نازك الملائكة / لؤي التميمي

نازك الملائكة… شاعرَة الوزن لا شاعرَة الشعر: حين نصحو من عبادة الأصنام الأدبية
ما يزال المشهد الثقافي العربي – للأسف – يجرّ وراءه ظلال تقديسٍ قديمٍ لأسماءٍ تحوّلت مع الزمن إلى أصنامٍ أدبية لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلتها. ومن بين تلك الأسماء نازك الملائكة، التي طالما رُفِعَت على منصّات الريادة، لا لبهاء شعرها ولا لقوة صورها، بل لأنها صادفت زمن التحوّل، فكانت صوتاً مبكّراً لا أكثر. غير أن الريادة لا تعني الإبداع، تماماً كما لا يعني اكتشافُ العَروض أن الخليلَ الفراهيدي كان شاعراً.
أعمال كاملة… بلا روح شعرية
حين نقف أمام أكثر من 1100 صفحة من “الأعمال الكاملة” التي أصدرتها دار الشؤون الثقافية في العراق، نفترض أننا سنغوص في عالم شعري متنوع، ثري، ناضج، يبرر المكانة التي رُفعت إليها الشاعرة على مدى عقود. لكنّ القارئ المتفحص سيُفاجأ – بل سيصدم – بأن الجزء الأول كله تقريباً مكوّن من قصائد عمودية تتغيّر فيها القافية كل بيتين أو ثلاثة، وكأن الشاعرة كانت تتصور أنّ التجديد يبدأ من تغيير القافية، لا من تغيير الرؤية.
واللافت أن معظم قصائد هذا الجزء مكتوبة على البحر المديد والبحر الخفيف، حتى ليخيّل للقارئ أن الشاعرة لا تمتلك حيلة عروضية غيرهما. إنّها قصائد تُشبه التمارين المدرسية: التزامٌ صارم بالوزن، مقابل خواءٍ في الصورة والشحنة العاطفية والدهشة الشعرية.
هل هذا شعر؟ أم تدريبٌ على الشعر؟
الشعر الحر… بلا شعر
وفي الجزء الثاني، حيث يُفترض أن روح نازك الملائكة تتجلى، وأن ثورتها الإبداعية تصل إلى ذروتها، نجد قصائد “الشعر الحر” خالية من أية نبضة شعرية حقيقية. بناء متكسّر، خطابية مباشرة، وافتقاد شبه كامل للتوتر الشعري أو الطاقة الصورية التي تمنح القصيدة حياتها.
والأدهى من ذلك أنّ قصيدتها الأشهر “الكوليرا” – التي تُقدَّم دائماً بوصفها مثالاً على الريادة والجمال – ليست إلا نصاً خطابياً يعتمد تفعيلة المتدارك، يغلب عليه الشرح والتقرير، ويكاد يخلو من أي عمق جمالي. ضجيجٌ بلا موسيقى. بكاءٌ بلا شعر.
موهبة العروض… لا موهبة الشعر
إنّ نازك الملائكة كانت “تتقن الوزن” بلا شك. كانت عروضيّة بارعة، دقيقة، واعية بالبنية الإيقاعية. لكن امتلاك أدوات النظم لا يعني امتلاك موهبة الشعر. فالشعر ليس علماً، بل موهبة. وليس وزناً، بل روح. وليس تمريناً عروضياً، بل اشتعال داخلي يخلق صورة لا تُنسى وسطراً يترك أثراً.
ومهما قلبنا صفحات الديوانين، فلن نجد بيتاً واحداً يرقى إلى مرتبة “الخلود الشعري” الذي تركه شعراء أقل شهرة منها بكثير. لا صورة مبهرة. لا انفعال إنساني عميق. لا صياغة خارقة. فقط قصائد كثيرة… كثيرة جداً، لكن بلا أثر.
إنّ الخليل الفراهيدي – وهو أستاذ العَروض – لم يكن شاعراً، ولم يُطالَب بأن يكون كذلك. لكنّ نازك الملائكة قُدِّمَت كشاعرة، وها نحن نكتشف أنها أسرفت في الوزن، وقصّرت في الشعر.
الخروج من عبادة الأسماء
لم يعد من الممكن أن نبقى أسرى تقديس “الأصنام الأدبية” لمجرد أنها سبقت غيرها. الريادة الزمنية ليست معياراً للجمال، كما أنّ المبالغة في الإطراء لا تحوِّل النصوص الضعيفة إلى قصائد عظيمة. آن الأوان أن نقرأ بعيون مفتوحة، وأن نعيد تقييم تراثنا بلا تهيّب ولا خضوع لسلطة الأسماء.
إنّ نازك الملائكة قد تكون رائدة في مسار التغيير، لكنّها ليست رائدة في الشعر. وشتّان بين الأمرين. عرض أقل



