مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

 حين تصمت اللغة تبدأ الجغرافيا – بيسان عدوان

صورة باللونين الأبيض والأسود لامرأة ذات شعر أسود وملابس داكنة، تنظر بتعبير جاد.

الحرب لغة الجغرافيا لنعرف البلاد
كسجادة فارسية تعيد تشكيل الفراغ
ليصبح العالم صالحا للنجاة
غزة، بيروت، دمشق، بغداد،اسطنبول وطهران
صوفٌ يعيد البهاء للمجاز
يخفي مدنًا تحت النقوش،
ويعيد ترتيب الخرائط
كي يبدو الاختفاء طبيعيًا.
هذه ليست قصة عن مدينة واحدة
أو عن سجادة واحدة،
ولا عن امرأة واحدة.
هذه جغرافيا للفراغ،
عن مدن تموت كل يوم
ثم تعود لتختفي من جديد،
وتترك فراغًا يربطها بسطرٍ واحد
يشبه عقدة لم تشد بعد
هذا كتاب عن خيطٍ يشدّ العالم من طرفيه:
غزة، فالموت يوميّ كالصلاة،
وطهران، حياة تختبئ تحت أكمام التاريخ،
ولا تقول ما تعرفه علنًا.
كلاهما يعيشان على هامش خارطة تُكتب بالرصاص،
لكنني لا أؤمن بالخرائط.
أؤمن بالخيوط.
بالنسيج الذي لا يراه أحد
إلا حين يمزق
غزة — تحت الانقاض—
تحيك سجادتها من الركام،
من الدم، الغبار، الحليب الفاسد، وسعال طفل لا يُشفى.
وطهران — رغم القبب والجنرالات —
تنسج صمتها بنعومة قاتلة،
وتضع وردة صغيرة في زاوية النسيج
كأن الحرب لا تمر من هنا.
بين المدينتين
تمتدّ خيوط خفية،
لا تعرف السياسة،
لكنها تعرف معنى أن تستيقظ على غارة
ولا تملك سوى أن ترتب الغطاء جيدًا،
وتخبئ خوفك في جراب القهوة،
وتمشي فوق السجادة كأنك لا تسمع صراخها.
هذه ليست حربًا بين دول.
بل قيامة جغرافيا تحاول النجاة،
وإبادة تريد أن تمحو كل نسيج لا يشبهها.
حين أكتب، لا أكتب عن طهران.
ولا عن غزة.
بل اللحظة التي تلتقي فيها أخر عقدة في سجادة فارسية
بندبةٍ مفتوحة في خاصرة طفل من غزة.
عن الصمت المخبأ تحت النقوش،
هذا ليس كتابًا.
هذا صوت امرأة تمشي على السجادة،

السجادة تعرّفني
كفراغٍ صالحٍ لغزة،
لبيروت
لدمشق.
خيوط تنقش بدل اللغة
تخفي المدن داخلها
وتعيد ترتيب العالم
كي يبدو الاختفاء شرطًا من شروط الوجود.
السجادة تحت قدميّ لا تفرش،
تنكمش، تنسحب
كمدينة
تخجل من عرض جراحها أمام غريب لا يتقن العزاء.

ألمح البوتة تتكاثر
تنحني على نفسها
كالمدن التي نجت ولم تُشفَ.
هي ليست زخارف
بل أثر حريق قديم
رفض أن يصير رمادا
في قلبها رغبة صامتة
تشبه غزة،
تشبه دمشق،
تشبه كل مدينة قررت البقاء
ولو كعقدة ناقصة

كل صباح
كانت أمي تمسد سجادتها ،
كأنها تمسح أسماء مدن
لم تعد على الخريطة.
كانت تغني وهي تفرك زواياها
وتحذرنا من وسط البساط.
“في القلب يسكن من لا نراه” ،
كانت تقول.
ولم نكن نعرف حينها
أكانت تعني الله،
أم بيروت قبل الانفجار،
أم غزة قبل أن تُختصر إلى خبر عاجل
أم أولئك الذين رحلوا
وضلو طريق العودة.

في الخيمة،
تحيك امرأة سجادتها
تعقد كل مدينة في عقدة
تكمل ما عجز الصوف عن قوله
لتُغطّي الغياب.
تقول :
سألف به جسد إبني حين يعود،
سألتها: كم بقي من الحرب؟
قالت: بقدر ما بقي من خريطة لم تمزق.

لا أفهم لغتهم،
لكني أفهم هذا الصمت
هذا التعب
حين يُخاط داخل الجدران،
وأفهم كيف تخبئ النساء
مدنهنّ في حواف السجادة
وكيف تصمت المدن
حين تُجبر على الاحتمال
جلست معهن دون لغة،
وأدركت أن المنفى
ليست غياب الكلام
بل غياب من يشرحون لنا العالم.

في كل سجادة
عقدة لا مكان لها،
تشبه مدينة سقطت
بين سطرين من التاريخ.
أعرف تلك العقدة.
تشبه طفلًا بلا اسمَّ،
أو شارعًا مُسح من الذاكرة،
أو وعدًا قُطع
دون تفسير.
أحملها معي
كما تُحمل المدن المهددة،
كأنها آخر احتمال للنجاة

في المساء،
أرتمي على السجادة
كمن يحتمي بجغرافيا مفقودة
أصغي لجسدي
وهو يحاول أن يتذكّر نفسه.
الخيط تحت ظهري
يهمس بلغات لا أعرفها،
لكنني أفهم معناها:
ما زلت هنا.
لست أثرًا فقط،
ولا مدينة سابقة،
بل كنسيج حي
يقاوم بالصمت.

كل بساط ينتهي عند الحواف،
لكنني لا أعرف
أوصلت،
أم أن المدن تجرني عبر فراغها.
أمد يدي نحو آخر عقدة
لا أقطعها.
أتركها معلّقة
كما تُترك بعض المدن في الذاكرة:
لا حيّة تمامًا،
ولا ميتة بما تكفي
كى تنسى
أتركها
كما يُترك أخر حبيب
في أقصى القلب،
كي لا ينهار النسيج
دفعة واحدة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading