أحمد مطر: حين يتحوّل الهتاف إلى قصيدة:تفكيك تجربة خطابية تفتقر إلى الشعرية/لؤي التميمي

يُصرّ أنصار أحمد مطر على تسميته شاعرًا، لا لامتلاكه أدوات الشعر، بل لأن نصوصه تُوافق غضبهم السياسي. غير أن الخلط بين الموقف والفن هو أصل الوهم في هذه التجربة. فأحمد مطر، عند فحص نصوصه فحصًا فنيًا صارمًا، ليس شاعرًا بالمعنى الجمالي، بل كاتب خطابي مباشر، يكتب ما يشبه المنشورات السياسية أو “السوالف” اليومية، ثم يقطعها إلى أسطر قصيرة ويسمّيها قصائد.
أولًا: نص بلا صورة… بلا شعر
أهم ما يميّز شعر الشعراء هو الصورة: صورة الطبيعة، صورة الإنسان، صورة الألم، صورة الجمال حتى في القبح. أما عند أحمد مطر، فالصورة غائبة تمامًا. لا نجد بيتًا واحدًا يرسم مشهدًا، ولا استعارة تولّد معنى، ولا انزياحًا لغويًا يُدهش القارئ.
عالمه اللغوي مسطّح، مباشر، عارٍ من أي تخييل. قصيدته لا تُرى ولا تُتخيّل، بل تُسمَع كما تُسمَع نشرة أخبار أو تعليق غاضب في مقهى.
ثانيًا: القصيدة = نشرة أخبار
من أوضح الأمثلة على التقريرية الفجّة، ما كتبه في قصيدة «نمور من خشب»، حيث يقول:
قتل السادات والشاه هرب
قتل الشاه وسوموزا هرب
هذا ليس شعرًا، بل سرد إخباري حرفي. لا صورة، لا مفارقة فنية، لا بناء رمزي. مجرد جملة يمكن أن تُقال في تقرير سياسي أو تعليق إذاعي. السؤال الجوهري هنا:
ما الذي يجعل هذا شعرًا؟
الجواب المؤلم: لا شيء، سوى أنه كُتب على سطرين موزونين.
ثالثًا: الابتذال بوصفه بديلًا عن الشعر
حين يعجز النص عن خلق الدهشة، يلجأ صاحبه إلى الصدمة الرخيصة. وهذا ما يفعله أحمد مطر بتكرار مفردات بعينها في معظم قصائده، حتى تحوّلت إلى قاموس واحد مستهلك:
الحمار – النعال – التبول – الإهانة الجسدية – السخرية السوقية.
في قصيدة «وصايا»، يقول:
احترم حظر التجوال
لا تغادر غرفة النوم
إلى الحمام ليلًا
للتبول
هذا النص أقرب إلى نكتة ساذجة أو تعليق ساخر في هامش صحيفة، لا إلى قصيدة. لا كثافة لغوية، لا توتر شعري، لا معنى يتجاوز ضحكة عابرة. الابتذال هنا ليس وسيلة فنية، بل بديلًا عن الموهبة.
رابعًا: مضمون واحد يُعاد بلا نهاية
جميع قصائد أحمد مطر تقريبًا تقول الشيء نفسه:
الحاكم غبي أو حمار
الشعب مقموع
القمع موجود
الخوف موجود
تتغير العناوين، لكن المضمون واحد، بلغة واحدة، وبنبرة واحدة، وبتكرار مُنهك. لا تطوّر في الرؤية، ولا تعميق في الفكرة، ولا مغامرة لغوية. وهذا ما يجعل قصائده متشابهة إلى حدّ الملل، وكأنك تقرأ النص نفسه بأسماء مختلفة.
خامسًا: وزن بلا موسيقى
حتى الوزن الذي يُدافَع عنه بوصفه “ميزة”، ليس سوى وزنٍ هشّ، يختل في مواضع كثيرة، وتُكسر التفعيلة فيه خدمةً للفكرة المباشرة. الإيقاع عنده ليس موسيقى داخلية، بل مجرد وسيلة لتسهيل الحفظ والترديد، تمامًا كهتافات الشارع.
سادسًا: من الشعر إلى “السوالف”
لو نزعت الوزن من نصوص أحمد مطر، فلن يبقى شيء. يمكن أن يقولها:
بائع خضار
صاحب أسواق
حارس مدرسة
وستؤدي الغرض نفسه. لأن ما فيها ليس شعرًا، بل رأيًا غاضبًا، يُقال كما يُقال أي حديث يومي، دون حاجة إلى فن.
خاتمة: لماذا لا يبقى أحمد مطر؟
التاريخ الأدبي لا يحفظ النصوص لأنها غاضبة، بل لأنها جميلة ومُدهشة. الغضب يشيخ سريعًا، أما الشعر الحقيقي فيبقى.
أحمد مطر قد يُقرأ بوصفه ظاهرة سياسية ظرفية، لكنه يفشل بوصفه تجربة شعرية. نصوصه تصرخ لكنها لا تُغنّي، تهاجم لكنها لا تُبدع، تُضحك أحيانًا، لكنها لا تترك أثرًا فنيًا طويل الأمد.
وباختصار شديد:
أحمد مطر ليس شاعرًا سطحيًا، بل كاتب سطحي يرتدي قناع الشعر.



