مانحةَ المطر/آدم دانيال هومه

يا مانحةَ المطر
من أدمعي يرتوي الترابُ وتغتسل الأشجارُ من تعب الغبار
فإذا مررتِ على حقول القلب أورق في شراييني الربيع
وفاض من جرح السنين نهرٌ تعمّد فيه الضوءُ
واخضرَّت على ضفتيه أغنياتُ الانتظار.
تمرّ بي هنيهةٌ أشعر فيها أنني أحاور النجوم
وأستدرج القمرَ الوحيد إلى شرفة أحزاني فيسألني عنكِ
عن امرأةٍ إذا ابتسمت تفتّحت في راحتيها حدائقُ السماء
وإذا تنفّست أقبلت من الجهات الأربع رائحةُ الخابور والجلنار.
يتقمّصني سيزيف فأرفع صخرة أيامي نحو جلجلةٍ لا تنتهي
وأرتقي متعثراً بخطايَ المثقلة بالحنين
لكنني، كلما قاربتُ ذروة الحلم، تدحرجت بي السنون
فسقطتُ في بركةٍ من الأضواء
ورأيتكِ ترفرفين فوق أمواج الفجر كيمامةٍ بلّل المطرُ جناحيها
وكأنكِ الوعدُ الذي لم تستطع آلهةُ الأسى أن تنتزعه من قلبي.
ولم أزل ألمح في الأفق گلگامشَ يمخر عباب السماء
باحثاً عن عشبة الخلود
حاملاً على كتفيه أوجاعَ أوروك وأحلامَها
ليعمّد أرضَ الفراتين بالمطر
ويردّ إلى الطين الأول ذاكرةَ الإنسان
وإلى السنابل صلواتِ الحصاد.
ما أروع القيلولة على حافة النبع في قيظ الظهيرة
حين تنام الريح في ظل الصفصاف
وتغفو الحقول على ترنيمة راعٍ بعيد
وأظل وحدي في انتظار عشتار قادمة من وراء الغيب
تحمل وهجَ شمش إلى أرض العراق
وتوقظ في المعابد الخربة أجراسَ الحياة.
ما أجمل الدنيا حين ترسمين فوق شفاهي رقصاتِ الغجر
وتسكبين في عتمة روحي خمراً من الضياء
فحبكِ لفحُ شمسٍ في الهجيرة
ونهرٌ من ذهب تغمر أنواره أطفالَ بابل
فيزهرون كالينابيع في الصحراء
ويركضون حفاةً بين النخيل ويحصدون النجوم في وضح النهار.
حين أراكِ أحس بدبيب النار في دمي
وأسمع خفقَ قلبي كطبول المحاربين على أبواب آشور.
آهٍ، يا جرحاً يتلألأ في القلب
يا سيفاً من الياسمين يشقّ صدري ولا يقتلني
يا لذةً ممزوجةً بالألم
كيف أعيش الحبَّ وحدي في قفصٍ لا أملك مفتاحه
وأنتِ المفتاح والباب
وأنتِ السجنُ وأنتِ انعتاقي؟
حبيبتي… يا مَن انبثقتِ من أيقونة الأبدية
واستويتِ على عرش الضوء
كنتِ مكتنزةً في معطفكِ بالأمطار
فإذا تجلّيتِ انحنت لخطوك الأشجار ونبتت في جبينك السنابل
وتفتّح اللوز على دروب القرى النائمة.
كنتِ مضيئةً كمرجان الخلجان
وكانت البروق تشعّ من عينيكِ
فتنير ما أخفاه الليل في كهوف روحي
وكنتِ تورقين في عينيّ كحلمٍ نجا من الذبول
وكان رنين صوتكِ كصدى ناي الرعاة في الجبال
يمتد من قمةٍ إلى قمة
حتى تفيق الصخور ويصغي الوادي إلى نجواه.
عشتار!… يا صفصافةَ الخابور
يا نخلةً سامقةً على ضفاف الحكاية
يا أول الحب وآخر ما تبقّى من صلاة العاشقين
سأحيط دوموزي علماً بأنني اشتهيتكِ حتى النخاع
وأن قلبي، مذ رآكِ، لم يعد يعرف للنجاة سبيلاً
ولا اتخذ غير عينيكِ موطناً ومقاماً.
في الحلم تأتين عاريةً كالومض، مصقولةً كالشعاع
تتهادين بين أعمدة المعبد كأنكِ نبوءةُ سومر
وتبوحين للملك الجليل بسرّ آشور في محراب آنو
ثم تعلنين للورى أن ربّاً تجلّى فوق أسوار نينوى
فاهتزّت بواباتها وأضاءت الثيران المجنّحة دروبَ العائدين.
وأنا ألملم من قيثارة أورنينا أنيني
وأشدّ أوتارها بخيوط قلبي
لعل لحناً من أعماق أور يردّ إلى الموتى أسماءهم
ويعيد إلى الأمهات وجوهَ أبنائهن الذين غابوا خلف دخان الحروب.
هذه الأرض أرضي منذ كان الطينُ يخطّ أولى حروف الخليقة
ومنذ كان دجلة يرتل للفرات أناشيدَ الأزلية
ومنذ كانت نينوى ترفع مشاعلها في وجه العدم
وتملأ ألواحها بأسرار الخليقة.
هذه الأرض أرضي
فوق ترابها تتلألأ خطوات آبائي وأجدادي
وبين شعاب جبالها يتردّد صدى أصواتهم
وفي كل ذرّة تراب أرض الرافدين قطرةٌ من عرقهم
وفي كل نهرٍ دمعةٌ من عيونهم
فكيف يغدو العراق مأوى للذئاب والغزاة؟
وكيف يصير خمرُ بابل بطعم دماء الشهداء؟
يا عشتار!… خذي فؤادي صوب طقوس الشمس
واغسليه بماء الفجر ثم علّقيه قنديلاً فوق بوابة الوطن
لعل تائهاً يعود أو أماً تهتدي إلى قبر ابنها المجهول.
لي أملُ أليعازر بالقيامة
ولي يقين السنابل أنها، وإن دُفنت،
ستشقّ أكفان التراب وتصعد نحو النور.
ولي رجاءٌ بأن نينوى ستنهض من بين أصفاد الرماد كالفينيق
تنفض عن جناحيها غبار الحرائق
وتحلّق في آفاق العراق حرّةً طليقة
تسترد من الريح راياتها ومن الليل أقمارها
ومن الغزاة أسماءَ أبنائها.
ستنهض نينوى طاهرةً مطهّرةً من كل أدران الغزاة
وستفتح للخابور ذراعيها
وتنادي القرى الغافية في منافي الأرض:
عودوا، فقد عاد الربيع إلى الحدائق
وعاد إلى أجراسنا صوتُ السماء.
عندئذٍ… سأراكِ واقفةً فوق الأسوار وفي كفّكِ قبضةُ قمح
وفي الأخرى غيمةٌ حبلى بالمطر
فتنثرين القمحَ على دروب العائدين
وتطلقين الغيمة فوق أرض الرافدين.
ويهطل المطر… يهطل على بابل وآشور
على أوروك وأور… على نينوى والخابور
على قبور الشهداء وأسرّة الأطفال
حتى يغسل عن وجه العراق رمادَ المحن
ويبعث من أضلعه وطناً جديداً.
وأقف تحت المطر عارياً إلا من حبكِ
ممتلئاً بكِ حتى أقاصي الروح وأقول: يا مانحةَ المطر
ها قد رويتِ الترابَ والشجر
فارفقي بقلبٍ ظلّ منذ ألفي عامٍ… ينتظر.
،،،،،،،،،،،
adamhomeh@hotmail.com



