عندما يشكو الحَمام/جعفر الديري

لم يعد سطح البيت كما كان، معرض حركة لا تنتهي، أصبح مكانًا موحشًا لا تطيق النفس الوقوف فيه، والسبب يعرفه جميع من سكنه، لكنَّهم يهربون من الحديث بشأنه؛ لقد كان الحَمام سرَّ هذه الحركة. كانت تقبل من كل مكان، كأنّما تتناقل الأخبار عن الرجل الذي كان يطعمها من جوع ويرويها من ظمأ، وكان يتركها حرَّةَ في غدّوها ورواحها، لا قفص يحبسها، ولا قيد يقيّدها، تذهب وتعود وقتما تشاء، بخلاف آخرين في الحي، يوثقون أقدامها بحلقات معدنيِّة ضيّقة، تسبّب لها الألم.
خَاله المهووس بالحَمام، كان يقضي ساعات طويلة بصحبتها، ومتى جلس مع أحد حدّثه عنها بافتتان كبير، وكأنّها إحدى بناته. ولا يزال يتذكَّر صوت خطواته وهو يصعد الدرج، وتندّر أمِّه وخالاته، وحديثهنّ عن الأخ الذي سافر للبحث عن عمل في دولة شقيقة، وعاد بعد أيَّام شوقا إلى حمَامِه، فقنع بعمل بسيط، لأجل خاطرها.
كلُّ ذلك تقبّله خيلانه وخالاته، ولم يجدوا فيه مشكلة تستلزم الغضب، لكنَّ الظرف الذي وقع بعد ذلك قلب الموازين رأسًا على عقب، فما أن تحقَّقوا من رفض شقيقهم ووقوفه حجر عثرة أمام عرض مجز لشراء البيت تقدَّم به أحد تجُّار العقار، حتّى تحوَّل في نظرهم إلى أناني لا يفكّر بسوى نفسه، ولا يهمُّه أمر الآخرين، الذين ينظرون بعين الرضا إلى هذا العرض، ويجدون فيه فرصة للهرب من بيت وإن كان كبيرًا، فهو آيل للسقوط، أرضيَّته واهية متصدِّعة، وجدرانه متشقّقة بفعل الرطوبة، اشتراه جدُّهم أسَاسًا وهو قديم، لم يقف على قدميه طوال هذه المدّة، إلاّ بفعل خلطة الإسمنت العجيبة للسيد، ذلك الأستاذ الكبير.
حتّى والدته وكانت الشقيقة الكبرى، الأشدُّ حبًّا وحدبًا على خاله، لم ترض بما يقول، ووقفت ضدَّ قراره، وعبثًا حاولت والآخرين إقناعه بقبول العرض، لكنّه تصلّب في رأيه، وترك غرفته، واتخذ من حجرة مهملة فوق السطح، سكنًا له، وقال في غضب:
– هذه حجرتي وهذا حَمامي، ولن أترك المكان، فافعلوا ما شئتم.
وكانوا يعرفون أنَّ له بعض الحالات الغريبة، إلا أنّهم لم يتوقعوا أن يكون عرضة لهذا النوع من الجنون، وخشوا أن تضيع الفرصة منهم، فرفعوا دعوى قضائية، وصدر الحكم بإخلاء العقار، لكنه لم يخرج من حجرته، بل ظلَّ هناك، لا يقابل أحدًا ولا يأكل شيئا صنعته أيديهم، ولا ينزل إليهم حتّى، وصَار يخرج في الليل مثل الخفافيش، يفتِّش عن أي شيء يأكله، حتى لو كان كسرة خبز يابسة. ثمَّ جاء زملاؤه يترون من المصنع الذي يعمل فيه، متسائلين عن غيابه، محذِّرين من فصله من العمل، إلى أن انقطع الراتب، وذهبت الوظيفة البسيطة التي كان يعتاش منها.
ورغم مرور ثلاثة أعوام، لا يزال السطح على حاله، ولا يزال الحمام يمرُّه سريعًا، لكنّه يعود خائبًا في كلّ مرَّة، فقد توفي خاله، وحضر خلق كثير لتوديعه إلى مثواه الأخير، وعبثًا يبحث الحمام عن الماء والحبوب في أسطح البيوت المجاورة، فمن يسكن الحي، لا يحبُّون الطيور، ويضيقون ذرعًا بها، ولا يجدون بأسًا في مشاهدة أصَابع أطفالهم وهي تضغط بشدّة على أعناقها، محَاولة خنقها.



