هل كان إبراهيم الخياط شاعراً؟أم أن النقاد اخترعوا له قصيدة لم يكتبها؟ لؤي التميمي
إبراهيم الخياط

هناك ظاهرة طريفة في مشهدنا الأدبي العراقي: يكفي أحياناً أن تضع الكلام في أسطر قصيرة، وتكثر من مفردات مثل «النهر» و«الدم» و«الوطن» و«الذبول»، ثم تترك حول النص قليلاً من الغموض، حتى يخرج لنا ناقد بوجه شديد الجدية ليعلن أننا أمام تجربة شعرية استثنائية!
وإذا كان صاحب النص محبوباً، وصاحب علاقات واسعة، وشخصية ثقافية معروفة، فالمهمة تصبح أسهل.
عندها لا يعود السؤال:
أين الشعر؟
بل يصبح السؤال:
كيف تجرؤ على القول إن هذا ليس شعراً؟
ومن هنا يبدأ السؤال الذي ربما يزعج كثيرين:
هل كان إبراهيم الخياط شاعراً؟
رحم الله إبراهيم الخياط. كان شخصية ثقافية وإدارية معروفة، وشغل منصب الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ 13 أيار 2016 حتى وفاته في 28 آب 2019، وكان محبوباً في الوسط الأدبي، وله حضور وعلاقات ومواقف يعرفها أصدقاؤه وزملاؤه.
لكننا هنا لا نحاكم الرجل.
نحن نحاكم النص.
والنص، مع الأسف، لا يعرف المجاملة.
حين أعود إلى ما قرأته من كتاباته، لا أجد ذلك الشاعر الذي بالغ بعض النقاد في تقديمه لنا. أجد كاتباً ناثراً يوزع جمله على أسطر قصيرة، ثم يأتي بعض النقاد ليضعوا فوقها تاج «الشعر».
وهنا لا بد من التوقف عند شهادة الناقد فاضل ثامر، لأنها ليست عبارة هامشية، بل حكم نقدي كبير على تجربة الخياط.
فقد ورد في قراءة منشورة عن ديوان «جمهورية البرتقال» أن فاضل ثامر قال:
«إبراهيم الخياط… شاعر يمتلك صوتاً متميزاً بين أقرانه، شاعر يذكّرني بالسياب وسعدي يوسف، فهو يمتلك ناصية اللغة ويجعلها تتصدر التجربة الشعرية.»
هنا، اسمحوا لي أن أرفع حاجباً واحداً فقط!
السياب؟ وسعدي يوسف؟
يا للعظمة!
نحن لم نعد أمام شاعر عراقي فحسب؛ لقد أصبح الرجل، بعبارة نقدية واحدة، واقفاً إلى جوار السياب وسعدي يوسف!
لكن السؤال الذي يبدو أن أحداً لم يرغب في طرحه هو:
أين القصيدة التي تسمح بهذه المقارنة؟
أنا لا أناقش هنا مكانة فاضل ثامر، ولا أجادل في حق الناقد في أن يعجب بنص أو شاعر. أنا أناقش الحكم نفسه حين نضعه أمام النصوص.
فالناقد مهما كان اسمه كبيراً لا يستطيع أن يحول النثر إلى شعر بمجرد أن يصفه بأنه شعر.
وإلا فما الحاجة إلى القراءة أصلاً؟
يكفي أن نقول:
«هذا شاعر».
فينتهي الأمر!
لا يا سادة… السطر ليس شعراً!
خذوا مثلاً هذا المقطع من «جمهورية البرتقال»:
بين الأسى
واستدارة النهر الذبيح
كانت خطاي
تنبئ بالجفاف
تقرأ سورة الماء المدمى
والسؤال البسيط الذي يبدو أن علينا أن نخجل من طرحه:
أين الشعر؟
أنا لا أسأل عن النية.
ولا عن العاطفة.
ولا عن شهرة الكاتب.
ولا عن عدد الذين صفقوا له.
أسأل عن البناء الشعري.
لماذا قطعت الجملة هنا؟
ولماذا وضعت هذه الكلمة في سطر مستقل؟
هل هناك إيقاع يفرض هذا التقطيع؟
هل هناك تفعيلة تحكم حركة النص؟
هل هناك موسيقى تجعل هذه الأسطر قصيدة شعر حر؟
أم أن الكاتب كتب نثراً ثم قام بتقطيعه على طريقة:
جملة هنا.
جملة هناك.
ثم قالوا لنا:
هذه قصيدة!
إذا كان الأمر كذلك، فأنا أخشى أن تصبح المطبعة شاعراً هي الأخرى.
التقطيع الطباعي لا يصنع التفعيلة
وهذه واحدة من الكوارث التي أصابت الذائقة الحديثة:
أصبح البعض يتعامل مع الصفحة كما لو كانت هي التي تنتج الشعر.
ضع الجملة في سطر طويل: نثر.
قصّرها إلى سطرين: شعر.
قسّمها إلى خمسة أسطر: قصيدة حديثة.
ضع كلمة وحيدة في نهاية الصفحة: تجريب.
أضف غموضاً: حداثة.
ثم يأتي الناقد ليضع ختمه الرسمي:
«تجربة شعرية مغايرة».
وهكذا أصبحنا نحتاج إلى قاموس كامل من المصطلحات النقدية لكي نثبت أن جملة بسيطة هي قصيدة.
لنقرأ نصاً آخر
من «مدمى الشباب»:
ساحت بحربين زنبقة ايامي
إذ ينام الوطن
كان سريري الموحش ملقياً
أبكي عليه نثيثاً
والسؤال مرة أخرى:
أين الشعر؟
أين العلاقة العضوية بين هذه الصور؟
أين البناء الذي يجعل كل سطر ضرورة فنية لا مجرد مكان جديد للجملة؟
وأين الموسيقى؟
وأين ذلك الشيء الذي يجعلنا، بعد قراءة القصيدة، نشعر أننا أمام قصيدة لا أمام نثر مزخرف؟
يمكن لأي ناثر أن يقول:
«ينام الوطن».
ويمكن لأي كاتب أن يقول:
«سريري الموحش».
ويمكن لأي شخص أن يجمع مفردات الحرب والوطن والحزن والماء والدم.
لكن الشعر ليس مسابقة في جمع الكلمات ذات الشحنة العاطفية.
الشعر طريقة في بناء اللغة.
وهنا تقع ورطة النقاد
أحياناً أشعر أن بعض نقادنا يقرأون اسم الكاتب قبل أن يقرأوا النص.
إذا كان الكاتب صديقاً: تجربة.
إذا كان محبوباً: حساسية شعرية.
إذا كان مسؤولاً ثقافياً: مشروع إبداعي.
إذا كان صاحب تاريخ: صوت مهم.
وإذا كان النص ضعيفاً:
«نص إشكالي».
يا سلام!
هذه العبارة وحدها أنقذت مئات النصوص من الموت!
اسأل الناقد:
أين الشعر؟
يقول لك: «النص إشكالي».
أين الإيقاع؟
«إنه يتجاوز الإيقاع التقليدي».
أين المعنى؟
«جماله في تعدد التأويل».
أين الصورة؟
«الصورة هنا تنفتح على فضاءات رمزية».
فتخرج من الجلسة وأنت لا تعرف هل كنت تقرأ قصيدة أم محضر اجتماع لنظرية نقدية!
أما المقارنة بالسياب وسعدي يوسف… فتحتاج إلى وقفة
حين يقول فاضل ثامر إن إبراهيم الخياط «يذكّره بالسياب وسعدي يوسف»، فنحن أمام مقارنة ثقيلة جداً.
السياب ليس مجرد اسم مشهور.
وسعدي يوسف ليس مجرد شاعر يمكن وضع اسمه بجانب أي شاعر آخر لإضفاء الهيبة على النص.
كلاهما له مشروع شعري وبناء وإيقاع وصوت وتاريخ طويل مع القصيدة.
فإذا أردنا أن نقارن الخياط بهما، فليكن ذلك من خلال النصوص.
لا من خلال المحبة.
ولا من خلال العلاقات.
ولا من خلال المنصب.
ولا من خلال شهادات الاحتفاء.
ضعوا القصيدة إلى جانب قصيدة للسياب.
ثم ضعوها إلى جانب قصيدة لسعدي يوسف.
ودعوا القارئ يحكم.
لكن لا تقولوا لنا:
«إنه يشبه السياب».
ثم تمنحونا نصاً نثرياً مقطعاً إلى خمسة أسطر وتطلبون منا أن نصفق.
الشعر لا يحتاج إلى واسطة
هذه هي النقطة التي يبدو أن بعض النقاد نسوها:
الشعر لا يحتاج إلى واسطة.



