مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

دستويفسكي شاعراً / ترجمة وتقديم د.عبدالله عيسى

صورة لرجل ذو لحية طويلة يجلس بتعبير جاد، يرتدي سترة واسعة، ويبدو في حالة تأمل.

من كان يمكن أن يتخيّل أنّ دستويفسكي الّذي وُصف في العالم بأنّه الخبير بالنفس البشريّة بالفطرة، وساهمت رواياته الملهمة بمعرفة عمق الذات الإنسانيّة ،وإدخال الروح الروسيّة المبهمة إلى الوعي البشريّ كونها جزءً أصيلاً فيه ، يكتب الشعر .

والمدهش حقاً ، أنّه يكتب شعراً ساخراً لاذعاً ، وللأطفال أيضاً ؛وشعراَ وطنياً ملتزماً بالصيغ والمواقف الحكوميّة الرسميّة السائدة آنذاك.

ولم يكن لأحد أن يجهل موقف دستويفسكي الحادّ من السلطة ، ذاتها الّتي حكمت عليه بالإعدام في عام 1847 . بعد أنّ اتّهم بالمشاركة في نشاط حلقة بتراشيفسكي السياسيّة، المحرّضة ضدّ نظام الحكم السائد ، خاصّة أنّه تورّط بأن قرأ رسالة الناقد الشهير بيلينسكي إلى الكاتب غوغول لإطرائه على النظام المستبدّ، والّتي كانت ممنوعة، بل ومجرّمة أيضاً .

لكنّ ، الحكم يخفّف إلى أربع سنوات بالأعمال الشاقّة ، ليخدم بعدها في سيميبالاتينسكي ، وهي مدينة شرق كازاخستان .

ولا بدّ أنّ دستويفسكي القابع آنذاك في منفاه العصيّ على الحياة ، أراد إرضاء أركان السلطة الروسيّة بهذه القصائد ، مقدّماَ المزيد من التوسّل والطاعة لنشرها ، ووصولها إلى من يعنيه الأمر. ممّا كتب في قصيدة ” حول أحداث أوربّا 1854″ ،حيث أعلنت انكلترا وفرنسا الحرب على روسيا:

روسيا الّتي ذرفتْ حروباً فتّاكةً

كلّ قطرةٍ من دمٍ تألمُ لها

تذبلُ في حروبِ الدمِ الواحدِ .

لكنّ روسيا صاحبةَ القداسةِ تبقى حيّةً .

الملايينُ ،الأجيالُ لا تكلّ من مدّ أيديها إليها.

َوحدَها تفرشُ حكمَها على أعماقِ آسيا،

تهبُ الكائناتِ الحياةَ

وبّعْثَ الشرقِ العتيقِ (بما شاء الله) آتٍ بروسيا .

وهاهمُ الروسُ

منْ جديدٍ

الولاءُ للقيصرِ

الفجرُ الوهّاجُ القادم!

وسرعان ما تفشّت أخبار كتابة دستويفسكي شعراً محابياً للسلطة بالكثير من التذلّل ، فسخطت عليه الأوساط التقدميّة ، حتّى أنّ منهم من كتب مقالات ساخرة عنه، مثل الناقد والكاتب إيفان بانايف الّذي نشر مقالة في مجلة سوفريمينيك نالت منه كثيراً.

فيما رأى آخرون أنّه كان ينتصر في قصائده هذه لانتمائه العميق لوطنه ، ما تؤكده رسائله لصديقه الشاعر أبولون مايكوف .

لكنّ دستويفسكي يواصل كتابة الشعر . في شعره الساخر ثمّة حساسيّة كامنة خاصّة للتعاطي مع الأشياء ببالغ الجديّة و العظمة ، أو هكذا توحي إليك ، محمولة على أقوال مأثورة ، أو أطياف حكمة عامّة .

وإنّي أرى

وصفٌ كاملٌ للكهّانِ فقط

مضجِرٌ

وغيرُ عصريّ.

والآنَ

أنتَ

تكتبُ بأسلوبٍ رثّ.

ليسكوف !

إياكَ والفشل!

كما أنّه يهدي ، مثالاً، قصيدته الّتي عرفت باسم فيدول إلى زوجه وابنه وابنته. و يُذكر أنّه شارك زوجه آنّا غريغورفنا بإنجاز بعض القصائد . ( هي زوجه الثانية الّتي رزق منها بأربعة أطفال:ابنتان وابنان ، في حين لم يرزق بأيّ طفل من الزوجة الأولى ماريا دميتروفنا ) .

لا تَصِرْ لصَّا يا فيدول

لا تصرخْ بملءِ حُلقومِكَ

اِعْبِسْ قليلاً على الأقلّ

لستَ سكرانَ، و أنتَ لا تشربُ الفودكا.

لا تزعقْ ثانيةً ، يا ليليوك*.

كوني فتاةً طيّبةً ،

كوني صديقتَنا كلّنا،

لا كلبةَ سوءٍ.

ولا تغضبي أنتِ أيضاً ، يا أمّي.

  • اِسم عائلة.

وكذلك كتب دستويفسكي للأطفال ، كما يتجلّى في قصيدة ” هِبَةُ الربّ ” الّتي تصوّر إرادة الربّ الكامنة في أن يهدي شجرة عيد الميلاد لأطيب طفل . وهنا ، تتعدّى الطفولة عنده الزمن ، ليصبح مدخلاً لأبديّة بوّابتها الطفولة بما تحمله من براءة وحلم . لكنّ الأطفالَ لم يتعاطوا مع قصيدته هذه بالقدر الّذي تأمّله لا شكّ دستويفسكي ، فلابدّ أنّهم رأوا فيها قصيدة طويلةً ، وتقرّباً من حكمة متعالية وتمثّلاً لفكرة تلقينيّة. كما أنّ هناك مِنَ الأدباء والعاملين في حقول الأدب مَنْ يشكّك في نسب القصيدة هذه لدستويفسكي . نقتطف منها:

الملاكُ الصغيرُ الّذي أرسلَ اللهُ،

عشيّةَ عيدِ الميلادِ،

إلى الأرضِ،

قائلاً ، بالإبتسامةِ الوهّاجةِ :

بينما تعبرُ غابةَ التنّوبِ ،

اقتطع شجرةً، واهدِها للطفلِ

أطيبِ ما على هذهِ الأرضِ،

اللطيفِ ،

الرقيقِ،

تَذْكِرَةً بي “.

ومسّ الخَجلُ الملاكَ الصغيرَ، قالَ:

“لمنْ أهبُ العطيّةَ ؟

كيفَ لي أنْ أعرفَ أيّ الأطفالِ

سوفَ يفوزُ بنعمةِ الله”.

” سترى بنفسك” قالَ الربّ.

وجرى الضيفُ السماويُّ

واستوى الهلالُ ،وأشرقَ الدربُ القويمُ ،

وجاءَ إلى المدينةِ الكبيرةِ يسعى

بالخُطبِ الكرنفاليّةِ

السعادةُ

في كلّ أرضٍ

تنتظرُ الأطفالَ.

أضف إلى ذلك ، فإنّ منهم الكثير أيضاً ،وكذا أفراد عائلته والأصدقاء، ممّن ظلّ يعتقد أن دستويفسكي يتجلّى بعوالمه السحريّة وملكاته المبدعة في النثر ، وليس في الشعر . لقد كتب إليه شقيقه ميخائيل بعد أن أرسل فيودور قصائده إليه ليقرأها :” قرأت قصائدك ، ووجدتها هشّة وضعيفة .الشعر ليس من اختصاصك “.

1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading