مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

نشيد الملح المتفرد: قراءة وجودية سيميائية في ومضة حسين بن قرين درمشاكي – عبد الغفور مغوار- المغرب

النص

على حافة الميناء المهجور، ترك الراحلون قنديلا يرتعش في كف العتمة.

بسط “عجوز البحر” كفيه؛ شقوقهما تضج ببلورات الملح. كلما حك جرحا بآخر، تصاعد صرير يشبه الغناء.

انحنى فوق الحوض الرخامي. الماء ساكن كجثة، يعكس سماء خالية إلا من شروده.

 حين انطفأ الضوء، لم يذعر. مد يده. قبض على ملامحه. غرق الغياب في التيه.

تفرد نشيد الملح.

حسين بن قرين درمشاكي كاتب وقاص ليبي

المقدمة

تقوم القصة القصيرة جدا، كجنس سردي حديث، على اقتصاد لغوي صارم يجعل كل كلمة مشحونة بطاقة دلالية مضاعفة، بحيث لا يعود السرد فعلا حكائيا بقدر ما يصبح تجربة وجودية مكثفة. في هذا السياق، لا يقاس النص بقصته الظاهرة، وإنما بما يفتحه من أفق تأويلي، وما يراكمه من توتر بين الحسي والمجرد، وبين القول والصمت. ومن هنا تكتسب الومضة القصصية قيمتها كلحظة انكشاف لا حدثا، وأثرا لا حكاية مكتملة.

النص الذي بين أيدنا لحسين بن قرين درمشاكي وهو غير معنون وقد أبحنا لأنفسنا أن نختار له من قبلنا هذا العنوان -نأمل أن يناسبه- “نشيد الملح المتفرد” يندرج ضمن هذا الأفق الجمالي الذي يجعل من الإيجاز وسيلة لاختبار الوجود في أقصى درجاته هشاشة وكثافة. فالومضة لا تكتفي بتقديم مشهد بحري أو صورة لعجوز على حافة ميناء مهجور، وإنما تشيد فضاء رمزيا تتداخل فيه المادة بالجسد، والصوت بالصمت، والحضور بالغياب. إننا أمام نص لا يسرد بقدر ما ينصت، ولا يشرح بقدر ما يلمح، محولا عناصر بسيطة كالملح والماء والضوء إلى علامات وجودية قابلة للتأويل.

تنبني أهمية هذا النص على قدرته على تحويل المادة اليومية إلى نشيد داخلي، حيث يغدو الملح، كأثر للعمل والجرح والحفظ، صوتا يتفرد خارج اللغة المباشرة. ومن هنا لا يعود ” نشيد الملح” استعارة جمالية فحسب، وإنما أبعد من ذلك، حيث يصبح مخرجا وجوديا من العدم، وصيغة بديلة للقول حين يعجز الكلام. فالعجوز، وهو يقبض على ملامحه بعد انطفاء الضوء، لا يستعيد ذاته، بل يلامس غيابها، في حركة تختزل علاقة الإنسان بالعالم حين ينحسر المعنى ولا يبقى سوى الأثر.

تسعى هذه المقالة إلى قراءة هذا النص قراءة وجودية سيميائية، تنطلق من تحليل بنيته السردية والزمنية، وتتوقف عند شبكة رموزه الحسية، قبل أن تفكك إيقاعه اللغوي وأثره الجمالي. ولا تهدف القراءة إلى إسقاط مفاهيم فلسفية جاهزة على النص، بقدر ما تحاول الإنصات إلى منطقه الداخلي، والكشف عن كيفية تشكل المعنى من داخل اللغة نفسها، ومن احتكاك الجسد بالمادة، والصوت بالصمت.

إن الرهان الأساسي لهذه القراءة يتمثل في مساءلة الكيفية التي يتحول بها الغياب من فقد إلى نشيد، وكيف يصبح الجسد، في تماسه مع الملح والماء والعتمة، نصا يقرأ ذاته بذاته. ومن هذا المنظور، تقارب الومضة إذن كأثر مفتوح، يتيح للقارئ أن يشارك في إنتاج دلالته، وأن يعبر، عبر حساسيته الخاصة، من الصورة إلى التأمل، ومن السكون إلى الصوت.

بهذا المعنى، يشكل نص “نشيد الملح المتفرد” تجربة سردية تكشف عن إمكانات القصة القصيرة جدا في مساءلة الوجود الإنساني، وفي تحويل أقصى درجات الاختزال إلى كثافة دلالية، تجعل من الصمت نفسه مادة للقول، ومن الغياب شكلا من أشكال الحضور.

المحور الاول: البنية السردية

يقدم حسين بن قرين درمشاكي في هذه الومضة القصصية بنية سردية مكثفة تقوم على اختزال الحدث لصالح تكثيف الأثر. فالسرد هنا لا يتطور وفق منطق تصاعدي تقليدي، ولا يعتمد على تعاقب أفعال واضحة، وإنما نراه يتشكل كحركة داخلية تنبع من احتكاك الجسد بالمكان والمادة. منذ الجملة الافتتاحية على حافة الميناء المهجور يعلن النص انتماءه إلى فضاء هامشي باعتباره موقعا وجوديا معلقا بين الوصول والفقد، وبين الرسو والرحيل.

يفتتح النص بمشهد الغياب الجماعي ” ترك الراحلون قنديلا يرتعش في كف العتمة“، حيث لا يحضر الفاعل الإنساني إلا من خلال أثره. هذا الاختيار السردي يزيح الحدث إلى الخلف، ويضع القارئ مباشرة أمام نتيجة الرحيل لا أسبابه، مما يمنح الغياب أسبقية سردية على الحضور. القنديل المرتعش نجده لا يؤدي وظيفة إنارية بقدر ما يمثل بقايا معنى هش، يواجه عتمة لا تقاوم وإنما تلامس.

تظهر شخصية ” عجوز البحر” ككيان رمزي – شخصية غير مكتملة الملامح – يتشكل عبر الجسد. كفاه المشققتان ببلورات الملح ليستا تفصيلا وصفيا، إنهما محور الفعل السردي ذاته. فالفعل المركزي في النص حركة جسدية داخلية ” كلما حك جرحا بآخر، تصاعد صرير يشبه الغناء. هنا يتحول الألم إلى فعل منتج للصوت، ويتحول الجسد إلى أداة سرد، بحيث يصبح السرد نفسه نتيجة احتكاك الجرح بالجرح.

تعتمد البنية السردية على انتقالات حسية دقيقة، تبدأ من الرؤية، ثم اللمس، وتنتهي بالصوت. هذا المسار يعوض غياب الحبكة التقليدية بحبكة شعورية داخلية، تتجلى في لحظة الانطفاء حين انطفأ الضوء، لم يذعر. فغياب الذعر يكشف أن السرد لا يتجه نحو ذروة درامية، بل نحو قبول وجودي للغياب. الفعل “مد يده. قبض على ملامحه” يمثل لحظة انكفاء السرد على الذات، حيث يصبح الجسد موضوعا وفاعلا في آن واحد.

يختتم النص بجملة ” تفرد نشيد الملح“، التي لا تعمل كخاتمة حدثية، ولكن كإغلاق دائري يعيد السرد إلى بدايته، لا عبر المكان، بل عبر الأثر الصوتي. بذلك تتخذ البنية السردية شكلا حلقيا، يبدأ بأثر الضوء وينتهي بأثر الصوت، دون أن يمر بحل أو انكشاف تقليدي.

جدول يوضح آليات البنية السردية

مثال نصيوظيفته السرديةعنصر بنيوي
“على حافة الميناء المهجور”إعلان الهامش الوجوديفضاء البداية
“ترك الراحلون قنديلا يرتعش”حضور الأثر بدل الحدثالغياب الفاعل
“كلما حك جرحا بآخر”تحويل الجسد إلى سردالفعل الجسدي
“حين انطفأ الضوء”ذروة داخلية لا دراميةالانطفاء
“تفرد نشيد الملح”إغلاق حلقيالأثر الصوتي

يبين هذا الجدول أن السرد في النص يقوم على تعاقب آثار حسية تشكل في مجموعها تجربة وجودية مكثفة. فالحكاية لا تروى، وإنما تلمس وتسمع، ويتحول الجسد إلى وسيط سردي يعوض غياب الحدث بالاحتكاك، ويستبدل التسلسل الزمني بحركة دائرية مغلقة على نشيد الملح.

المحور الثاني: البنية الزمنية والمكانية

تتشكل البنية الزمنية والمكانية في نص “نشيد الملح المتفرد” كشبكة حسية لا كإطار خارجي للأحداث. فالمكان لا يحتضن السرد بقدر ما يولده، والزمن لا يسير إلى الأمام إننا نراه يلتف حول ذاته، متخذا شكل توقف وجودي. منذ الجملة الافتتاحية، يقدم الميناء باعتباره أثرا للرحيل “الميناء المهجور“، حيث يغدو المكان شاهدا صامتا على غياب من مروا به.

الميناء، وهو فضاء انتقال في المخيال الجماعي، يتحول هنا إلى نقيض وظيفته الأصلية. فهو لا يشهد وصولا ولا مغادرة، ولكنه يقف عند حافة التعطيل. هذا التحول يجعل المكان يحمل دلالة وجودية تتجاوز الجغرافيا، إذ يصبح موقعا للانقطاع، وحافة فاصلة بين الحضور والغياب. إن اختيار ” الحافة” لا يعمل كمعطى وصفي، وإنما كتموضع رمزي للكائن في منطقة وسطى لا تنتمي إلى الاستقرار ولا إلى الفناء الكامل.

يتدرج الفضاء المكاني من الاتساع النسبي إلى الانغلاق، في حركة معاكسة للحركة الطبيعية للسرد. فبعد الميناء، ينكمش المشهد إلى “ الحوض الرخامي“، حيث يفقد المكان عمقه، ويتحول إلى سطح عاكس. هذا الانتقال لا يرافقه تحول حدثي، إنه يوازي انكماشا داخليا في الوعي. الرخام، بما يحمله من دلالة الصلابة والبرودة، يثبت اللحظة ويجمدها، بينما ” الماء ساكن كجثة” يلغي أي إمكانية للحركة الزمنية.

الزمن في النص ليس زمن أفعال، إنه زمن حالات. لا توجد مؤشرات تعاقب أو امتداد، ما نلامس إلا لحظة ممتدة تتكرر داخل نفسها. إن تشبيه الماء بالجثة يعلق الزمن عند نقطة السكون القصوى، حيث يتوقف التحول، ويغدو الحاضر شكلا من أشكال الموت المؤجل. حتى السماء، التي غالبا ما تمثل الاتساع والانفتاح، لا تحضر هنا إلا كانعكاس فارغ ” سماء خالية إلا من شروده“، مما يعمق الإحساس بانغلاق الأفق الزمني.

يبلغ هذا التعليق الزمني ذروته مع انطفاء الضوء. فالانطفاء لا يعلن نهاية زمن سابق وبداية آخر، فهو يرسخ حالة توقف شاملة. ردة الفعل ” لم يذعر” تؤكد أن الزمن النفسي لا يتحرك، وأن الشخصية لا تنتظر تحولا قادما. الفعل اللاحق ” مد يده. قبض على ملامحه” لا يستعيد الزمن، نراه يعمق الإقامة في اللحظة نفسها، حيث يتحول الجسد إلى نقطة ارتكاز زمنية وحيدة.

بهذا المعنى، لا يمكن فصل الزمن عن المكان في النص، لأنهما يتشكلان معا كتجربة حسية واحدة. المكان يضغط الزمن حتى يجمده، والزمن يفرغ المكان من وظيفته الحركية. النتيجة هي فضاء زمني مغلق، لا يتقدم ولا يتراجع، نجده يدور حول ذاته حتى ينتهي إلى ” تفرد نشيد الملح” كأثر خارج الزمن الخطي.

جدول يوضح تداخل الزمن والمكان في النص

مثال نصيدلالته الزمنيةدلالته المكانية
“على حافة الميناء المهجور”تعليق البدايةفضاء هامشي
“الحوض الرخامي”تجميد اللحظةانغلاق بصري
“الماء ساكن كجثة”توقف الزمنمرآة ميتة
“سماء خالية إلا من شروده”فراغ الامتدادانقطاع الأفق
“حين انطفأ الضوء”تثبيت السكونإلغاء الاتجاه

يبين هذا الجدول أن النص يبني زمنه من خلال أمكنته، لا عبر تعاقب الأحداث. فكل انتقال مكاني يقابله تقلص زمني، إلى أن يصبح الزمن أثرا حسيا لا وحدة قياس. هكذا تتحول الومضة إلى لحظة معلقة، يتساوى فيها الماضي والحاضر، ويتفرد فيها النشيد كأنه الأثر الوحيد القادر على كسر صمت السكون دون أن يعيد الزمن إلى خطيته.

المحور الثالث: الرموز والدلالات الحسية

ينبني نص ” نشيد الملح المتفرد” على شبكة من الرموز الحسية التي لا تعمل كعناصر تزيينية، ولكن كنواة إنتاج المعنى. فالرمز في هذا النص لا يحيل إلى فكرة مجردة خارج اللغة، نحس به يتشكل من تماس مباشر بين الجسد والمادة، بحيث تصبح الحواس وسائط للوجود، لا مجرد أدوات إدراك. ومن ثم يتأسس المعنى عبر الاحتكاك، لا عبر التمثيل.

يفتتح النص رمزيته بصورة ” قنديل يرتعش في كف العتمة“، بحيث يتقاطع النور الهش مع الظلام الكلي. القنديل لا يبدد العتمة، فهو على العكس من ذلك يكشف هشاشته داخلها، مما يجعل النور علامة على الفقد أكثر مما هو علامة على الحضور. إن الارتعاش هنا يحول الضوء إلى كائن ضعيف، يوشك أن ينطفئ، معلنا منذ البداية أن المعنى نفسه مهدد بالغياب.

1- الجسد والملح: الجرح بوصفه لغة

يشكل جسد ” عجوز البحر” المركز الرمزي للنص. الكفان المشققتان ببلورات الملح لا تحيلان فقط إلى قسوة العمل أو أثر الزمن، وإنما تحولان أيضا الجسد إلى سطح كتابة. الملح، كمادة مزدوجة الدلالة، يجمع بين الحفظ والإيلام، بين منع التعفن وتعميق الجرح. وحين ” يحك جرحا بآخر“، لا ينتج ألما خالصا، وإنما ” صريرا يشبه الغناء“، يعني صوتا يولد من الاحتكاك.

هذا التحول من الألم إلى الصوت يمنح الجسد وظيفة رمزية تتجاوز التلقي السلبي. فالجسد هنا لا يعاني الصمت، فهو ينتجه صوتيا، ويحول الجرح إلى أداة تعبير. إن الصرير لا يشكل لغة مفهومة، لكنه يحمل أثرا حسيا يكفي لتأسيس نشيد داخلي، يصبح بديلا عن الكلام.

2- الماء والرخام: المرآة الميتة

ينتقل الرمز من الجسد إلى المادة الجامدة عبر ” الحوض الرخامي“. الرخام، بما يحمله من دلالة الصلابة والبرودة، يعمق الإحساس بالثبات والموت. أما “الماء ساكن كجثة”، فيقلب الدلالة المعتادة للماء كعنصر حياة وحركة، ليصبح مرآة للانقطاع. السكون هنا لا يمنح الطمأنينة، على العكس فهو يعلن نهاية الزمن الحركي.

انعكاس ” سماء خالية إلا من شروده” في هذا الماء الساكن يجعل البصر نفسه فعلا منقطعا. فالرؤية لا تفتح أفقا، وإنما تعيد الذات إلى فراغها الداخلي. السماء، التي يفترض أن تمثل الامتداد، تحضر كصورة خالية، كما أشرنا، مما يعمق الإحساس بأن الخارج لم يعد يمنح معنى، وأن الإدراك قد ارتد على ذاته.

3- الغياب والتيه: القبض على الأثر

يشكل انطفاء الضوء اللحظة الرمزية الأكثر كثافة. فحين ” لم يذعر“، يتضح أن الشخصية لا تواجه مفاجأة، فهي تحقق ما كان كامنا. الفعل ” مد يده. قبض على ملامحه” لا يستعيد الحضور، ولكنه يمسك بالأثر الأخير للذات. القبض هنا لا يعني الامتلاك، ما يعنس هو التحقق من الوجود عبر اللمس، في غياب الرؤية.

تتوج هذه الحركة بجملة ” غرق الغياب في التيه“، حيث ينقلب الغياب من فقد سلبي إلى حالة اندماج. التيه لا يظهر كضياع، ولكن كفضاء يذوب فيه الغياب، ويعيد تشكيله كحالة وجودية. من هذا الذوبان يتفرد “نشيد الملح” أثرا صوتيا خالصا، لا ينتمي إلى اللغة ولا إلى الصمت، ولكن يقيم بينهما.

جدول يوضح شبكة الرموز الحسية

وظيفته السرديةدلالته الوجوديةرمز حسي
افتتاح فضاء الغيابهشاشة المعنىقنديل يرتعش
تحويل الجسد إلى لغةالجرح والحفظبلورات الملح
مرآة الانقطاعتوقف الزمنالماء كجثة
ارتداد البصر للداخلفراغ الأفقالسماء الخالية
إغلاق دائريأثر الصوتنشيد الملح

يبين هذا الجدول أن الرموز في النص تتشابك لتشكيل بنية حسية متماسكة. فالجسد، والماء، والضوء، والملح تتحول جميعها إلى وسائط وجودية تنتج المعنى من داخل التجربة، لا من خارجها. وهكذا يصبح النص قراءة حسية للغياب، حيث لا يفهم الوجود عبر المفهوم، وإنما عبر الأثر.

المحور الرابع: الإيقاع والأسلوب اللغوي

يتأسس الإيقاع في نص “نشيد الملح المتفرد” على اقتصاد لغوي صارم يجعل الجملة وحدة تنفس لا وحدة شرح. فالإيقاع لا يستمد من الوزن أو التوازي البلاغي، ولكن يستمد من تواتر الأفعال القصيرة، وتقطيع الجمل، وتناوب السكون والحركة داخل العبارة الواحدة. اللغة هنا لا تصف الإحساس، ولكنها تحاكيه في بنيتها.

يفتتح النص بإيقاع بطيء قائم على الامتداد المكاني ” على حافة الميناء المهجور“، حيث تتسع الجملة دون توتر فعلي. غير أن هذا الامتداد سرعان ما ينكسر مع ” قنديلا يرتعش في كف العتمة“، إذ يدخل الارتعاش كقيمة إيقاعية قبل أن يكون دلالة. فالفعل نفسه يحمل تذبذبا صوتيا يعكس هشاشة الضوء.

يتكثف الإيقاع مع توالي الجمل القصيرة:لم يذعر. مد يده. قبض على ملامحه.”

هذا التقطيع لا يؤدي وظيفة بلاغية، بقدر ما يخلق إيقاعا متقطعا يحاكي حركة اليد في الظلام. فالفعل لا ينساب، نراه يقع، ويتكرر، ويتوقف، كما لو أن اللغة نفسها تتحسس طريقها.

على المستوى الصوتي، تلعب الحروف المهموسة دورا مركزيا، خاصة السين والشين، في “شقوقهما“، ” صرير“، “ساكن“، وهي أصوات تحتك بالهواء ولا تخترقه، مما يعزز الإحساس بالاحتكاك الداخلي. الإيقاع هنا صرير أكثر منه نغما، وهو ما ينسجم مع حضور الملح كمادة خشنة لا لحنية.

تبلغ الحركة الإيقاعية ذروتها في الخاتمة “تفرد نشيد الملح”، حيث تتسع العبارة فجأة بعد سلسلة من الجمل القصيرة. هذا الاتساع لا يعيد السرد إلى الخطية، بل يفتح الصوت على انفراده، جاعلا الإيقاع ذاته أثرا قائما بذاته، لا وسيلة عبور.

جدول يوضح آليات الإيقاع اللغوي

مثال نصيالأثر الإيقاعيآلية لغوية
“قنديلا يرتعش”تذبذب صوتيفعل حركي
“مد يده. قبض على ملامحه”تقطع حسيجمل قصيرة
“صرير يشبه الغناء”احتكاك سمعيأصوات مهموسة
“الماء ساكن كجثة”إبطاء الإيقاعسكون صوتي
“تفرد نشيد الملح”اتساع ختاميجملة مكثفة

يبين هذا الجدول أن الإيقاع في النص هو بالفعل أحد أشكال المعنى وليس مضافا. فاللغة لا تحكي الغياب، إنها تجعله مسموعا، وتحول الصمت إلى حركة داخلية تقاس بتردد الجملة وليس بطولها.

المحور الخامس: التأثير والقراءة التركيبية

يتجاوز نص “نشيد الملح المتفرد” حدود الومضة القصصية ليقدم تجربة كتابية تقوم على تحويل الخسارة إلى أثر، والغياب إلى صوت. فالنص لا يعرض مأساة، ولا يستدعي شفقة، بقدر ما يقيم في منطقة وسطى حيث يصبح الوجود قابلا للإدراك فقط من خلال ما يتركه خلفه.

لا ينهض النص على حدث يمكن اختزاله، ولا على شخصية قابلة للتأطير النفسي، نراه على جسد يكتب ذاته عبر الاحتكاك. بهذا المعنى، لا يقرأ النص كقصة، وإنما كتجربة حسية لغوية، يشارك القارئ في إتمامها عبر الإصغاء لا التفسير.

يحقق النص تأثيره من خلال هذا الانزياح عن السرد التقريري، إذ يجعل من القارئ شاهدا لا مستهلكا، ومن اللغة جسدا لا أداة. ف” نشيد الملح” لا يشرح، ولا يرمز بمعناه التقليدي، وإنما يفعل، ويترك أثرا يستمر بعد انتهاء القراءة.

الخاتمة

تكشف قراءة ” نشيد الملح المتفرد” أن القصة القصيرة جدا، حين تبلغ أقصى درجات وعيها بذاتها، لا تختزل المعنى بل تكثفه. فالإيجاز هنا لا يؤدي إلى الفقر الدلالي، وإنما إلى انضغاط التجربة الوجودية داخل لغة مشدودة إلى حواف الصمت.

إن النص، من خلال بنية سردية حلقية، وزمن معلق، وشبكة رموز حسية، وإيقاع لغوي متوتر، يحول الجسد إلى نص، والملح إلى صوت، والغياب إلى أثر قابل للإصغاء. وبهذا يقترح درمشاكي عبر هذه الومضة السردية شكلا من أشكال الكتابة التي تواجه العدم لا بالشرح، ولكن بالإنصات.

من هنا، يتفرد ” نشيد الملح المتفرد” كنص لا يبحث عن معنى نهائي، بقدر ما يفتح مساحة يتقاطع فيها الجرح والصوت، السكون والحركة، الغياب والحضور. إنها كتابة لا تقول الوجود، نحس بها تلمسه، وتترك للقارئ مهمة مواصلة الإصغاء حيث تتوقف اللغة.

لائحة المراجع

1- درمشاكي، حسين بن قرين، رتق الريح. (قيد الصدور).

2- باختين، ميخائيل. شعرية دوستويفسكي. ترجمة: د. جميل نصيف التركيتي. دار توبقال، الدار البيضاء، 1986.

3- بلانشو، موريس. أسئلة الكتابة. ترجمة: نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي. دار توبقال، الدار البيضاء، ط.1، 2004.

4- كريستيفا، جوليا. علم النص. ترجمة: فريد الزاهي. دار توبقال، الدار البيضاء، ط. 1، 1991.

5- هيدغر، مارتن. الوجود والزمان. ترجمة: د. عزت السيد أحمد. دار الفكر الفلسفي، دمشق، 2012.

6- بنكراد، سعيد. السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها. دار الحوار، اللاذقية، ط 3، 2012.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading