دستويفسكي شاعراً / ترجمة وتقديم د.عبدالله عيسى
ويكاد يُتّفق على أنّ ثلاث قصائد ،شكّلت أهمّ ملامحِ عالم فيودوردستويفسكي الشعريّ ، لم ترَ في حياته . ذلك أنّ دستويفسكي ، الّذي كان على رأس خدمته العسكريّة في سيميبالاتينسكي آنذاك ، أرسل قصيدة ” حول أحداث أوربّا 1954″ ، والّتي كتبها في أبريل من العام نفسه ، إلى مسؤوليه للموافقة على نشرها ، إلا أنّ طلبه لاقى رفضاً حادّاً .
ألمْ يَصعدِ المسيحُ الصليبَ منْ أجلكُمْ؟
وقدّمَ ، طوبى، جسدَهُ المقدّسُ للموتِ؟
انظروهُ!
لا يزالُ على الصليبِ !
هوَذا دمُهُ المقدس يجري ،
ولكنْ أينَ اليهوديّ الّذي صلبَ المسيحَ الآنَ،
الّذي قتلَ الحبّ الأبديّ مرّةً أخرى؟
انظروهُ!
جسدُهُ يتقرّحُ منْ جديدٍ،
و منْ جديدٍ يحتضنُ الأسى عنّا والآلامَ،
و منْ جديدٍ تتفجّرُ عيناه بالدمعِ المكلومِ،
و تمتدّ، منْ جديدٍ، يداهُ الإلهيّتانِ،
وتُلفّ السماءَ بعاصفةٍ مزلزِلةٍ بالظلماتِ
هذهِ هيَ الآلامُ الكبرى
آلامُ أخوتِنا المؤمنينَ
وأنينُ الكنائسِ تحتَ نيرٍظلّامٍ لم يُرَ قبلَ هذا
أمرهم أن يُسمّوهُ جسدَ الربّ،
ذاتُهُ رأسُ الإيمانِ الأرثوذكسيّ بأكملِهِ
مقاتلُ الكفّارِ ضدّ الكنيسةِ،
أيّةُ فعلةٍ ظلاميّة، خطّاءة وملعونةٍ!
مسيحيٌّ ضدّ المسيحِ من أجل تركِيّ!
مسيحيٌّ – يدافعُ عن ماغاميت*!
الخزيَ الخزيَ
أيّها المرتدونَ عن الصليبِ!
*إسم منتشر في شمال القوقاز، والأصل أنّه يعني محمّد.
أمّا قصيدته الثانية ” في الأوّل من يوليو 1855″ ، والّذي يتزامن مع ميلاد القيصرة ألكساندرا فيودورفنا ، فقد كتبها صيف ذلك العام، وأرسلها لمسؤوليه حتّى وصلت وزير الدفاع طالباً أن “توضع عند قدمي صاحبة الجلالة القيصرة الأرملة “، ويصطدم رجاءُ دستويفسكي مجدداً برفض صارم.
يا إلهي!
فاجعةٌ
أنْ تضيّعَ كلّ جميلٍ ،
أنْ تنظرَ إلى الماضي، كما لوأنّكَ تنظرُ إلى قبرٍ
أنْ تقتلعَ القلبَ ، بالدمِ المتألمِ ، منِ قلبِهِ
أنْ تُرَبّي حلمَكَ المحاصرَ بالجدرانِ بالحزنِ الجبّارِ،
وتعدّ عليكَ أيّامَكَ بالهزالةِ والعبثِ الأعمى .
مثلَ تكّاتِ ساعةِ سجينٍ تكتفي بالتهمّلِ والكآبةِ .
بينما كتب قصيدته الثالثة ” وللتتويج وعقد السلام ” ، ربيع 1956،وأرسلها مباشرة إلى مدينة سان بطرسبورغ متوسّلاً أن ” يحصل على إذن القيصر بنشرها في أحد الدوريات الّتي تصدر في العاصمة”، وارتطم أمله بحائط مسدود مرّة أخرى بعدم السماح بالنشر .
يا ربّ!
باركِ القيصرَ
قيصرَنا
يسعى إلى مأثرةٍ عصيّةٍ
شائكٌ دربُهُ ووعرُ الإنحداراتِ؛
للكدحِ المُضني، والقليلِ مِنَ الهدأةِ،
من أجل تعبٍ مُهلكٍ، وراحةٍ هزيلةٍ،
من أجلِ عملٍ شجاعٍ مقدّسٍ،
مثلَ ذلكَ العملاقِ المُستبدّ،
الّذي أُفْنِيَ في الكدّ الشاقّ والتعبِ المُضني،
يا ابنَ القيصرِ، العظيمَ والمُمجّدَ،
وريثِ المساميرِ على المعصمَينِ!
العواصفُ طهّرتِ الممالكَ
والقلوبُ تقوّتْ بالألمِ الفتّاكِ.
ما أعزّكَ يا مجدَ الوطنِ الحبيبِ
للروحِ الّتي خلصتْ إليهِ حتّى قيامتِها.
لاشكّ أنّ كان ثمّة محاولات سعي يائس منقطع النظير من قبل فيودوردستويفسكي لتوكيد هويّته الإبداعيّة ، والتمسّك بتكريس ذاته في عالم الأدب ، وثقته العميقة بحفر اسمه في مجرى العمل الإبداعيّ؛ ولعلّ رسائله المبكّرة لأخيه بعد انقضاء فترة الأشغال الشاقّة شهدت على شغف استثنائيّ بتجسيد مكانة له في المشهد الإبداعيّ”لقد تجلّت فيّ احتياجات و أحلام لم تطرق ذهني من قبل . لكنّ هذا كلّه ألغاز … قد يسمحون لي بالنشر خلال ست سنوات ، وربّما أقلّ من ذلك . المصير سوف يتبدّل ، ولن أكتب الهراء ، وسوف تسمع عني ” .
ولم ينلْ دستويفسكي أيّة فرصة ، طيلة عهد القيصر نيقولاي الأوّل، لكي يتمكّن من جلب اهتمام أوساط النخبة المؤثّرة إلى حالته التراجيديّة اليائسة والبائسة في آن ككاتب منفيّ يُراد الحكم عليه بفشل غلّاب .
ولم يهدأ له بالٌ على الرغم من حصوله على ترقية عسكريّة في 26 أكتوبر عام 1856 ، إثر وصول قصيدته إلى وزير الحرب ، فقد رأى أنّ نشرها أهمّ من الترقية . لكنّ تقريروزارة الحرب عام 1865 كان صادماً للغاية :”بعد موافقة جلالته على ترقية دستويفسكي ، أمر بوضعه تحت الرقابة السريّة حتّى يتمّ التأكّد من ولائه ، ثمّ بعد ذلك تنشر أعماله” . لكنّ الإذن بالنشر تأخّر حتّى أبريل عام 1957.
ومن المؤكّد أيضاً أن دستويفسكي، و تحت وطأة رحى المنفى ، ومنعه من الدخول إلى عالم الأدب، كتب قصائده هذه بين عامي 1954و1956، مستخدماً فيها العبارات والتصوّرات الحكوميّة الرسميّة السائدة إبان حرب القرم ، وبعض العبارات الشائعة في الشعر الوطنيّ، لكنّ حالة التمزّق الداخليّ ، والرعب من عدم إيلاء قصائده الإهتمام المستحّقّ جعل حياته أشد إيلاماً.
ويمكن التكهّن أنّ دستويفسكي ، وإدراكاً منه بوظيفة الشعر الخاصّة بالقيام بمهمة إيصال رسالته للسلطة القائمة بزمن أقلّ، طالما أنّ القصّة أو الرواية لن تمارس فعاليّة الدور نفسه ،أنجز هذه القصائد ،وهو على دراية كاملة بأنّها لن تشكل بادرة جماليّة قادرة على اجتراح مآثر إبداعية تترك أثرها في مجرى الشعر الروسي العظيم ، وهو ما يبرّر عدم اكتراثه بنشرها في حياته بكتاب شعريّ،وانكبابه على النثر ليصبح أحد أعلامه في العالم كلّه.
هبةُ الربّ
الملاكُ الصغيرُ الّذي أرسلَ اللهُ،
عشيّةَ عيدِ الميلادِ،
إلى الأرضِ،
قائلاً ، بالإبتسامةِ الوهّاجةِ :
“بينما تعبرُ غابةَ التنّوب ،
اقتطعْ شجرةً، واهدِها للطفلِ
أطيبِ ما على هذهِ الأرضِ،
اللطيفِ ،
الرقيقِ،
تَذْكِرَةً بي “.
ومسّ الخَجلُ الملاكَ الصغيرَ، قالَ:
“لمنْ أهبُ العطيّةَ ؟
كيفَ لي أنْ أعرفَ أيّ الأطفالِ
سوفَ يفوزُ بنعمةِ الله”.
” سترى بنفسك” قالِ الربّ.
وجرى الضيفُ السماويُّ
واستوى الهلالُ ،
وأشرقَ الدربُ القويمُ ،
وجاءَ إلى المدينةِ الكبيرةِ يسعى
بالخُطبِ الكرنفاليّةِ:
السعادةُ
في كلّ أرضٍ
تنتظرُ الأطفالَ.
ومذْ ألقى الشجرةَ، شجرةَ عيدِ الميلادِ، على كتفيهِ،
فرحاً
مضى
الملاكُ الصغيرُ .
-أ نظروا من النوافذِ بأنفسِكمْ
هوذا ، هناكَ احتفالٌ عظيمٌ ،
حيثُ تشتعلُ الشجرةُ ، شجرةُ الميلادِ ، بالضوءِ،
كما يحدثُ في عيدِ الميلادِ
الملاكُ ، يسارعُ من بيت إلى بيت،
ليوقِنَ ، منِ الجديرُ كي يُوهبَ شجرةَ الربّ ،
ورأى فيما رأى:
أطفالٌ جميلونَ
مطيعونَ
كثيرونَ .
رأى أطفالًا كثيرين
كلّهمْ
ما أنْ طلعتْ عليهمْ شجرةُ الربّ،
حتّى نَسَوا كلّ شيء
ومنهمْ مَنْ صاحَ:
“أنا الّذي أستحقّ الشجرةَ “،
وألقى أحدٌ ما عليهِ لوماً :
“لستَ أهلاً بأنْ تكون مثلي”
وآخرُ :
” أنا أطهرُكُمْ قلباً وفماً”
-” بلْ أنا الّذي يستحقّ”
-“أنا الأجدرُ عمّن سوايَ”.
بالسكينةِ ذاتِها أنصتَ الملاكُ،
وبالحزنِ ذاتِهِ رمى عليهمْ نظراتٍ مُجلجلةٍ
كلّ يُعلي بذاتِهِ عمنْ سواهُ،
بالحسدِ المحمومِ ،
والخوفِ الفتّاكِ ذاتِهِ.
الملاكُ
أغلقَ البابَ وراءهُ
بالرأسِ المنكّسِ.
” يا إلهي !
علّمني إسمَ من يستحقّ ما وهبتَ”.
وفي الشارعِ ،
رأى الملاكُ الطفلَ الصغيرَ
واقفاً ينعمُ بالنظرَةِ المطمئنّةِ لشجرةِ عيدِ الميلادِ
المهداةِ من الربّ،
عيناهُ أشبه بساقيتينِ من الفرحِ البكرِ
“شجرةُ عيدِ الميلادِ!”
“شجرةُ عيدِ الميلادِ!”
“شجرةُ عيدِ الميلادِ!”
وباليدينِ الناحلتينِ صفّقَ.
“بي أسفٌ أنّني لا أستحقّها .
هي ليستْ لي .
لكنْ خذها لأختي على فراشِ المرضِ الأعمى.
اجعلْ قلبَها يسعدُ بالشجرةِ اليومَ .
إنّها تستحقّ شجرةَ عيدِ الميلادِ هذي .
لا تدعْها تبكي سُدًى أرجوك!”.
وبالابتسامةِ المُوحَاةِ ،
حملَ الملاكُ إلى الطفلةِ شجرةَ عيدِ الميلادِ.
وبمعجزةٍ ما،
هبطتْ نجومٌ من أقاصي السماء،
وتلألأتْ كالزمرّدِ،
واعتصمتْ بأغصانِ شجرةِ عيدِ الميلادِ.
الشجرةُ تأتلقُ الآنَ،
كما لو أنّها انكشفتْ عن رمزٍ سماويّ.
و بالفرحةِ القصوى،
يرتعشُ الصغيرُ المأخوذُ بالغبطةِ،
ولمّا أدركَ مثلَ هذا الحبّ الآسرِ حتّى الدموعِ،
أتى إلى اللهِ بِبُشرى تَسُرُّ
هِبَةً لا مثيلَ لها.
شخصيّةٌ لامعةٌ
تحدّرَ مِنْ نسَبٍ وضيعٍ،
ونما بين العامّةِ،
لكنّه ، مأخوذاً بنقمةِ القيصرِ،
وحسدِ الإقطاعيّينَ الفتّاكِ،
ألقى على روحِهِ العذاباتِ،
بالإعداماتِ والتعذيبِ والتنكيلِ،
وقامَ يُبشر الناسَ
بالأخوّةِ والمساواةِ والحريّةِ.
وفي بدءِ ثورةٍ،
فرّ إلى بلادٍ أخرى
مِنْ زنزانةِ القيصرِ،
مِنَ السُوطِ والكمّاشةِ والمطرقةِ،
فيما الشعبُ هاءَ للقيامةِ
من تحتِ وطأةِ قدرٍ مكفهرّ،
مِنْ سمولينسكَ إلى طشقندَ
انتظرَ الطالبَ بِشقّ الأنفسِ.
كانَ يترقّبُهُ بكلّ شيءٍ،
كي يمضي بلا رحمةٍ
ويمحو آثارَ الإقطاعيّين ،
ويتركَ الممالكَ متخمةً بالخرابِ ؛
فيجعلَ المُلْكَ مَشَاعاً /
والخيانةَ ، إلى أبدٍ ، لانتقامِ الكنائسِ





