مقالات نقدية

الرمز الحيواني في قصائد فتحي النصري السردية : الصرار و الديك في قصيدة الصوت – أ.مالك بن فرحات

رجل يتحدث في فعالية مع ميكروفون أمام طاولة تحتوي على زهور ومواد مطبوعة، مع كتب في الخلفية.

إن حشرة الصرار لا تعدو في نظر  الثقافة التونسية مجرد حيوان ضئيل قبيح ينفر منه و يحاول التخلص منه عبر ضربه بالنعال و هذا ما ينطبق على أكثر الحشرات ، حتى إن الناس يتهاجَون بتشبيه بعضهم بعضا بها في الحقارة و القبح ، و  ، لكننا ننفي أن يحضر الصرار في قصيدة الصوت للشاعر التونسي فتحي النصري الواقعة في ديوانه جرار الليل بهذه الدلالة السلبية ، و الدليل على ذلك أنه مرتبط بصبا الشاعر ، أو بعادة كان يفعلها الشاعر و خلانه في أيام الصبا :

أيام كنت و خلاني

نصطاد صراصير

و نودعها الأحقاق

و نربيها أجناسا….

فالصرار أيام الصبا كان يُربى و يودع الأحقاق التي هي أوعية ذات أغطية تتخذ من خشب أو من عاج كما تربى الحيوانات الأليفة و كانت تسمى مثلها :

فالزيتوني سليل الليل

و الخروبي و ذو الصنج الذهبي

إذن فالصرار في القصيدة ليس هو الصرار الذي يستبشع و ينفر منه ، فما هو إذن ؟ و ما علاقته بالصوت المتبع في القصيدة ؟ نجد الشاعر يتعلل تعللا غريبا في تأويل مصدر الصوت الذي كان يقفوه في عالم الخيال :

قلت إذن هو صراري الذهبي

صرار صبايَ المنسي

و لعل الموت

ما أبلى منه سوى الجسم

و أورثني الصوت

تعلل بأن الصوت صادر عن الصرار الذي بليَ جسمه و لم يعد حيا كما كان في صبا الشاعر و لكن صوته بقي يراود الشاعر من حين لآخر ، صوته الذي منه رنين الماء و عزف الجن و خطى الطواف في الصحراء…

و هي أصوات  تبدو مستحسنة ، من صرار أمات الموت جسمه و لم يمت صوته و كان جسمه و صوته حيين معا فبقيَ صوته ، فما علاقة الصرار بهذا الصوت المستحسن ؟ و من يكون هذا الصرار ؟ إننا نعلم أنّ الصرار حشرة تملأ بصوتها الذي  عرفت به صمت الليل حتى عرفها الناس بصوتها هذا ، فهي كذلك في الواقع ، أما في الأدب فنعلم أن الصرار شخصية شهيرة في قصة قرأناها جميعا أيام الصبا و شاهدناها مرارا في أفلام الكرتون ، و هي قصة أيسوب الشهيرة الصرار و النملة ، و نعلم أن هذه الشخصية الحيوانية اقترن بها الغناء و الطرب على عكس النملة التي اقترن بها العمل و الشقاء ، و هذه القصة جعلت من الصرار يرمز إلى الفنان عامة و إلى المنشد على وجه الخصوص ، و إذا كان صرار فتحي النصري ارتبط به صوت جميل لا يقل جمالا عن صوت الغناء ، يكون صراره هو صرار أيسوب ، أي يكون رامزا إلى الفنان أو المنشد ، لكن هل من دليل يؤكد هذا القول ؟ الحق أننا كنا في شك من هذا القول حتى وقعت أعيننا على قصيدة أخرى نظمها فتحي النصري و أودعها ديوانا آخرَ من دواوينه ، و هذه القصيدة هي قصيدة السلطان التي تتصدر ديوانه أصوات المنزل و هذا بعض من نص القصيدة :

كنا أيامَ صبانا،  نصطاد صراصيرَ

و نودعها الأحقاق

نربيها أجناسا

و نسميها

فالزيتوني جناحاه بلون الزيتون

و منها الخروبي

و ذو الصنج الذهبي

و في أيام الراحة

كنا نطلق أعتاها في الحلبات

فتعلو صرصرة النصر

و في الزاوية الأقصى يأوي المغلوب إلى الصمت

و نلاحظ في هذه القصيدة تكرر الحكاية  عن عادة الصبا التي ذكرت في قصيدة الصوت ، و هي اصطياد الصراصير و إيداعها الأحقاق مع تسميتها على أنّ قصيدة السلطان ستضيف حدثا لا يوجد في قصيدة الصوت و هو إقامة المعارك بين الصراصير ، و يحضر الصرار مرة أخرى ، لكن حضوره في قصيدة السلطان و إن بدا مشابها لحضوره في قصيدة الصوت باُعتباره حيوانا كان يتسلى الشاعر و خلانه باُصطياده و حفظه و تسميته ، فإن قصيدة السلطان ستكشف لنا أن حكاية اصطياد الصراصير ليست حكاية مقصودة لذاتها ، إنما هي صورة سردية استدعاها الشاعر ليمثل لنا حكاية أخرى ، كما ستكشف لنا أنه لن يقصد بالصرار الحشرة المعروفة ، بل رمز به إلى شخص آخر،  لننظر في المقطع الموالي من قصيدة السلطان :

في عاصمة ابن الأغلب

من بين جميع الشعراء

بدا لي غيفيك

و هو الأكثر صمتا

و هو الأشيب

صرارا ليليا أعتى

كنا أيام صبانا ندعوه السلطان .

و لم نعد نشك بعد قراءة هذا المقطع في أنّ الصراصير قُصد بها الشعراء و هذا ما نقرؤه صراحة بتشبيه الشاعر الفرنسي أوجان غيفيك بالصرار و هذا يعني أن هناك شعراء آخرين تمثلهم الصراصير الأخرى و لم يذكر منهم الشاعر غير غيفيك ، و أنّ الصرار استعمل في القصيدة ليرمز إلى الشاعر الذي هو فنان ينشد الناس شعره كما أنشد صرار أيسوب ، و أن فتحي النصري إنما يجعل حكاية اصطياد الصراصير و حفظها و تسميتها و إطلاقها لتخوض معارك فيما بينها صورة سردية لتمثيل حكاية أخرى لتكون معادلا موضوعيا لهذه الحكاية ، و لا ننفي بهذا أن حكاية عادة الشاعر و خلانه في اصطياد الصراصير واقعية ، فقد تكون كذلك و قد تكون من اختراع خيال الشاعر ، و في الحالين هي صورة سردية عن حكاية أخرى نجتهد في تحديدها ، إذا سلمنا بأنّه رمز بالصراصير إلى الشعراء ، فقد يفسر اصطياد الصراصير و إيداعها الأحقاق بجمع ما دون هؤلاء الشعراء من دواوين أو قصائد و إيداعها المكتبات ، أو قد يفسر بحفظ ما دون هؤلاء الشعراء من دواوين أو قصائد و إيداعه الأذهان التي تعادله الأحقاق موضوعيا ، و تكون المعارك هي عبارة عن استعمال ما حفظ للتباري في المسامرات و المجالس بقراءة ما نظم هؤلاء الشعراء ، فتكون الحكاية تامة . و مثلما رمز الصرار إلى الشاعر في قصيدة السلطان فمن المؤكد أنه يرمز إلى الشخص نفسه في قصيدة الصوت ، أي إن صرار قصيدة الصوت شاعر، و إذا كان كذلك فالصوت الذي تعلل فتحي النصري بأنه منه إن هو إلا شعره ، و هذا الشاعر ميت و لكنه أورث صوته أي شعره ذهن الشاعر ، لكن من يكون هذا الشاعر ؟ أهو يوجان غيفيك الشاعر الفرنسي الذي وصفه بأنه أعتى الشعراء في قصيدة السلطان ؟ إذا افترضنا أنّ الشاعر الشخصية قد أصاب في تعلله بأنّ الصوت مصدره الصرار الذي هو الشاعر و أنّ الصوت هو شيء من شعره يمكننا الاعتماد على ما مثل به الشاعر الصوت في إثبات كون الشاعر المقصود غيفيك أم شاعر آخر ، لقد ذكر الشاعر من جملة ما مثل به الصوت أمرين ، عزف الجنّ و لطف الرملة في الصحراء ، و قوله عزف الجنّ يزيدنا تأكيدا أنّ الصوت شيء من الشعر، لأنه يحيلنا على اعتقاد عربي مشهور مفاده أن لكل شاعر قرينا من شياطين الجن يوحي إليه شعره ، و أن الجنّ أمة منهم الشعراء كما أن الإنس أمة منهم الشعراء ، و حسبنا قراءة رسالة التوابع و الزوابع لابن شهيد الأندلسي أو رسالة الغفران للمعري لنعرف ذلك ، و إذا سلمنا بأن فتحي النصري يحيل بذكر عزف الجنّ على هذا الاعتقاد رجحنا أنه يقصد شاعرا عربيا ، و قد يقول قائل : حتى إن قصد الشاعر التونسي ذلك فيمكنه أن يعمم هذه الفكرة على الشعراء جميعا عربيهم و أعجميهم فيخرجه من كونه خاصا بشعراء العرب ، إن هذه الفرضية باطلة بذكر الشاعر للصحراء ، و الصحراء هي بيئة الشعراء العرب البكر ، فالشاعر إذن يحيل بالصور التي مثل بها الصوت على الثقافة العربية و الشعر العربي ، فيكون الصرار مثيلا لشاعر عربي من البادية و ممن أوحت إليهم الجنة شعرهم ، و قد مات و بليَ جسمه و راح صوت شعره يعاود الظهور في ذهن الشاعر بعد أن نسيه و كان يقرأ شعره و يحفظه في صباه ، و لكننا لا يمكننا أن نجزم بهذا إلا إذا كان المقصود أن الصوت صادر عن الصرار في القصيدة ، و قد نسب الشاعر ذلك بالتعلل ثم بالاستدراك الذي عزز إمكانية أن يكون الشاعر مخطئا في تقرير مصدر الصوت ، و لكنه قد لا يكون كذلك ، لأنّ الشاعر حين استدرك إنما أكد أنه سمع أصواتا جديدة مخالفة للأصوات الأولى :

و تعللت و لكن

ها هينمة خافتة

أو حثحثة شاردة

و حفيف جناحين

معنى ذلك أن الأصوات الأولى قد تكون فعلا صادرة عن الصرار- الشاعر و الأصوات التالية عن مصدر آخر فيكون للصوت أكثر من مصدر . لكن إن كانت الأصوات الأولى محيلة على صوت شاعر منسي فما قصة الأصوات التالية ؟ حتى نقترب من فهم ذلك علينا أن نعود إلى تحديد الوجهة التي يتوجهها الشاعر في تتبع الصوت و العالم الذي يوجد فيه ، لنجد أن الشاعر  بصدد ممارسة ما يسمى بحلم اليقظة ، و هو بفعل ذلك يسرح بمخيلته ، لكن إلى أين يذهب في هذه المخيلة ؟ إن الشاعر بذكره لشاعر يقترن صوت شعره بصباه يحملنا إلى القول بأن الصوت الذي كان يأتيه في هدأة ليله يأتيه من الماضي ، أي من عالم الذكريات ، و بما أنه كذلك فوجهة الشاعر واضحة ، إنه يتجه بذاكرته و مخيلته إلى الماضي السحيق ، الماضي المتعلق بصباه الذي أتته منه الأصوات التي كان يسمعها ، و صوت الشاعر منها ، و لعل الشاعر قد نجح بذاكرته في تتبع الأصوات الأولى التي منها رنين الماء و عزف الجنة و تحديد مصدرها ، فكانت هذه الأصوات لشاعر منسي كان يقرأ له في صباه ، فوصل من ذاكرته إلى عمق معين ، حتى إذا وصل إلى هذا العمق نادته أصوات أخرى ليتعمق أكثر في الذاكرة فصاح الديك ليقطع حبل أفكاره :

و أدركني الديك

و لم أعرف من أين

فما هذه الأصوات الجديدة ؟ نجد منها الهينمة و من أهم معاني الهينمة في المعاجم صوت الدعاء الخافت ، كما نجد الحثحثة و هي مصدر لفعل حثحث الذي يعني الاضطراب أو الحركة الدائبة ، و حفيف الجناحين معروف ، فما تعني هذه الأصوات ؟ و ما الصلة بينها ؟ هل تتصل هذه الأصوات بالصلوات و العبادة و التصوف ؟ و لم يصيح الديك على إثرها و ما دلالة الصياح ؟ قلنا سابقا إن الشاعر قد وصل بذاكرته إلى نقطة معينة حيث افترضنا أنه ذكر صوتا شعريا عربيا أصيلا من شاعر ميت ، ليدرك بذلك نسخة كان عليها في الماضي ، نسخة لصبي مولع بالشعر الأصيل و يحفظه و يحتفل بقائليه ، و لكن لعل ثمة نقطة أعمق يصدر منها الصوت تنادي الشاعر إلى نسخة ماضية أخرى منه ، نسخة الإنسان العابد المتصوف الذي دأب على الهينمة أي تلاوة الصلوات الخافتة و سماعها ، إنّ هذا المعنى غير مستبعد فالمعجم الديني حاضر في القصيدة بذكر نفحة الجنة ( نفحة عدن ) و الهينمة ، ثم إننا نجد في شعر فتحي النصري حديثا عن زيارته في صباه للأماكن التي يقدسها الناس و يصلى فيها كقصيدة سيدي بلحسن الموجودة في ديوانه أصوات المنزل ، و إذا صح هذا المعنى فسرت على ضوئه الحثحثة بالحركة الدائبة في تلك الأماكن من صلوات أو الحثحثة الدائبة إليها ، و يكون الجناحان اللذان لهما حفيف جناحي الملائكة التي تحف مجالس العابدين أو لعلهما جناحا الطفل الصغير الدالان على البراءة ، و لعل الفراغ الذي ملأه الشاعر بعلامة التنقيط بعد ذكر أصوات الهينمة و الحثحثة و حفيف الجناحين مجعول ليجتهد القارئ في إكمال المعنى المقصود ، لكن ما المقصود بإدراك الديك للشاعر و هو في خضم اقتفاء الأصوات ؟ إننا نعلم أنّ الديك يرمز إلى الصحوة و اليقظة ، و بين هذين الفعلين و صياح الديك ارتباط شرطي في الأذهان ، و الناس يربطون موعد استيقاظهم بموعد صياح الديك ،  و إذا قرأنا القصيدة وجدنا الشاعر كان إذا أراد تتبع الصوت في المرة الأولى غلبه النوم ثم أيقظه صياح الديك ، ثم أيقظه في المرة الثانية و هو يقفو الصوت في عالم الحلم حلم اليقظة ، فالديك أدركه في خضم حلمين ، حلم النوم الذي من الوارد أن يكون الصوت أتاه منه في المرة الأولى ، و حلم اليقظة الذي تتبع فيه الصوت عائدا بذاكرته إلى الماضي ، فيخرجه من حلمين يصدر منهما الصوت ، و إن صح  فإن الديك رمز الصحوة هو الذي كان ينقل الشاعر من عالم الحلم إلى عالم اليقظة ، من عالم الأصوات التي تزور الشاعر من ماضيه السحيق عله يعود إليها ، إلى عالمه الحاضر البعيد عن ماضيه ، و بذلك يكون الديك قد صرف ذهن الشاعر عن العودة إلى ماضي صباه إلى حاضره الذي يوجد فيه ، و كأن لسان حاله يقول : لقد ذهب الماضي و ذهب معه ذلك الصبي الذي كنت عليه و عليك أن تصحو من التفكير فيه و تنشغل بحاضرك الذي صرت فيه نسخة تخالف النسخة التي كنت عليها في السابق . إن صوت الديك هو صوت الحاضر الذي يريد أن يشغل الشاعر عن أصوات الماضي ، صوت التجدد و التحول عن نسخة الصبي الذي يسكن الماضي ، الصبي الذي يحب شعر شعراء البادية ، و المتزهد المتصوف المنزه عن أن تدنسه شرور الواقع . إنه الديك الذي يصرف الشاعر عن نسخته السماوية الماضية الموجودة في عالم الحلم و التي كان الصوت خيطا يوصل إليها إلى نسخته الأرضية الموجودة في عالم اليقظة ، و ليفعل الديك هذا يقطع الخيط الموصل الذي هو الصوت حتى ينكر الشاعر نسخته السماوية ، و في هذا السياق تحضرنا قصة من قصص التراث المسيحي ، و هي قصة إنكار بطرس للمسيح ، و ينسب المسيحيون في كتبهم إلى المسيح قولة يربط فيها بين إنكار بطرس له و صياح الديك و هذه هي القولة : إنك قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات

و إذا عدنا إلى قصيدة الصوت وجدنا الديك يصيح مرتين ، فكأن صياحه دلالة على إنكار الشاعر لنسخته السماوية ، و إن المدقق في سطور القصيدة يجد أن رحلة تتبع الصوت التي قرر الشاعر أن يخوضها شبهت ضمنيا بالعروج إلى السماء ، و يدل على ذلك ذكر تنسم ريح الجنة و الجنة واقعة في السماء ، كما أن الشاعر يجعل عدد الأحقاق التي ألفاها سبعا محيلا على السماوات السبع ، فالعودة إلى الماضي عن طريق الحلم إنما هي عودة إلى السماء المنحدر منها، و الديك يقطع هذه العودة و يعيد الشاعر إلى الأرض

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading