ماساوكا شيكي : قصائد من على فراش المرض/ بنيامين يوخنا دانيال

أصيب الشاعر المجدد و الناقد و الأديب الياباني الكبير ماساوكا شيكي ( 1867 – 1902 ) بالسل الرئوي لأول مرة و هو في الواحد و العشرين من عمره , و كان ذلك في شهر أيلول عام 1889 ( 1 ) , لما كان طالبا بالمدرسة التحضيرية لجامعة طوكيو الإمبراطورية التي التحق بها عام 1890 ( 2 ) , و تفاقم بعدها مرضه على نحو بين و سريع , فاضطر معه لترك الدراسة عام 1892 , لما كان في المرحلة الجامعية الثالثة , و كان ينفث دما ( السعال المدمى ) , و لازمه الداء حتى مماته مشلولا , بعد صراع مرير مع هذا المرض المقيت الذي انتشر أخيرا في هيكله العظمي المنهك ( التهاب الفقار السلي – السل الفقري – بوت ) .
و كان ( شيكي ) خلال السنوات الأخيرة من عمره طريح الفراش , تغطيه الدمامل السلية المؤلمة ( الخراج السلي النقيلي ) و مختلف التقرحات , عاجزا عن التقلب , و محدود الحركة , و بخاصة حركة الجزء السفلي من بدنه الواهن , بسبب تلك الدمامل التي كانت تفرز القيح دوما , و لكن دون فقدانه للقدرات العقلية و اللغوية , و دون تأثر حباله الصوتية , مع احتفاظه بقدرته على الكتابة , إلا في أيامه الأخيرة حيث كان يملي مؤلفاته على أخته ( ريتسو ) و والدته ( ياي ) ( 3 ) , مع الاعتماد على المورفين بالدرجة الأساس , و على غيره من المسكنات المتوفرة آنذاك للتخفيف من آلامه المبرحة .
و قد كتب ( ماساوكا شيكي ) خلال تلك السنوات ( 1895 – 1902 ) العديد من الأعمال الأدبية الخالدة التي أدرج معظمها ضمن ( أدب المرض ) الذي يزخر به عموم الأدب الياباني , و في جميع مراحله , مثل قصائد ( يامانؤويه نو أوكورا و ماتسوو باشو و تاكوبوكو إيشيكاوا و كاتسوشيكا هوكوساي ) , ومنها قصائد تانكا و هايكو , وثق بها ( ماساوكا شيكي ) أوجاعه الشديدة و معاناته المريرة التي تحملها بصعوبة بالغة , و لكن دون أن يستسلم , و دون أن يكف عن الكتابة , و ليبلغ بذلك ذروة نضوجه الإبداعي , و تطبيقا لمبدأ ال ( شاسي ) الذي استحدثه , و سعى من أجله حتى آخر أيامه , و يعني ( الرسم التخطيطي للحياة أو المحاكاة المباشرة للطبيعة و الواقع ) , بحسب وصف العالم اللغوي و المترجم المعروف ( د . دونالد كين ) ( 1922 – 2019 ) مؤلف ( شمس الشتاء تشرق في الداخل : حياة ماساوكا شيكي , مطبعة جامعة كولومبيا 2013 ) الذي كتب قائلا : ( يمثل شعر المرض عند شيكي ذروة نتاجه الإبداعي , و أحد مظاهر التحديث في الأدب الياباني المعاصر ) . و هناك وصف قريب قدمه ( د . بيرتون واتسون ) في كتابه ( ماساوكا شيكي : قصائد مختارة , مطبعة جامعة كولومبيا 1997 و 1998 ) و آخر قدمته ( د . جانين بيشمان ) في كتابها ( ماساوكا شيكي : حياته و أعماله , دار تواين للنشر 1982 ) . و أوصاف إشادة و ثناء قدمها ( هيرواكي ساتو , إيتشيكاوا سايشوه , شيبا ريوتارو , و تسوبوي شيجيو ) و غيرهم كثر . و نقدم أدناه إضمامة من ( قصائد المرض ) ل ( شيكي ) الموزعة بين التانكا و الهايكو , و المترجمة من اللغة الإنكليزية , و هي كما يلاحظ غير ( قصائد الموت – وداع الحياة – الجيسي ) الثلاث المشهورة التي كتبها ( 4 ) , و التي سنتناولها قريبا في مقال آخر :
( 1 )
لا أعلم
متى سينتهي ألمي
و لكنني جعلتهم يزرعون
بذور الزهور الخريفية
في الجنينة الصغيرة
كتب شيكي هذه القصيدة في أواخر ربيع 1901 , و كان ملازما لفراشه المتواضع بطول ستة أقدام يابانية تقليدية ( شاكو ) أي ( 180 سم ) ( 5 ) , بسبب تطور السل الرئوي لديه إلى السل العظمي الشديد , و كان متقبلا لفكرة الموت المحتوم في حالته التي انقطع الأمل تماما من إصلاحها أو شفائها .
( 2 )
رأيت زهور الوستارية
في كاميدو
في ربيع العام الماضي
تذكرتها الآن
عند رؤيتي لها مجددا
أعرب فيها الشاعر عن شوقه البين لمحاسن الطبيعة التي ما عاد يستمتع بها , و هو على هذا الحال , و مقارنا اياها عند رؤيته لها مع تلك التي في معبد ( كاميدو تينجين ) بطوكيو الزاخر بمثل هذه الزهور الآسرة التي طالما جذبت الزوار من كل صوب , ومستخدما هنا أسلوبه المبتكر المعروف بشاسي الذي يعني الرسم أو التخطيط من واقع الحياة .
( 3 )
لم يعد موجودا
الرجل الذي كنت التقيه
في المرآة
أشاهد الآن وجها ضالا
يذرف الدمع
( 4 )
ثمة شجرة برتقال بالقرب من نافذتي
حيث أتمدد بجانبها سقيما
تتفتح و تتناثر أزهارها
ثم تثمر
لم أزل مريضا ها هنا
كتبها في خريف عام 1897 , و يقارن فيها بين حالة جسده المنهك جراء المرض و بين الدورة الحيوية المعطاءة الخصيبة و النماء المستدام .
( 5 )
ستائر الشباك مسحوبة
ما برح الإمبراطور
يخفي حبه
تسقط أشعة شمس الصباح
على زهرة الفاوانيا القرمزية
يعرب فيها الشاعرعن عجزه الشديد عن الحركة داخل غرفته شبه المعتمة , و التي ما عاد يستطيع مغادرتها , و تعزله الستائر عن العالم الخارجي , و تمنعه من الفوز برؤية زهرة الفاوانيا القرمزية الأخاذة و الاستمتاع بنور الشمس في الخارج .
( 6 )
أحلم ببناء
عريشة من القصب
لتعتليها زهور القمر
و لكن هل سيطول بي العمر
حتى أرى الخريف ؟
تعتبر هذه القصيدة واحدة من أشهر القصائد التي كتبها شيكي , ممزجا بين الأمنية و الواقع , وهو الأسلوب الذي طغى على أعماله في أواخر حياته . أما زهور القمر , فهي أزهار ليلية بيضاء جميلة على شكل بوق , تتفتح عند الغسق و حتى شروق الشمس . تتسلق بسهولة و تحتاج إلى دعامات لتسهيل ذلك , و ترمز إلى الجمال المؤقت و البريق في العتمة .
( 7 )
وضعت إضمامة
من زهور الوستارية
في المزهرية
و لكنها قصيرة جدا
و لا تبلغ حصائر التاتامي
يعرف عن التاتامي بأنه حصير ياباني تقليدي له العديد من الاستخدامات , نسج قديما من لب قشر الأرز و نبات الأسل .
( 8 )
انسكب ماء الجردل
قطرة إثر قطرة
و ذهب سدى
ما أشبه قطرات الندى على زهور الخريف
بحبات اللؤلؤ
ربط ( شيكي ) في قصيدته هذه بين حادثة بسيطة , و هي انسكاب ماء الجردل و خسارة الماء الموجود فيه و المنظر الطبيعي الجميل السائد خارج غرفته التي لا يستطيع مغادرتها و إن لفترة قصيرة , و ذلك تطبيقا لمبدأ ( الشاسي – التصوير من واقع الطبيعة ) أيضا , و الذي طرحه رسميا و للمرة الأولى من خلال مقاله النقدي و النظري الشهير ( السرد – النثر السردي – جوجيبون ) المنشور في جريدة ( نيهون ) عام 1990 كأداة فعالة مؤثرة لتحديث الهايكو و التانكا , و الذي أعده النقاد الحجر الأساس في تحديث الأدب الياباني في عصر ( ميجي ) ( 1868 – 1912 ) . و هو مبدا تعددت آراء و قراءات النقاد و الكتاب بخصوصه , و لم تزل , و منهم ( ماكوتو أودا ) ( 1933 – 2007 ) الذي أنصف ( شيكي ) على نحو بين , و ( كانيكو توتا ) ( 1919 – 2018 ) الذي انتقد طريقة فهم هذا المبدأ عند البعض , و تلميذه ( تاكاهارا كيوشي ) ( 1874 – 1959 ) الذي اعتمد مبدأ الموضوعية التامة في الشاسي , و ( هارو شيراني ) ( 1951 – ؟ ) الذي نظر إلى ( الشاسي ) كضرورة لإنجاء الهايكو و التانكا و لحمايتهما من الفناء .
( 9 )
إنها تثلج
باستطاعتي رؤية ذلك من خلال
الثقب الموجود في النافذة الورقية
( 10 )
كل ما يشغلني
في هذا المنزل المغطى بالثلج
هو تمددي ها هنا
( 11 )
أتناول التفاح الأخضر
بإزاء زهرة الفاوانيا
سأقضي نحبي
كتبها شيكي في شهر أيار 1899 , و كان عليلا , شاعرا باقتراب أجله , و تم ذلك بكل بساطة و بوعي مباشر . و هو يصف هنا كيفية تناوله التفاح الأخضر الذي أحبه بالاضافة إلى فواكه أخرى مثل البرسيمون ( الكاكي ) التي تحتفل بها اليابان في 26 تشرين الأول من كل عام , و منذ عام 2005 بعد أن استحدثه ( الاتحاد الوطني لبحوث الفاكهة ) تكريما له , و ذلك استنادا إلى حدث مهم يعود إلى اليوم الذي كتب فيه شاعرنا قصيدة أخرى حول الكاكي في عام 1895 عند زيارته لمعبد ( هوريوجي ) في ( نارا ) ( 6 ) . و هناك إشارة إلى هذا الجانب من صديقه المقرب الروائي ( ناتسومي سوسيكي ) ( 1867 – 1916 ) عندما أشار في روايته ( سانشيرو ) إلى تناول ( شيكي ) ل ( 16 ) حبة منها في وجبة واحدة ( 7 ) , و لذلك سمي ب ( عاشق الهايكو الآكل للكاكي – كاكي كوو هايكو كا ) بناء على وصيته قبل وفاته , و إشارة إلى عبارة وردت في مقالة له جاء فيها ( أخبركم , كنت آكلا للكاكي , و محبا للهايكو ) .
———————–
( 1 ) – بين ( 1888 – 1889 ) وفقا لبعض المصادر .
( 2 ) – عرفت هذه المدرسة باسم ( يوبيمون ) , و كانت تهدف إلى تأهيل الطلاب علميا و لغويا قبيل دخولهم بالجامعة , وفقا للنظام التعليمي الحديث السائد في عصر ( ميجي ) .
( 3 ) – ابنة العالم والمفكر الكونفوشيوسي المعروف ( أوهارا كانزان ) ( 1875 – 1818 ) . تعلم منه خارج المدرسة حفيده ( شيكي ) أسس الأدب و الشعر الكلاسيكي لما كان في السابعة من العمر .
( 4 ) – ينظر : ( قصائد الموت اليابانية ) , ترجمة بنيامين يوخنا دانيال , ( حانة الشعراء ) , عدد يوم 29 / 8 / 2026 . و ( الموت .. قصائد يابانية ) , ترجمة بنيامين يوخنا دانيال , مجلة ( المنار ) , عدد يوم 1 سبتمبر 2026 .
( 5 ) – بحسب وصفه في مذكراته ( فراش مريض طوله ستة أقدام – بيوشو روكوشاكو ) التي كتبها عام 1992 . و له أيضا مذكرات بذات الموضوع بعنوان ( قطرة حبر بوكوجو إيتيكي 1901 ) و ( ملاحظات متفرقة أثناء الاستلقاء على ظهري – جيوغا مانروكو 1901 – 1902 ) .
( 6 ) – ترجمنا من الإنكليزية و نشرنا قصيدة الهايكو تلك و ثماني قصائد أخرى لشيكي حول الكاكي في عدد يوم 20 أيار 2024 من ( الأنطولوجيا ) .
( 7 ) – أشار سوسيكي إلى شيكي في الفصل الأول من الرواية المذكورة من باب التكريم الرمزي , و ذلك خلال حديث أجراه البطل ( سانشيرو ) على متن القطار مع الأستاذ ( هيروتا ) عن حب ماساوكا شيكي لفاكهة الكاكي ( البرسيمون ) , و كيفية تناوله تلك الكمية منها في وجبة واحدة . و الرواية مترجمة إلى الإنكليزية من قبل ( جاي روبين ) و صادرة في طبعتها الأولى عن مطبعة جامعة واشنطن 1977 .



