مقالات نقدية

«المعلّم» ليوسف الصائغ: القصيدة التي خلدت صاحبها- لؤي التميمي

قد لا يتّفق معي كثيرون حين أقول إن الشاعر لا يُخلَّد بمجلدات شعره، بل بقصيدةٍ واحدةٍ قادرة على أن تعيش في الوجدان الجمعي للأمة. فبدر شاكر السيّاب لم يُخلّد لأنه كتب كثيراً، بل لأنّه كتب «أنشودة المطر» و*«غريب على الخليج»*، وهاتان القصيدتان وحدهما جعلتاه حجر الأساس في الشعر الحرّ العربي.

أمّا في المقابل، فكم من شاعرٍ كبيرٍ ومجدّدٍ في اللغة والبنية – كنازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، وسعدي يوسف، وسامي مهدي – رحلوا بعد أن تركوا دواوين كثيرة، ولكنهم لم يتركوا قصيدةً واحدةً تهزّ القارئ العربي وتستقر في ذاكرته، كما فعلت قصيدة السيّاب.

ورغم أن يوسف الصائغ لم يُمنح ما ناله هؤلاء من شهرة وضوء نقدي، إلا أنه كتب القصيدة التي كانت كفيلةً بخلوده: قصيدة “المعلّم”، التي وحدها كافية لأن تُخلّده في تاريخ الشعر العربي الحديث، وتجعله في مصافّ الكبار الذين اكتفوا بعملٍ واحدٍ خالدٍ ليثبتوا حضورهم في الوجدان.

يوسف الصائغ: الشاعر الذي صنع مجده بصدق التجربة

يوسف الصائغ شاعرٌ عراقيّ استثنائي، امتاز بصدق النبرة ودفء العاطفة وقدرته على تحويل المألوف إلى رؤيا. لم يكن شاعراً يتصنّع الحداثة أو يُغرِق في الرموز، بل كتب من عمق التجربة الإنسانية الصافية.

في «المعلّم» جمع الصائغ بين البساطة والعمق، بين اليوميّ والرمزيّ، فصوّر الطفل في الصفّ، المعلّم في هيئة الأب، والوطن في هيئة الكلمة الأولى التي تهجّأها التلميذ. يقول:

“هي سبّورةٌ

عرضُها العمرُ

تمتدُّ دوني..

وصفٌّ صغيرٌ

بمدرسةٍ عندَ (باب المعظّمِ)”

إنها صورة أولى لطفولةٍ عراقيّةٍ تختصر الطفولة العربية جمعاء. يبدأ الصائغ من مشهدٍ بسيط ليصل إلى تجربة وجودية شاملة. السبّورة ليست جداراً من الطباشير فحسب، بل ذاكرة وطنٍ تُكتب وتمحى.

المعلّم والوطن: وحدة الدرس والحياة

يتحوّل المعلم في القصيدة إلى رمزٍ للوطن نفسه، إلى المربّي الذي يُعلّم الحروف ويزرع القيم، إلى الضمير الحيّ الذي كان يقود جيلًا كاملاً نحو النور. يقول الصائغ:

“من يقرأُ البيت؟ قلتُ: ـ أنا

واعترتني من الزهو في نبرتي رعْدةٌ”

تلك الرعشة التي تصيب التلميذ حين يُناديه المعلّم هي رعشة المعرفة الأولى، رعشة الولادة من جهلٍ إلى وعي. ثم يعلّمهم كلمةً ستصبح قدرهم كلّه:

“ثم تهجّأتُها، دفعةً واحدةْ

وطني

وأجابَ الصّدى: وطني.. وطني”

هنا يختزل الشاعر معنى الوطن كلّه في فعل «التهجئة»، كأن الوطن كلمة نتعلمها قبل أن نعيها، ثم نعيش أعمارنا نحاول أن نفهمها من جديد.

موت المعلم: غياب القيم واغتراب الأجيال

في القسم الأخير من القصيدة، يتحول النص من حنينٍ إلى رثاء، ومن ذكرى إلى وجع. المعلم الذي كان رمز النور والصدق يموت، فيمشي الشاعر خلف جنازته:

“ماتَ المعلّمُ، منذ سنين،

وسرتُ وراءَ جنازتِهِ،

والمواكبُ تمضي، والدفاترُ مطويّة،

والطباشيرُ صامتةٌ، والكلماتْ…”

إنها لحظة فجيعة تُختصر في رموز: السبّورة، الطباشير، الكلمة.

كلّها أدوات المعرفة، لكنها صارت رماداً بعد رحيل المعلم.

إن موت المعلم هنا هو موت جيلٍ، وموت الضمير التربوي الذي كان يشكّل نواة الوعي الجمعي.

ومن هذا الحزن يخرج الخلود، لأن الصائغ استطاع أن يجعل من موت فردٍ رمزاً لموت الوطن نفسه.

القصيدة التي خلدت صاحبها

«المعلّم» ليست مجرّد قصيدة عن المدرسة أو الطفولة، بل وثيقة وجدانية عن الإنسان العربي في لحظة الوعي والاغتراب.

هي قصيدة تستدعي في قارئها تلك الرعشة الأولى حين تعلّم أول كلمة، وتُذكّره بمعلّمه الأول، وبكلمة “وطن” التي نُردّدها كثيراً ونفقد معناها أكثر.

وهنا تكمن عبقرية يوسف الصائغ: لم يكن في حاجة إلى عشرين ديواناً ليُخلّد اسمه، فقد كتب قصيدة واحدة كان فيها كل الشعر، وكل الحنين، وكل الإنسان.

الخاتمة

قد يختلف النقّاد حول المدارس والتيارات والريادة، لكن التاريخ الشعري لا يحفظ إلا من ترك أثراً في النفس.

إن نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وسعدي يوسف وسامي مهدي — على كثرة تجاربهم وتجديدهم للشكل الشعري — لم يتركوا قصيدةً واحدة تعيش في الذاكرة العربية كما عاشت «أنشودة المطر» و*«غريب على الخليج»*، أو كما تعيش اليوم «المعلّم» ليوسف الصائغ.

إن حسنتهم الوحيدة، إن جاز القول، أنهم كانوا من الروّاد الذين مهدوا الطريق، ولكن دون أن يكتبوا القصيدة التي تسكن وجدان القارئ العربي.

أما يوسف الصائغ، فقد كتبها، ومضى — تاركاً لنا معلّمه، وكلمته، ووطناً يُتلى في الذاكرة كلّما نُطقت كلمة “وطن

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading