مقالات نقدية

تحولات القص  في قصة (زيارة) للقاص هيثم بهنام بردى-د. جاسم خلف الياس

رسم تخطيطي لرجل في بدلة، يبدو هادئًا ويفكر بعمق، مع أشخاص في الخلفية.

يعد الحراك التغايري تحولات مستمرة في البنى الأدبية التي تولِّد طبقات من الدلالات المتعدّدة، وتتبّع الانتقالات بين مستويَي الواقع/الخيال، إذ أصبح مفتاحا من مفاتيح المغامرات الكتابية في إعادة صياغة الذات والواقع، وجرأة في تقويض المتسلسل، والمنطقي، والأحادي، والواقعي، والثابت، وشرطا ضروريا لتطور النوع الأدبي في حساسية متمردة، استطاعت توجيه التحولات النصية نحو غاياتها الجمالية. ورفض كل “ما للثقافة والأدب والفن والتقاليد الحضارية من عناصر تنافي في جوهرها روح العصر، وتطور المجتمع، وروح الفرد، لتفكيك تراكيبها، وإظهار هياكلها، ومميزاتها، ثم الدخول في مغامرة كتابية لخلق أدب نظيف من الأدران، وذلك اعتمادا على ما تقدمه العلوم الإنسانية من شتى الإيرادات الايجابية، ومعرفة دقيقة للأصول الجمالية الممكن استعمالها في أحد الأنواع الأدبية”  (ينظر: المدني، عزالدين، الأدب التجريبي: 28). وعلى هذا الأساس فالحراك الأدبي – بشتى أنواعه – يمثل نزوعا نحو الاختلاف، واكتشافا لسياقات تعبيرية ضمن انزياح أدبي مغاير، ومرحلة متقدمة من الكتابة. ويمثل حالة الخلق الوجودي للحظة الحرجة التي تعني “الانطلاق من المعلوم إلى رحاب المجهول، والانصراف الكلي عن المعروف بعد اكتسابه، والخروج تماما عن المألوف، والتمرد على المبتذل، وكسر المحنط، والدخول بكل جسارة في مجازفة أدبيه ومغامرة فنية، وباختصار في مسير وجودي حساس عميق لا يعرف للاطمئنان بابا، ولا يعترف للسكينة بمنفذ، ولا يسقط في التبعية، ولا يتقيد بالاستسلام”  (المدني، عزالدين، الأدب التجريبي: 28).

ولأن تحولات القص الذي نقصده في هذه المقاربة يقترب من التجريب العادي الذي يمارسه كثير من كتاب السرد، ولا يمثّله تمثيلا مطلقا، نقدم تصنيف د. صلاح فضل للتجريب في ثلاث دوائر تتمايز في كثير من الأحيان بقدر ما تتداخل في حالات كثيرة يمكن إجمالها بما يلي: (فضل، صلاح، لذة التجريب الروائي: 5. وينظر: برادة ، محمد، الرواية العربية، ممكنات السرد: 104- 105):

1-     ابتكار عوالم متخيلة لا تعرفها الحياة العادية، ولم تتداولها السرديات السابقة، مع تخليق منطقها الداخلي، وبلورة جمالياتها الخاصة، والقدرة على اكتشاف قوانين تشفيرها وفك رموزها لدى القارئ العادي بطريقة حدسية مبهمة ولدى الناقد المتخصص بشكل منهجي منظم.

2-     توظيف تقنيات فنية محدثة لم يسبق استخدامها في هذا النوع الأدبي،وربما تكون قد جربت في أنواع أخرى، تتصل بطريقة تقدم العالم المتخيل، وتحديد منظوره أو تركيز بؤرته، مثل تقنية تيار الوعي أو تعدد الأصوات أو المونتاج السينمائي، أو غير ذلك من التقنيات السردية المتجددة، مع ملاحظة أن وجود بعضها في ثقافات أخرى لا يسلب منها الطابع الطليعي التجريبي عندنا لما يترتب على جهد التبيئة والتكيف مع مقتضيات الذوق العربي وضرورة مراعاة حساسية المتلقي عند التوظيف.

3-     اكتشاف مستويات لغوية في التعبير تتجاوز نطاق المألوف في الإبداع السائد، ويجري ذلك عبر شبكة من التعالقات النصية التي تتراسل مع توظيف لغة التراث السردي أو الشعري أو اللهجات الدارجة أو أنواع الخطاب الأخرى، لتحقيق درجات مختلفة من شعرية السرد.

وعلى هذا الأساس يقترب التجريب من الحراك التغايري كونه تحولا في الوعي والتأثير، والقدرة الواعية على المغايرة التي تدرك جيدا مكونات المعادلة الموضوعية لعملية الابتكار التي تعمل على إكساب النوع الأدبي خصائص ومقومات جديدة شكلا ومضمونا على أساس الاستقصاء الدقيق لكافة المؤثرات اليومية التي تتفاعل في حياة وإدراك المؤلف. ونحن هنا على أعتاب الخروج من المسافة الضبابية التي تفصل التجريب عن الحراك التغايري، وسنجد ذلك متجسدا في المنطقة الإجرائية أكثر من تجسده في المحاولة التنظيرية.

ما وراء القص دالا مغايرا

تنماز قصة (زيارة) في مجموعة (الوصية) للروائي والقاص هيثم بهنام بردى الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة ــ 2002 بثرائها التغايري وتعبيرها عن جوهر الإبداع  القصصي، عبر الانحياز إلى نوع قصصي، أطلق عليه تسميات كثيرة ( ما وراء السرد، ما وراء القص ، الميتافكشن، السرفكشن، ضد الرواية، النرجسية، رواية الوعي الذاتي) وغيرها من التسميات، إلا أن تسمية ما وراء القص ظلت قارة في الأذهان لتعبر عن الظاهرة الموسومة بسمات وخصائص معينة ، ومنها تعلقها “بانعكساية ذاتية على عمليات القراءة والكتابة وصنع المعاني، وذلك عندما تقطع خط القصة للإدلاء بتعليقات تطفلية. وعندما تثّيم هذه النصوص وتعكس فعل القراءة والكتابة والتأويل، فإنها تشير إلى أدوار مختلفة يمكن أن يقوم بها الكتاب والقراء” ([1]) وسنقارب هذه القصة تبعا لهذه الخصيصة التي توائم حاضنة القصة شكلا ومحتوى. فبعدما زحزحت التحولات النصية الثوابت الفنية في القصة القصيرة وانحرفت بها عن معاييرها التقليدية، أخذت تتفاعل مع المعطيات الجديدة التي فرضتها المتغيرات الحياتية، فحدث أن تخلخلت عملية القص في كثير من مكوناتها، وتبلورت هذه الخلخلة في اشتغالات جديدة. هذه التحولات التي فرضتها قسوة الحروب ومخلفاتها على الواقع العراقي منذ الحرب العراقية ـ الإيرانية وحتى واقعنا الراهن، جعلت القاص يدخل مأزقه الخاص ويتغرب عن عصره، مما أدى إلى تشكيل نماذج قصصية مبتكرة وجديدة على القص العراقي والعربي. وتعد قصة (زيارة) واحدة من القصص التي سعى القاص في اشتغالها إلى مثل هذه التحولات، إذ اشتغل على تقنيات جديدة عبرت عن وعيه بالكتابة والتجريب الفني، وتعرية الواقع والجرأة والغور في نسيجه، وإمكاناتها في  قول ما يريد، في تشكيل بدا عليه الافتراق عن الاتفاقيات السرد المتوارثة.

فما هي جماليات التجريب في قصة (زيارة) وهي تشكل وعيها القصصي المختلف عن غيرها من القصص القصيرة ؟ من المؤكد أن البحث لا يجيب مباشرة على أسئلته التي يطرحها، وإنما ستتمظهر إجاباته ضمن تنظير وإجراء يؤكدان على أن “كل نص، وكل بنية، وكل ابتكار، إن لم يقدنا إلى ذائقة مضافة بالضرورة سيخلف إشكالية تخص الحاضر.. فالبعد الجمالي – الروحي كحل دينامي للمثقف يقف كمشروع مغير للإبداع من الداخل ، دون أن يفقد ذلك المغزى القائل بان الأشكال ذاتها تمتلك قدرة إجراء تعديلات على المضمون. فالحل الجمالي – الروحي بهذا الاتساع يأخذ العملية الإبداعية مأخذ الجد ، كمصير يخص النص ، وبعد ذلك، لا ينفصل عن الكينونة الداخلية للمتلقي” ([2]).

ولأن القاص التجريبي الذي يسعى إلى الاختلاف عن الآخرين من جهة، والاختلاف عن نفسه من جهة أخرى، “لابد أن ينطلق من وعي مركب بحقيقة ما يرفض وما يضيف، فهو يعرف أين (يخرق) وأين (يصل) دليله، وعي بموضع (الشرخ) حيث الجانب الميت أو الراكد الذي ينبغي اختراقه رفضا وهدما، ووعي بموضع (الوصل) حيث الإضافة المقترحة إلى التيار بما يجعله أكثر نظارة وديمومة وخصوبة” ([3]).

يستهل هيثم بردى قصته بنمط سردي يستخدم فيه ضمير المتكلم (أنا) الذي يتم بوساطته نقل الاحداث التي تخصه مباشرة ، وبذلك يكون السارد الذاتي هو صانع الفعل القصصي، والمهيمن الحقيقي في منطقة السرد، وعلى وفق هذا التحديد السردي فإنه ــ أي السارد ــ ” شخصية مشاركة في النص القصصي، ذات رؤية داخلية يتم خلالها تقديم الاحداث من وجهة نظره، فهو العالم بكل التفاصيل ، ذو معرفة شخصية واسعة بجوهر الاحداث) ([4]). يقول السارد الذاتي:

” دخلت الغرفة دون أن تطرق الباب، إندهشت لهذا الاقتحام الأنثوي المباغت لمكتبي، فاح فضاء الغرفة برائحة الأنثى وعندما أصبحت قبالتي تماما ، في الجهة الأخرى من مكتبي الانيق قالت :

  • أتسمح؟

وقبل أن أرد ، جلست على الكرسي وهي تشد طرف تنورتها نحو الاسفل ، ثم رمقتني بنظرة زاخرة بالتحدي ونبرت

  • هيثم بردى .. حسب تصوري..؟

أجبتها ونظراتي تسافر في أغوار عينيها السماويتين، علني استكنه أبعاد هذه النظرة الجليدية.

  • نعم .. أنا هيثم ، تفضلي.. هل من خدمة … 49″ .

ويستمر السارد في سرد الاحداث التي وقعت في غرفته إلى نهاية القصة بضمير المتكلم، فيصف لنا شعوره وأحاسيسه وأفكاره، فهو الشخصية التي عاشت هذه الاحداث ليس بوصفها ساردا ذاتيا فحسب، وإنما الشخصية التي تطابق اسمها مع أسم المؤلف، وهذا هو ما يهمنا في تجريب ما وراء القص في القصة القصيرة. فهل ستروى الاحداث التاريخية التي تتعلق بالسارد كما هي؟ هل سيقطع السارد خط القصة بانعكاسات على المخيلة؟  وهل سيشكل تدخله مستوى سرديا جديدا ؟ وهل تعمد في ذلك بهدف ايهامنا بأن الاحداث حقيقة، والشخوص من الواقع؟ قد تكون هذه التساؤلات وما يليها من تساؤلات أخر هي الاجوبة في الآن نفسه. فما علينا إلا أن نكمل ما وراء الاستهلال كي نرى إلى اين يقودنا هذا الفعل الكتابي. فبعد وصف لعينيها اللتين تخزران الاوراق البيض الملقاة أمام السارد (هيثم)، يناولها سيكارة لتبديد الصمت الذي ران في الغرفة، لكنها ترفض بايماءة من رأسها، ويستمر الصمت ثقيلا حتى يشبهه بتشبيه مؤكد (صحراء يكتنفها السراب)، ثم يحدق فيها بإمعان ليصف لنا شعرها وكتفيها البضين، ووجها الناصع البياض، وأنفها المستقيم، وفمها الصغير، وعنقها الطويل، لينتقل فجاة إلى تأففها بعصبية وهي تقول : – قد تتساءل عن زيارتي هذه؟ ثم تتوقف للحظة تنتظر ان يسألها ولكنه يعاود سرده الذاتي ( ولكني لم افعل ) لينتقل إلى استطرادها :

“جئت أسألك سؤالا واحدا حسب…. 50”

 وحين يطلب منها السارد (هيثم) أن يتعارفا، تجيبه بحسم :

“يكفيني ان اعرفك أنا، تستطيع ان تناديني ندى ،هدى، سميرة، باسمة..الخ…. 50”

        وهنا نتورط في حضور الوعي القرائي، فلماذا هي تصر هذه الشخصية على الاسم الموهوم الذي لا يتحدد ضمن استراتيجة التسمية لكل إنسان، وهذا يشكل استفزازا للقارئ الذي عمد المؤلف (هيثم بردى) إلى جعله شريكا فاعلا في صناعة الدلالة، ففي ما وراء القص، يكون للقصاصين ” قدرتهم على جعل القارئ واعيا بمشاركته الفاعلة، وأيضا بإلقائهم الضوء على أن القراءة وليس الكتابة لوحدها عملا تخيليا وإبداعيا. وعليه يمكن النظر إلى مواقف القارئ والكاتب في كتابات ما وراء القص من زاوية أخرى ألطف من مجرد جعل القارئ واعيا بدوره في عملية القراءة وتركيب النص، فمثلا يمكن مسرحة دور القارئ بواسطة تجسيد الشخوص بوصفهم قراء يفكرون ويناقشون ويمارسون فعل الكتابة” ([5]).  ويوهم هيثم بردى ( المؤلف / السارد) كل من لم يطلع على رواية (الغرفة 213) عند إكمال أول حوار، بأنه أراد أن يقول : إن هذه الفتاة التي اقتحمت فضائي، ما هي إلا القارئ النموذجي الذي قرأ روايتي (الغرفة 213) :

 ” قلت لها:

  • اطرحي سؤالك
  • لقد قرأت آخر رواية صدرت لك.

قلت لها باسما:

  • الغرفة 213؟
  • نعم
  • حسنا وماذا بعد

تجاهلت سؤالي وهتفت:

لم جعلت زكريا يموت بهذه الطريقة؟…..51″ .

إلا إن من قرأ الرواية سيدرك أن هذه الفتاة التي اقتحمت الغرفة ما هي إلا شخصية ورقية صنعها المؤلف في الرواية . وهنا يتفعل دور ما وراء القص في تدخل المؤلف لشرح المواقف السردية التي تستوجب التدخل، إذ يجعل المؤلف (هيثم بردى) السارد (هيثم بردى) يقلب قلمه بين السبابة والوسطى باحثا عن الإجابة فيقول:

 ” إنها الطريقة المنطقية التي عالجت بها خاتمة الرواية، كان يجب أن يستشهد.

قاطعتني بصوت كحد السيف.

  • بل يموت

استفزتني فتواترت لهجتي.

  • أنت مخطئة يا آنسة..

وتوقفت علني اضفر بإسمها ، لكنها عندما عاينت فمي المفتوح قالت:

  • نادني بأي إسم.

أجبتها بغتى ، ببرود صقيعي

  • أعتقد أننا خطان متوازيان.

وأنشأت ألملم أوراقي متحاشيا النظر اليها، قامت ووضعت كفيها على حافة المكتب ، وأنهضت جسدها بعنف ثم نبرت بصوت كزئير لبوة غاضبة.

  • ستبقى تكتب نصوصا محنطة، ما دمت تسكن هذا البرج ، إنول أيها الأستاذ وتنفس هواء الواقع.

أنزل؟

ورشقتني بنظرة ازدراء وخرجت كما دخلت ، دون ان تغلق الباب… 51 – 52″. 

لقد زجنا السارد/ المؤلف في هذا المقطع في فضاء ما وراء القص وهو يعتمد التناص الذاتي لرواية هيثم بردى (الغرفة 213) ، وقد جعلها قصة عن القصة حسب ليندا هيتشون، أي القصة التي تتضمن تعليقا على سردها هوبتها اللغوية، إذ لاحظت مع ماك كافري وأومندسن باتريشيا واو أن إحدى الصفات المعرفة لأعمال ما وراء القص هي إختيار قضايا القراءة والقراء والكتابة والكتاب ، بوصفها موضوعات اهتمامها الرئيسة، فضلا عن تضمين الكتاب والقراء بوصفهم شخوصا في النص والحديث عن الكتب بوصفها جزءا مكتملا مع النص ([6]).

“مد لي سيكارة فتناولتها منه ساهما، ليس بغريب عني، أشعلها لي بمقدحة قديمة تفوح منها رائحة البنزين ، وقال بصوت خخفيض:

  • اسمي زكريا.
  • تشرفنا.. قاطعني
  • هيثم بردى
  • يبدو أنك تعرفني جيدا ، لابد أن صباح كلمك عني؟
  • كثيرا …. وفجأة قال مستطردا
  • أهنئك على روايتك (الغرفة 213).

قلت متباهيا:

  • شكرا هل قرأتها؟
  • من الغلاف للغلاف .
  • ما رأيك بها؟
  • جميلة لولا نهايتها!
  • ما بها؟

جلس لصقي وقبل ان يتحدث قلت له:

  • آه .. أعذرني لقد نسيت أسمك.

(….)

بعد وقفة قال بصوت عميق لافت للنظر:

  • أسمي زكريا.. زكريا سليمان ابراهيم

قلت له فجأة :

  • عجيب .. أسمك يطابق تماما أسم بطل الرواية
  • هذا مجرد مصادفة غريبة….. 55 – 56″

بعدها يناقشه زكريا في محورين، جاء الأول بضمير الغائب ” لو كنت نبهت زكريا إلى الحالة التي كشفها صوت ضميره حين كان يُصلي أذنيه بالحقيقة المروعة…56″ والثاني بضمير المتكلم “إنك وضعت نهاية غير موفقة حين جعلتني أموت مثل حشرة…57” . وهنا يتمظهر الذهول على السارد قائلا:

” – تموت..؟!.

– مثل حشرة.

نهض فجأة ونظر اليّ من عِلٍّ بآحتقار، ورعد بصوته العاصف.

– مثل حشرة أيها الروائي الواعد.

مادت الصالة تحتي، لم أقوَ على النهوض، همست بوجل.

– من أنت؟.

بهدوء، أجاب.

– زكريا، أنا زكريا بطل الرواية…57″.

هذا التركيز على الشخوص التي تهتم بالقراءة والكتابة وتأويل الكلمات، والعوالم المكتوبة يشير إلى الطريقة التي تبتدع بها الانظمة القصصية التخيلية على رأي باتريشيا واو ، إذ إن كتابات ما وراء القص تكتب بواسطة شخوص في النص، وهذا يعني أنها تبتكر من جديد، من قبل شخوص أخرى حين تناقش أو تؤول. “ ([7]).  وبعد أن اختفى زكريا من أمام السارد، انتشرت ملامح وجهه ــ أي السارد ــ في السقف، الجدران، الأرائك، الصور، وأثاث الصالة، وصرخ “- زكريا .. زكريا، مهلا يا رجل….57” ودار حول نفسه ، ووجه زكريا يحاصره ، ويشعر باسوداد يغلف رؤاه، فيتهالك على كتف صباح الذي دخل بعد ذهاب زكريا “- هيثم… هيثم، ما الذي جرى..؟ ما خطبكَ؟…58” ويهوى على خده بصفعة، فيقول السارد الذاتي / هيثم عن نفسه:

 “شعرت على أثرها بحواسي تنسل إلى جسدي ثانية، وقفت كالتمثال وراوزت عينيّ، كان صباح واقفا قبالتي وفي مقلتيه سؤال.

– هيثم ؟!.

سمعت صوتي.

– زكريا كان هنا.

– أي زكريا؟.

– بطل روايتي (الغرفة 213)…..58″

إلا إن (صباح) الشخصية الرابعة في القصة ، أخذ ينظر إلى الحدث برؤية تشوبها الغرابة والتعجب، فطوق كتف السارد/ هيثم “هامسا: – أنا آسف. وضاحكا.- كان لها صدى هائلا….58”. وهذا يؤكد حقيقة أن كل من السارد وهيثم قد تبادلا الادوار في هذه القصة وتطابقت اعمالهما بالتمام والكمال . ثم يدعوه إلى النوم، ولكن السارد / هيثم يجيب هذه الشخصية بثقة مطلقة، ليقنعها بأن زكريا فتح له باب الشقة وكلّمه، وأخيرا تركه بعد أن أشعل حرائقه. غير أن صباح كان واثقا من نفسه أيضا بأن الشقة مقفلة، والمفاتيح ها هي بين كفيه. ويزداد استغرابه من الامر فيتساءل:

 “- كيف دخلت الشقة…؟.ويهرول نحو النافذة، فيجدها موصدة، ويرجع وعيناه تقدحان سؤالا لغزا: – أقلتَ انه فتح الباب؟.- أجل…فتهالك على الأريكة وأنشأ يفرك صدغه ثم قام نحو المغسلة قائلا:- سأبتلع قرصا منوما….59” .

هذه الغرائبية التي تمثلت في مرتكزين : الأول تدخل السارد الذي شكل مستوى سرديا جديدا ، كي يوهم القارئ بأنه يقرأ أحداثا حقيقية، ويمارسون حياتهم بكل واقعية ، والثاني: الفعل الغرائبي الذي شكل العلاقة المعقدة بين التخيل والواقع، والمولف / السارد بهذا الصنيع “إستفز الذهن بالطريقة التي تستطيع أن تدهش وتشوش على نفسها. فالتأثيرات الغرائبية متأتية من الافتنان الذي مصدره الحيرة أو الشك” ([8]) وهي بالتاكيد ” تنجم عن تصورات غير واقعية وتهدف إلى إشباع الرغبات اللاواعية” ([9]).. وما يهمنا هنا الجمالية التي استطاع القاص هيثم بردى ان يوفرها لنا تجريب هذا النوع من التقانات، سعيا إلى تعرية الواقع وإدانته.

ويستمر تدخل السارد/ المؤلف في الفعل الكتابي المتخيل، من خلال التعليق عليه، وقطع السرد أحيانا، والتركيز على التنظير الذي يترك إنطباعا لدى القارئ بأن كل ما يجري هو من أحداث ومواقف قد حصلت في الحياة الواقعية، وتم توظيفها في عالم القص ، فبعد إغفاءة رخية بسرعة فائقة.. يتملى السارد/ المؤلف أشياء الصالة، وينتابه حوار داخلي “مستحيل، أنه بطلي الخيالي الذي صنعته أنامل مخيلتي، كيف استحال من شخص على الورق إلى رجل حقيقي يزجرني كما زجرتني زائرة الصباح المجهولة….60” . ثم ينهض كالملسوع متسائلا بحرقة وهو يتذكر المرأة التي دخلت عليه فجأة وكلمته عن زكريا، فيستحضر صورتها في ذاكرته، شعرها الأشقر المتطاير، نظرتها الحالمة المنبثة من سحب زرق لعينين بلون البحر:

“- مَنْ تكون..؟!! أتكون هناء بطلة الرواية؟..60”

ويخاطب نفسه ولكن الكلام موجه للقارئ ليشركه عنوة في الخطاب “كن واقعيا، إنها فتاة لا وجود لها، من صنع الخيال، ولم لا.. قد يكون الخيال الوجه الآخر للواقع، قد تكون هناء شخصية حقيقية، ألم تقل في مستهل الرواية أنها مستوحاة من واقع حقيقي، إذن هناء حقيقية، ولكن من يضمن.. من يضمن.. من..؟….60”

ويقفل القاص هيثم بردى قصته بإقفال مفتوح يعود بنا إلى زكريا وهناء في روايته (الغرفة 213) بعد أن باغته النوم، وقد تشكلت في فضاء الغرفة:

 “صورة  رجل وامرأة يمشيان جنبا لجنب متشابكي الأيدي، وأمامهما دائرة تشبه الشمس…..61”.

وهنا استجابة ضمنية يمظهرها القاص لرفض (هناء) موت (زكريا) بالطريقة التي وردت في الرواية، لذا نراه يعدل عن ذلك ويمنحهما حياة جديدةن وهما يتجهان نحو الشمس بكل دلالاتها الايجابية .  

الخلاصة

يعد التجريب القصصي الذي انفتح على مستويات السرد، وطاقة التخيّل، مفتاحا من مفاتيح المغامرات الكتابية القصصية في إعادة صياغة الذات والواقع، وجرأة في تقويض المتسلسل، والمنطقي، والأحادي، والواقعي الثابت، وشرطا ضروريا لتطور النوع الأدبي في حساسية متمردة، استطاعت توجيه التحولات النصية نحو ومغامراته الجمالية. وفي القصة القصيرة (زيارة) للقاص هيثم بهنام بردى، في مجموعته (الوصية) الصادرة عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد، سعى القاص إلى توظيف تقانة القص بوصفها إحدى متكئات التجريب القصصي، إذ تدخل المؤلف والسارد من خلال التطابق التام بينهما، تعليقا وتحليلا ، فكانت قصة عن القصة ، وجعلهما يشاركان في صناعة المعنى، مما ساعد المؤلف الحقيقي على اكتساب مهارات قرائية مكنته من القراءة المختلفه، وهذا ما حدث في الاقفال الذي جاء مغايرا لما هو متخيل في القصة الأولى. ويعد هذا التجريب من أساليب التلاعب الواعي بالبنية القصصية، الذي يعد تحديا للتوقعات العادية التي يوفرها الالتزام بالنوع الأدبي .

المصادر والمراجع

  • أدب الفنتازيا – مدخل إلى الواقع – ت. ي. ايتر، ترجمة صابر سعدون السعدون، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1985.
  • أفكار في الثقافة، بنية الحوار وخطاب الحضارة، ماجد أسد دار الشؤون الثقافية العامة، سلسلة الموسوعة الصغيرة (421) بغداد.
  • جماليات ما وراء القص، دراسات في رواية ما بعد الحداثة، ليندا هيتشون وآخرين، ترجمة أماني أبو رحمة، دار نينوى للنشر والتوزيع، دمشق، 2010.
  • الحبكة المنغمة، عبد الجبار عباس، اعداد علي جواد الطاهر و عائد خصباك، دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد، 1994.
  •  لذة التجريب الروائي، دكتور صلاح فضل: 5. وينظر: الرواية العربية، ممكنات السرد أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الحادي عشر، من 11-13، ديسمبر 2004:
  • المغامرة السردية ، جماليات التشكيل القصصي ، رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية ، سوسن هادي جعفر، دائرة الثقافة والإعلام الشارقة ، 2010.
  •  تنويعات ورؤى في أعمال جاسم المطير، د. تيسير عبد الجبار الالوسي، انترنيت http://www.somerian-slates.com
  •  

([1] ) جماليات ما وراء القص ، دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين ، ترجمة أماني أبو رحمة: 15.

([2]) أفكار في الثقافة، بنية الحوار وخطاب الحضارة، ماجد أسد: 216.

([3]) الحبكة المنغمة، عبد الجبار عباس، اعداد علي جواد الطاهر و عائد خصباك: 224.

([4]) المغامرة السردية ، جماليات التشكيل القصصي ، رؤية فنية في مدونة فرج ياسين القصصية ، سوسن هادي جعفر: 26.

([5] ) جماليات ما وراء القص ، دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين ، ترجمة أماني أبو رحمة: 17.

([6] ) ينظر :جماليات ما وراء القص ، دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين ، ترجمة أماني أبو رحمة:15.

([7] ) ينظر: جماليات ما وراء القص ، دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين ، ترجمة أماني أبو رحمة:15.

([8]) ينظر : أدب الفنتازيا مدخل إلى الواقع – ت. ي. ايتر، ترجمة صابر سعدون السعدون: 80.

([9]) المصدر نفسه: 17.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading