيل الصامت «كتابة» أصلية (أو هكذا يبدو)؛ بمعنى أنه إنتاج. ومن ثَم، يغدو هذا الرجلُ بتمثيله الصامت المنتِجَ والنتاجَ والخشبةَ نفسَها أو مشهدَ عملية الإنتاج على نحو شديد الغرابة. «الممثل المسرحي يُنتج نفسَه هنا. والصحيح هنا: أنا بذاتي، من تلقاء نفسي، كنت الممثل المسرحي الحقيقي هنا!» (Dissemination, p. 198) والكتيب الذي يصفه مالارمه بأنه (بيرو قاتل زوجته Pierrot Murderer of his Wife) ليس سيناريو script بل هو تدوين بعد الحدث، تدوين كتابة صامتة إيمائية لا تقلد شيئًا. والسمة الثانية: لأن نص «محاكاة» لا يتماشى مع التصور الكلاسيكي عن المحاكاة من حيث هي تقليد، فلا يخضع لمعنى المحاكاة الفينومينولوجي الذي مفاده أنها نزع الحجاب عن مظهر حاضر أو تقديمه. ويقول دريدا إنه «توجد محاكاة إيمائية، دَوَّن مالارمه مخزونه الكبير منها» (Dissemination, p. 206) يحاكي بيرو اقترافَ جريمة قتل وينوه بها «في ظل مظهر زائف للحاضر». ومن ثَم، يستبقي التمثيلُ الصامت في بنيته حركةَ الإحالة التي هي أيضًا حركة إنتاج على نحو ما اتضح في السمة الأولى. وهذه المفارقة الظاهرة تفضي بنا إلى السمة الثالثة، ألا وهي أن نص «محاكاة» يدمج معنيي المحاكاة mimesis كليهما المتعارف عليهما أو يتظاهر بهما أو يلوثهما. فالمحاكاةُ بوصفها تمثيلًا مُزاحةٌ في بنية التمثيل الصامت الذي لا شيء يسبقه، والذي هو — من ثَم — شكل من الكتابة الأصلية. وفي الوقت نفسه، مع ذلك، فالتمثيل الصامت بوصفه «كتابة أصلية» هو أيضًا بنية تنويه وتقليد. ومن ثَم، لم تَعد هذه الكتابة الإيمائية توصف بأنها «أصلية» على الرغم من أنه لا شيء يسبقها. المحاكاة (في معناها الأول) تتظاهر ﺑ المحاكاة (في معناها الثاني)، والعكس صحيح. وهذه بنية يسميها مالارمه «تنويه مستمر يترك الثلج ثلجًا والمرآة مرآة من دون تهشيم أو خدش» (كما وَرَد في: Dissemination, p. 206.) ويشدد دريدا على السمات البنيوية في هذه العملية:
«وإذن، نحن أمام محاكاة إيمائية لا تحاكي شيئًا، فما نلقاه ازدواجٌ يزدوج — إذا جاز التعبير — على نحو غير بسيط، ازدواجٌ يتوقعه اللاشيء، وهذا اللاشيء ليس هو نفسه على الأقل مزدوِجًا بالفعل. الحاصل أنه ما من إحالة بسيطة» (Dissemination, p. 206).
المحاكاة لا تحاكي فحسب، وإنما هي نفسها ما يُحاكَى.
لذا، يصدع نص «محاكاة» شرحَ هيدجر للغة الشعرية في علاقتها بالاختلاف بين الموجود والوجود. ولا مفر من أن يفقد المعنى الأوَّلي ﻟ المحاكاة (ظهور المظهر)، على الأخص، الأسبقيةَ التي يعطيها له هيدجر.
إن إزاحة دريدا لبنية الظهور (معنى المحاكاة الأول) بوصفها حركة محو (ذاتي) يمكن تتبعها من منظور السؤال المتكرر ﻟ خشبة المسرح. ويثير هذا النموذج المسرحي — بصورة منظمة — سؤال «الوسط» اللامرئي الذي يصبح من خلاله التقديم ظاهرًا. إذا كانت هندسة خشبة المسرح مربعة، فسيتوقف كل شيء على الجانب الرابع أو المفتوح أو «الناقص». وذلكم هو الجانب الذي لا يظهر:
«الانفتاح يمر من دون أن يلاحظه أحد بوصفه انفتاحًا (كُوة وثقبًا)، ولكونه عنصرًا شفافًا يضمن شفافية العبور إلى أي شيء يقدم نفسَه. وبينما نبقى منتبهين مأخوذين مشدودين إلى ما يَعرض نفسَه، نكون غير قادرين على رؤية الحضور بحد ذاته، لأن الحضور لا يَعرض نفسَه، فلا أكثر من رؤية المرئي وسماع المسموع، الوسط أو «الهواء»، الذي يختفي في فعل الإذن بالظهور» (Dissemination, pp. 313-14).
ويُعد هذا النموذج المسرحي مصدرًا من مصادر دريدا الأساسية، تقريبًا في كل مقالاته التي يحتل فيها سؤال الأدب مرتبة الصدارة، وهو نموذج بارز في مقاليه عن أنتونين آرتو Antonin Artaud (وبصفة خاصة مقاله «مسرح القسوة وإنهاء التمثيل») (Writing and Difference, pp. 232–250)؛ وأيضًا مقال «التشتيت» (Dissemination, pp. 289–366)؛ ثم مقال «جلسة مزدوجة» (Dissemination, pp. 175–286)، كما أن هذا النموذج متضمن أيضًا في تصانيف دريدا القوية للحوار. تغدو «خشبة المسرح» فضاءً فلسفيًّا، وعلى الأخص هيدجريًّا، حيث تنشغل بالوجود من حيث وضعه الملتبس بين الظهور والدلالة، إذ بينما تقدم الحضورَ «لا يقدم هذا الحضورُ نفسَه … يختفي في فعل السماح بالظهور» (Dissemination, p. 314).
إن خشبة المسرح، في نص مالارمه «محاكاة»، هي إعداد غريب على الأخص، لأنها هي بيرو نفسه. ومع ذلك، تغدو العملية المسرحية نفسها هنا — بعيدًا عن صيرورة الجانب الرابع غير المرئى في مشهد التمثيل — الشاغلَ الوحيد لخشبة المسرح. وما قد يبدو حضورًا بسيطًا (المحاكاة بالمعنى الأول) «يمثل» نفسَه هنا. والأكثر من هذا، فما يجري تمثيله هنا، ويُشار إليه، لا يوجد قبل التمثيل الصامت الذي يؤديه بيرو: فعل الإحالة. وعلى المنوال نفسه، لا يوجد تمثيل، ولا تطابق بين موضوع يوجد سلفًا ودلالته. فالدلالة التي لا محل لها ترسو عنده، تغلف كليةَ ما يبدو أنه يحدث حتى أثناء إنتاجه. «هذا العاكس لا يعكس الواقع، وإنما ينتج «تأثيرات الواقع» (Dissemination, p. 206). وكل ما يبدو معروضًا هو رؤية المرئي: «فلا شيء سوى تكاثر بريق متعدد الأوجه، هو في حد ذاته ليس شيئًا أبعد من ضوئه المتقطع» (Dissemination, p. 208).
ويلزم عن هذه القراءة أن رؤية المرئي أو حضور الحاضر ليس سوى أثر بنية الطي. حين لا يُعرَض شيء سوى خشبة المسرح نفسها، لا بد أن يتبدد وَهْم العمق المسرحي. وما الجانب الرابع من الخشبة المربعة إلا سطح: أثر واقع بنية الإحالة البينية: «حضور الحاضر لا يشكله سوى سطح» (Dissemination, p. 303).
وتغدو فوريةُ تقديم بيرو أثرَ بنية الاختلاف. فما من حاضر زمني قد يُثبت حركات الإحالة. فهو يحاكي، «في ظل مظهر زائف للحاضر»، التدبيرات التي أدت إلى جريمة يُفترَض أنها ارتُكِبت في وقت التمثيل الصامت. لذا، يصبح «فعل» القتل نفسه فعلًا مركبًا على المستوى الزمني إلى حد استثنائي: توقع ما سيحدث فعلًا، فلا شيء ببساطة في متناول اليد، أو يحدث في اختلاف الأزمنة العديدة لحركات الإحالة في التمثيل الصامت:
«هذا الاختلاف من دون حضور يظهر، أو بالأحرى يحبط الظهور، عن طريق تفكيك أي زمن منتظم في قلب الحاضر. لم يَعد الزمن الحاضر صورة الأم التي يجتمع عندها المستقبل (الحاضر) والماضي (الحاضر)، ثم يتمايزان» (Dissemination, p. 210).
ومن ثَم، قد تكون خشبة المسرح الغريبة عند مالارمه مرتبطة بمساءلة أعم وأشمل أثارها دريدا بخصوص الزمن عند هيدجر في مقاله «الحضور أصلًا غائيًّا ووحدة الكتابة».٩ وعلى سبيل الإيجاز، لا بد أن يُخلي تجميعُ هيدجر لامتدادات الزمن تجاه حضور الحاضر سبيلًا أمام حركة تأطير زمني لا يمكن اختزاله وآثار بعدية غير متوقعة، وتلك مفارقة. وبينما يصل مقال «الحضور أصلًا غائيًّا ووحدة الكتابة» إلى نتيجة مماثلة بشأن الزمن عبر تحليل دقيق لمفهوم هيدجر وعلاقته بأرسطو وهيجل، نجد في مقال «جلسة مزدوجة» نتائج مماثلة مُفادها أن خللًا وظيفيًّا في مفهوم الزمن يعمل بشكل واضح بوصفه طريقة لوجود نص مالارمه.

