رسالة الغفران و مفهوم الانتقام الأدبي :أ.مالك بن فرحات

أنا من إذا أردَته أنيابُ الورى. يستلُّ من أثوابه الأقلاما (صاحب المقال)
الانتقام الأدبي :
هل من الممكن أن يكون الأدب أداة للانتقام ممن يسيئون إلينا ؟ قد يجيب من يدافعون عن قداسة الأدب و تنزيهه عن أن يكون أداة لممارسة ما يتعارض مع الخُلق و الذوق الرفيع و النفس المهذبة بالنفي ، و يؤكدون أنّ الأدب إنّما هو خطاب يسمو بالنفس البشرية و يجعلها في غنى عن ممارسة الشرّ سواء أكان هذا الشرّ فعلا أم ردّ فعل ، و إذا كان في الأدب من انتقام ممن يسيئون للأديب ، فإنّ هذا الانتقام لا يعدو أن يكون نجاحا يغيظ به الأدباء أعداءهم عبر إبداع ما يسمو بهم بين الناس من دونهم أو تنفيسا عن مشاعر الغضب و الحزن الناتجة عن إساءاتهم أو تحويل هذه الإساءات إلى حكم عن الإنسان و الوجود ، و إذا اتخذ هذا الانتقام صيغة الهجوم المباشر فإنّه لا يعدو أن يكون في أقسى حالاته نقذا لاذعا لا يجوز الحدود الأخلاقية و لا ينقض المبدئ التي ترضاها النفس الراقية و العقل السليم . و نحن نرى أن من يرون الأدب هذه الرؤية الطوبوية المثالية فاتهم كثير من واقع الأدب و من أشكال ممارسته ، و إننا انطلاقا من اطلاعنا على ما تاح لنا من هذا الواقع ارتسمت في أذهاننا قناعة راسخة بأن الأدب ليس على تلك الصورة الطوبوية التي نتوهم أنه كائن عليها أو يجب أن يكون عليها ، و أنه ليس بريئا من نوازع النفس البشرية خيرها و شرّها و طيبها و خبيثها و أنه يكتسب من هذه و تلك هويته و جماله ، و لو اعتقدنا أنّ الأدب عمل ملائكي حرّمنا على البشر ممارسته . إنّ الأدب شكل تعبيري و وسيط جماهيري بالغ التأثير ، و كونه خطابا مؤثرا فهو يغري الأشرار لكي ينشروا عبره شرورهم كما يغري الفضلاء بأن ينشروا عبره فضائلهم ، بل إن كونه مؤثرا يجعله أداة مثلى للمواجهة و الفتك و الهجوم و الدفاع و الانتقام ،سواء أكانت هذه المواجهة بين جماعاتٍ أم بين أفراد . إنه سلاح مثالي لضرب هدف استراتيجي هو شئنا أم أبينا محور وجود الإنسان و الشيء الذي يحيا بين الناسِ من أجله ، و نعني بهذا الهدف الصورة أو السمعة بمفهوم العامة ، هو الهدف الذي نحيا من أجل تجميله و نسعى لامتلاك كلّ الوسائل التي تحافظ على زينته و نتقي جهْدنا كل ما يضرب هذا الهدف و يقبّحه ، و الأدب قد يكون سلاحا نُجمّل به صورنا مثلما قد يكون سلاحا قد يضرب هذه الصورة و يمسح ببياضها المزابل و الأوساخ ، نعم إنّ الأدب على هذه الدرجة من الخطر ، و أعظم به خطرا إذا كان مقروءا منتشرا انتشارا يطرق به كُلّ مسمعٍ و يأتي به على كُلّ مرأى . و ليطمئن أهل هذا العصر بأنه ليس على الخطر الذي ذكرنا راهنا لأنّ قُراء الأدب كالنفأ في العام الأرمل ، و ليتق الناس اليوم ما هو أخطر منه تأثيرا و ضربا للسمعة ، ليتقوا وسائل الإعلام المسموعة منها و المرئية و الخاصة منها و الجماعية ، ليتقوا أن يغضبوا وسيلة إعلامية لها صيت بين الناس و ليتقوا أن يغضبوا صاحب صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي يصل محتواه إلى حشد كبير من المتابعين و له القدرة على اللعب بعقولهم و توجيهها الوجهة التي يريد . ثم ليعلموا بعد أن يتقوا كلّ ذلك أن الأدب في عصوره الذهبية و يوم كان يصل إلى قواعد جماهيرية عريضة كان على الخطر الذي يرون عليه اليوم وسائل الإعلام و التواصل إلى درجة أن الدول و الامبراطوريات في حروبها كانت تجند الأدباء و الشعراء مثلما تجند الجيوش للإغارة على الأعداء ، فلئن كان للجيوش القدرة على سلب حياة الأعداء فقد كان للأدباء و الشعراء القدرة على ضرب صورة هؤلاء الأعداء و سمعتهم و تشويهها في مخيال العامة ، و كان الملوك و الأباطرة يتخذون الأدباء و الشعراء وسائط ليحسنوا سمعتهم بين رعاياهم و ينشروا فضائلهم بينهم و إن كانت هذه الفضائل عدَما بقدر اتخاذهم أداة لضرب صور أعدائهم ، و قس على ما تفعله وسائل الإعلام اليوم مع الحُكّام في الدُوَل المستبدّة . و لم يوظف الأدب في معارك تتصل بالجماعة أو بالمصلحة العامة فحسب ، بل كان يوظف في المعارك الشخصية حتى ، المعارك التي يكون الأديب صاحب الخطاب نفسه طرَفا فيها و لا يجد له من سلاح يدكّ به سمعة عدوه أو أن يدفع به عدوانه سوى ما بين يديه من خطاب أدبي مؤثر ، و كثيرة هي تلك المواقف الذي وجد فيه الأدباء أنفسهم عرضةً لعدوان غيرهم فلم يجدوا وسيلة للدفع و الانتقام غير أدبهم جاعلين انتقامهم أدبيا عوض أن يكون جسديا ، خاصة إذا كان سلاح العدوان الذي تعرضوا له هو عينه السلاح الذي يدفعون به و ينتقمون ، أي إن هؤلاء الأدباء الذين كانوا ينتقمون أدبيا قد تعرضوا لعدوان كان سلاحه الأدب فكان الجزاء من جنس العمل و كانت المعاملة بالمثل .
وجدنا هذا الانتقام الأدبي ظاهرة موجودة في الآداب عربيّها و أعجميّها كلاسيكيّها و محدثها ، و وجدنا هذا الانتقام الأدبي على صورَتين : صورة تنزع نزعة مباشرة في الخطاب الأدبي فتتخذ صورة القذف و الشتم و السب و النعت بأقبح الأوصاف و أشنعها ، و صورة تنحو منحى التلميح و السخرية المبطنة وراء الخطاب المتودد و ضرب الطرف المستهدف بيد من حديد في قفاز من حرير ، و هي لا تقل خطرا عن الصورة الأولى . في الأدب العربي القديم كان شعر الهجاء الممثل الطرازي لمفهوم الانتقام بالأدب إذ مثل الهجاء مناسبة يضرب من خلالها الشعراء صور خصومهم و سمعتهم عبر إخراجهم في أقبح الصور التي تتواضع الثقافة على النفور منها و إبعادهم كلّ البعد عن الصورة التي تستحسنها الجماعة و لا يتّسع المقام لتفصيل أساليب الهجّائينَ في تحقيق غايتهم ، و في الأدب الحديث كانت المعارك الأدبية المحتدمة في القرن العشرين تجسيدا جليا للانتقام الأدبي خاصة أن اتخاذ الأدب سلاحا في هذه المعارك لم يكن من طرفٍ واحد ( و هذا لا يكون في الهجاء دوما إذ قد يهجو الشاعر من هو غير شاعر أو كاتب) فكان أطرافها كُتّابا ، و كانت هذه المعارِك قائمة على العدوان و ردّ الفعل ، و افتتحت بهجوم قوبل بصدّ أو هجمة مضادة ، فانتقام مصطفى صادق الرافعي من عباس محمود العقاد بتأليفه كتاب على السفود الذي صوره فيه بأقبح الأوصاف كان رد فعل على ملاحظة لاحظها العقاد في أسلوب الرافعي في الموضوعات العلمية ، فجعل براعة الرافعي مقتصرة على حسن إنشاء الكلام و عدّه قاصرا عن القياس العقلي لا يحسنه و هو ما اعتبره الرافعي ضربا لمشروع كتابته و صورته كاتبا . و انتقام الكاتب نفسه من طه حسين في كتابه تحت راية القرآن و إن توهّم البعض أنّه ردّ فعل على ما ضمنه كتابه في الشعر الجاهلي إنما هو رد فعل على ملاحظة لاحظها عميد الأدب العربي عن اللغة التي كتب بها الرافعي كتابه تاريخ آداب العرب و التي عدها غير مناسبة للعصر و أنها عسيرة عن أفهام أهله . و تتعدد أشكال الانتقام الأدبي في الأدب الغربي و اخترنا منها ما رأيناه صالحا للتمهيد للحديث عن مفهوم الانتقام الأدبي في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري لما رأيناه من تشابه بينهما . و أبرز مظاهر هذا التشابه اختيار القالب القصصي لتحقيق الانتقام الذي وجدناه مستعملا ( كما وجدناه عند أبي العلاء) من الشاعر و الكاتب القصصي الأمريكي الشهير إدغار ألان بو لتحقيق الغاية المذكورة . و أصدق دليل على ذلك قصته الشهرية ” برميل أمونتيلادو ” ” The Cask of Amontillado” و هي قصة تنتقم فيها شخصية البطل ” مونتريزور” من شخصية ” فورتوناتو ” بقتلها عبر دفنِها حية في نهاية الأحداث بعد استدراجها بطريقة ذكية إلى أحد الأقبية. و يفسر المفسرون حادثتي الاستدراج و القتل هاتين بأنهما أداة توسل بها إدغار بو للانتقام من خصمه الأديب ” جون إنجلش ” الذي كتب قصة تحت عنوان ” 1844 or the power of the sf” جعل بطلها شخصية تدعى ” مارمادوك هامرهاد ” و هي شخصية يفهم متتبع أفعالها و أقوالها في القصة أنها شخصية كاريكاتورية تجسد إدغار بو مما لا يدع مجالا للشك أن بو هو المستهدف بقصة إنجلش ، فأقوال شخصية مارمادوك تحيل على قصيدة بو الشهيرة ” الغراب” فأنطق إنجلش شخصيته بألفاظ من قبيل ” nevermore” و ” lost Lenore ” اللتين تكررتا في قصيدة الغراب ، فكان رد بو جعل شخصية فورتوناتو تمثيلا ساخرا لجون إنجلش باعتبارهما يشتركان في الانتماء إلى الطبقة النبيلة ، و جعل شخصية مونتريزور تمثيلا له و جعلها تنتقم من فورتوناتو بعد أن أقر على لسانها من خلال العبارة الافتتاحية في القصة أنها تحملت كثيرا من الإساءات من شخصية فورتوناتو و أنها قررت الانتقام بعد الشعور بالإهانة ” و شعور مونتريزور بالإهانة من فورتوناتو من ورائه شعور بو بالإهانة من جون إنجلش. فكتابة بو لبرميل أمونتيلادو إنما هو رد فعل سبقه عدوان من خصمه . و سنستند إلى هذه الثنائية ثنائية الفعل العادي و رد الفعل في قراءة رسالة الغفران بوصفها عملا انتقاميا بالمعنى الأدبي الذي تحمله الكلمة ، لأن رسالة الغفران بقسمها الذي يتضمن رحلة ابن القارح رد فعل على رسالة استفز بها علي بن منصور المكنى بابن القارح أبا العلاء فكان الرد.
الانتقام الأدبي في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري :
ينبغي أن ننبه إلى أن هذه القراءة التي نقرأ بها رسالة الغفران بوصفها تجسيدا لمفهوم الانتقام الأدبي لا يعني أن صاحب المقال يجعل غاية المعري من تأليف الرسالة انتقامية بحتة ، و إلا يكون هذا المقال ظالما للعمل ، بل نؤمن أن رسالة الغفران عمل حقق به صاحبه أهدافا عدة بجرة قلم واحدة فأمتع و علم و أفاد و عبث و أحسن الرد على خصمه الذي استفزه و أفحمه . إنّ ابن القارح في رسالته التي سبقت رسالة الغفران لم يمثل المعري تمثيلا قائما على “الكرترة ” أو التمثيل الساخر بإقحامه في عمل قصصي حتى يدفع المعري إلى الرد عليه مثلما استفز جون إنجلش إدغار ألان بو ، بل استفزه بأسلوب آخر ، و قد يكون هذا الاستفزاز مقصودا و قد لا يكون ، و إن نفينا أن يكون مقصودا و ذهبنا إلى أنّ ابن القارح إنما بعث رسالته بعث طالب علم إلى معلّم مستفسرا مستعلما ينشد الإفادة ممن هو في ذلك العصر أعلى منه مقاما و أرفع منه شأنا في العلم و الأدب (و هو معترف بذلك في رسالته) فإننا نقول إنه قد وقع في خطأ قاتل من حيث أنه حطّ من شأن أبي العلاء في رسالته و لم يشعر و لم يراعِ مقام من يخاطِب ، ذلك أنّ عليّ ابن منصور رغم النبرة المُجِلة المُحْترمة المراعية لمنزلة مخاطبه العلمية و الأدبية قد استرسل عن غير وعي منه أو وعي في أن يخاطب المعري خطابا جعله هو معلّما له عوض أن يكون متعلّما منه و جعل أبا العلاء كأنه هو الذي ينتظر الإفادة من ابن القارح . إنّ خطاب ابن القارح قد قام على الاستعراض سواء نوى استفزاز مخاطبه أم لم ينو ، ففي الحالتين هو يخاطب علما و أديبا ألمعيا و عالما و عليه أن يجعله خطابه في مستوى مكانة من يخاطب و يثبت براعته له بأن يضمن رسالته من أوصاف البلاغة لفظا و معنى ما يجعلُها جديرة بأن يقرأها من هو في مثل منزلة المعري ، و استعراض البلاغة و طبع الرسالة بها قد يكونان مقبولين في نظر المعري الذي يعلم أنّ مقام الترسل يتطلب هذه البلاغة و يفرضها ، و لكن ما لا يقبله و ما يستفزه هو أن يضمن صاحب هذه الرسالة ( و هو أقل منه شأنا) رسالته أقوالا و شواهدِ و أخبارا يعلمها طلاّب العلم الناشئون فضلا عن العلماء الأجلاّء . إن من النباهة و الذكاء و البلاغة ألاّ تتعالمَ أمام عالم ، و لو أنّ ابن القارح اكتفى بادّعاء العلم بما هو غريب و نادر و غير معلوم بالضرورة و غير شائع بين الناس و طلاّب العلم لمخاطبه لما خطّأناه لأنّ العلماء الأجلاّء يفوتُهم من النوادر و الغرائب ما يفوتهم فيحتاجون إلى معرفتها حتى ممن هم أقلّ منهم شأْنا ، و لكن أن تتعالمَ أمام عالم هو نجم في عصره بما يعلمه الصبيان و الناشئون فكأنّما استفززت ليثا و هو رابض و لا تشفع لك النية الحسنة ، فابن القارح وجدناه في رسالته يذكّر المعري بأخبار و شواهد دينية و أدبية و تاريخية تعلمها العامة فضلا عن الخاصة ، فمن غير النباهة أن يضمّن ابن القارح رسالته أخبارا تتصل بمبدإ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم و غزواته كخبر وقوفه على الصفا و المروة و مناداته قوْمه ” و ابتدأ أمره أنه وَقَفَ على الصَّفَا ونَادَى: يا صَبَاحَاهُ، فجاءوا يُهْرَعُون. فقالوا: ما دَهَمَك ما طَرَقَك؟ قال: بم تعرفونني؟ قالوا: محمدٌ الأمين، قال: أرأيتم إن قلت لكم: إن خيلًا قد طَرَقَتْكم في الوادي، وإنَّ عسكرًا قد غشيكم من الفج أكنتم تصدقونني؟ قالوا: اللَّهمَّ نَعَمْ؛ ما جرَّبنا عليك كذبًا قط، قال: فإن الذي أنتم عليه ليس لله ولا من الله ولا يَرْضَاه الله قولوا لا إله إلا الله، واشْهَدُوا أني رسوله، واتبعوني تُطِعْكُم العربُ وتملكوا العجمَ، وإنَّ الله قال لي استخرجهم كما استخرجوك وابعث جيشًا أبعث خمسة أمثاله، وضمن لي أنه ينصرني بقومٍ منكم، وقال لي: قاتلْ بمن أطاعك من عصاك، وضمن لي أنه يَغْلِبُ سُلْطَاني سلطانَ كسرى وقيصر.” ( رسالة ابن القارح) ، و خبر غزوته لتبوك في ثلاثين ألفا و خبر السجالات التي كانت بينه و بين قريش. و خبر جعل جبريل الطين في فم فرعون بعد غرقه حتى يعلن التوبة ، و من الإهانة أن يضمّن رسالته خبرا عن المتنبي هو أبسط البديهيات التي يمكن أن تعلم عنه من المقبل على معرفة شخصيته و شعره لعالم يعلم دقائق شعره و مولع به ولعا شديدا و مقر بأن بيته الشهير ” أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي” إنما هو الذي قصد به باعتبار المعري أعمى . فيخبره بأن المتنبي إنما سمي متنبئا من التنبؤ لأنه ادعى النبوة في مبدئه . و من الطبيعي أن يأتي رد المعري على ما خاطبه به ابن القارح على شاكلة ما خاطبه به و إن كان المعري قد تميز بخواص في الرد على خصمه أبرزها اختياره قبل أن يرد مباشرة على الرسالة أن يقحم من بث إليه الرسالة شخصية في حكاية تدور في عالم و إن بدا مألوفا في المخيال العربي الإسلامي في ذلك العصر فإن اختياره إطارا للقصّ قد بدا غريبا ، و هو اختيار يثبت أن صاحبه قد أراد أن يذهب في الرد على خصمه أشواطا بعيدة لم تكن في حسبانه كما لم تكن في حسبان التلقي الأدبي في تلك الفترة ، بل إننا نحن أهل هذا العصر لم نجد تفسيرا لعلة اختيار المعري الرد على ابن القارح بأن يقحمه شخصية في عمل قصصي يجول به فيه في عالم الآخرة اختيارا سبق به عصره و أثبت لنا أنّ مفاهيم التمثيل الساخر و الكرترة و الانتقام الأدبي بأشكالها التي وقعنا عليها في الأدب الغربي قد وجدت في أدبنا العربي . لم نهتدِ إلى صلة بين رسالة ابن القارح و المقطع القصصي الذي يليها مباشرةً سوى بعض التفسيرات التي استخلصناها من ظاهر الخطاب ، فبمجرد أن أثنى المعري على الرسالة رسالة ابن القارح و جعلها من الكلمة الطيبة التي يستحق صاحبها أن يُعرج به إلى الجنة وجدنا ابن القارح في نعيم السماء ففهمنا أن هذه الرحلة إنما هي جزاء مبالغ فيه جازاه به المعري على الرسالة التي أفاد أنها نالت إعجابه ، و فهمنا من وراء المبالغة في الثناء و من ورائها المبالغة في الجزاء أنّ المعري يظهر ما لا يبطن ، و أنه يجهز لخصمه من وراء هذه المبالغات و الثناءات و المخاطبات المتوددة التي ستمتد على خطاب المعري و تتخذ صيغا متنوعة منها الأدعية ( أطال الله بقاءه / أدام الله زينة المجالس بحضوره ) و النعوت الحسنة ( مولايَ الشيخ الجليل ) انتقاما يليق به ، و فهمنا هذا الخطاب المتودد كما نفهم الجمل العكسية في اللغة الفرنسية . و رأينا كيف أنّ المعري عبث بشخصيته التي تمثل خصمه في القصة عبث إدغار بو بشخصية فورتوناتو التي تمثل خصمه جون إنجلش ، عبثا يقوم على الاستدراج اللين ثم المباغتة ، فلئن استدرج بو عبر بطله مونتريزور شخصية فورتوناتو إلى القبو ليختتم الأحداث بدفنه حيا بعد أن أوهمه مونتريزور أنه اشترى نوعا من خمر الأمونتيلادو الذي هو خمر نفيس في زمانهما و أنه يشك في أصالة ما اشتراه و أنه ارتكب حماقة بشرائه لأنه لم يستشر السيد فورتوناتو الخبير في الخمور المعتقة ، فقد استدرجت شخصية ابن القارح إلى النعيم و لم تدر أنّ هذه البشرى بالنعيم ستتخللها متاعب ، متاعب ستصطدم بها الشخصية في أرض المحشر و أثناء الحساب بعد إجهاد النفس في نيل الشفاعة و محاولات كتب لها النجاح بعد أن فشلت مرارا و في الجنة نفسها إذ يجد ابن القارح نفسه في جنة ليست كتلك التي يتوقعها و يقرأ عنها في الآثار ، جنة فيها الخصومات و فيه الارتحال و السفر من أجل طلب العلم و الأدب و هما أمران كان يشقى بهما الإنسان في الدنيا لأنّ السفر قطعة من العذاب و لأن في طلب العلم مشقة ، جنة فيها البؤساء و فيها شخصيات كأنها تحيا في جحيم لا في نعيم . و خلال هذا الخطاب القصصي المتلاعب بشخصية ابن القارح سنعثر على استطرادات كان يقطع بها المعري معاملته لابن القارح شخصيةً قصصية و يعود لمعاملته باثا إذ يعطل خطابه القصصي ليشرح له مفردة مستعصية أو ليتحفه بفائدة أدبية و لغوية أو ليستعرض له قدرته على الإنشاء في فني المنظوم و المنثور و نقد ما أنشأه غيره و حتى تعديله و إعادة إنشائه ، فنجده منذ الوهلة الأولى التي رد فيها عليه يشرح له معنى ذات أنواط( و ذات أنواط شجرة كانوا يعظمونها في الجاهلية ) شرحا يؤذنه به منذ البداية بأنّ الذي عرضه عليه من المعلوم بالضرورة في الدين و الأدب غير غائب عنه ، ثم سيجاوز به هذا المستوى من إثبات المعرفة إلى مستوى أعمق كما سنبين ، و نجد المعري ينظم أشعارا من خلجات خواطره على ألسنة بعض شخصياته كالقصيدة التي نظمها على لسان الجني أبي هدرش و التي مطلعها :
مكة أقوت من بني الدردبيس. فما لجني بها من حسيس
و نجده يقلب بعض المقاطع الشعرية التي أنشأها غيره و يجرب أن يعيد صياغتها على قواف متنوعة ، و نجده يشيد بما قال بعض الشعراء ، و يرصد في ما قال آخرون عيوبا لا يعرفها إلا ناقد عالم بالشعر ،و يشكك في نسبة بعض الأبيات إلى هذا ، و يثبت نسبة بعضها إلى ذاك ، و يعرض أشهر ما قال الشعراء على تفاوت عصورهم ، حتى وصل به الأمر إلى أن يعرض ما قالت الجنّ فضلا عن الإنس . و خطابه هذا الذي رد به على خصمه منتقلا من فن إلى فن قد حرص على أن ينمق معناه و لفظه تنميقا أراد أن يجوز به مخاطبه في ما أنشأ فضلا عن مجاراته. هذا جانب من أسلوب الرد الذي أراده المعري مفحما لخصمه و هو في نظر من فهمه شامل مفحم خلاصته لو أردنا الكلام بلسان حال المعري ما يلي : لقد تجاسرت علي يا علي بن منصور و خاطبتني بما يعلمه من هو أقل مني في الدين و الأدب و صغته بأسلوب أردت أن تثبت لي به أنك من المنشئين البلغاء ، فرددت عليكَ بأن أنشأت حكاية جعلتك محورها و عبثت بك في هذه الحكاية عبثا لطيفا متوددا ، و صغت لك هذه الحكاية بخطاب بليغ تنوعت فنونه فجعلته جميلا و نافعا لأثبت لك أني أقدر و أعلم و قد خاطبتني بما أعلم كأني لا أعلم.”
لو فهمنا أنّ الردّ على ابن القارح يقف عند هذه الحدود التي ذكرناها و فصلناها ، لما فهمنا الصلة الحقيقية بين رسالة ابن القارح و قسم الرحلة و دوره في الرد عليها ، و لجعلنا الرد مقتصرا في وظيفته على تلميع المعري صورته أمام خصمه و محاولته لإثبات خلاف ما كان يراه عليه . و نفينا أن يكون الرد انتقاما أدبيا يبهت الخصم بما لا يتوقع. و هو كذلك ، و سنعلل كونه كذلك بأن نعيد النظر في اختيار أن يقحم المعري ابن القارح في حكاية تدور في عالم الآخرة بما فيه من حوادث و اختيار أن يكون أكثر الشخصيات التي يحاورها و يلتقي بها شخصيات أدبية ، فالقول بأن القالب القصصي و الحكاية هما مجرد مناسبة للرد على ابن القارح عبر التحكم به تحكما لامحدودا باعتبار أن مؤلف القصة يمتلك السلطة المطلقة في التحكم في شخصياته القصصية و تحريكها كما يشاء و إنطاقها بما يشاء ، و من ثم العبث به قول لا يلمس الغاية الحقيقية من اختيار أن يكون الرد حكاية و تكون أحداثها دائرة في عالم الآخرة ، و كذلك اختيار أن يكون الأدب و مسائله من المشكلات المحورية لموضوعات المحاورات و من الدوافع الرئيسية التي تجعل ابن القارح يتحرك في عالم الرحلة . دعونا نذكر أنّ ابن القارح قد استفز أبا العلاء في رسالته ببديهيات معلومة بالضرورة عند الناشئ فضلا عن العالم ، و هذه البديهيات هي إمّا تتصل بمأثور الدين و إما بمأثور الأدب ، إذن فالرد يجب أن يكون مفحما و مباغتا في هاتين الناحيتين ، ناحية الدين و ناحية الأدب و ألا يكون باردا مقتصرا على مجرد إثبات أن المستَفَزَّ يعلم ما ظُنّ أنه لا يعلمه ، يجب أن يكون على الشاكلة التي تكون عليها قصائد الهجّائين صادما صاعقا لا يبقي لمن يتلقاه ، و ينحو منحى المبالغة التي تصدم متقبّلها ، و بهذا لا تكون الرحلة بدورانها في عالم الآخرة بمراحله من قيامة و حشر و جنّة و نار وسيلة و قالبا ضمّن الردّ على استفزاز ابن القارح ، بل اختيار عالم الآخرة و التجوال بابن القارح فيه هو الرد ، الرد على تضمينه رسالته أخبارا يعلمها الناشئة و الصبيان في الكتاتيب عن بعثة النبي و عن نزول جبريل إلى قاع البحر بعد غرق فرعون و ادعاء المتنبي النبوة ، رد أراد من خلاله أن المعري يقول لابن القارح : أنت خاطبتني في مسائل الديانة بما هو معلوم بالضرورة و أنا من أنا ، فلن أكتفي بأن أثبت لك أني عالم به ، بل سأجوز بك هذا المستوى إلى مستوى أقوى ، سأجول بك في ما هو مقبل من أمر الآخرة ، سأشهدك مصائر الخلق أيهم في الجنة و أيهم في النار ، سأشهدك مصيرك و ما ستمر به من أهوال أثناء القيامة و المحشر و سأشهدك دقائق أعمالك و تفصيلاتها في الجنة ، سأشهدك من ستلقى و من ستحاور و بما ستحاوره و بما سيرد عليك و سأعلمك بما ستأكل و ما ستشرب و بما ستتمتع و تقضي زمن نعيمك حتى تعلم يا علي بن منصور أن معرفتي بالديانة تتجاوز ما ذكرته لي بأشواط ، و أني على درجة من العلم في الديانة تجعلني عالما بما سيكون مما يغيب عن الناس ، و أن حوادث الآخرة و مصائر الخلق غير غائبة عن علمي . ثمّ إنك يا ابن القارح ذكرت لي من أمور الأدب ما لا يجوز أن يخاطب به أمثالي و من هم في مقامي ، فها أنا أطلعك على مصائر الأدباء في أخراهم فضلا عن أخبارهم و الحوادث المتصلة بهم في دنياهم ، و أشهدك مقام جاهلييهم و إسلامييهم و ما سيكون من أمرهما في الحشر و الجنة و النار ، و أسمعك على ألسنتهم هم تفسير ما غمض عنك من أشعارهم و علة اختيارهم أسلوبا دون أسلوب و لفظا دون لفظ و أسمعك مناسبات قولهم لقصائد عرفوا بها ، بل سأجوز بك في إطلاعك على الآداب عالم الإنس و أعرفكَ شعراء الجنّ و أسمعك من أشعارهم و أخبارهم بألسنتهم هم فتعرف أن الشعر الذي تجاسرت علي باستعراضك لمعارفك فيه لا يغيب عني العلم بشياطينه و من يلهمونه الأناسيّ “.





