السفير السابق والكاتب البحريني حسين الصباغ: مشهد الخمسينيات والستينيات في البحرين كان ثقافة وتسامحاً-حوار – جعفر الديري
جعفر الديري

تعلق بصالون العقاد أيام دراسته بالقاهرة
الحديث مع السفير السابق الكاتب البحريني حسين راشد الصباغ، ليس حديث سياسة كما قد يتصور البعض، نتيجة ارتباطه بربع قرن من السنوات قضاها الصباغ سفيراً للبحرين في خمس عواصم هي بيروت، طهران، نيويورك، بكين وتونس، وإنما هو حديث عن السنوات الأولى التي أسست فيها تلك المجموعات الطلابية التي كانت تبعثها البحرين لإكمال دراستها اللبنات الأولى للثقافة والتعليم العصري في البحرين. كما أنه حديث عن الثقافة والأدب أيام الخمسينات والستينات، حين كانت القاهرة ملتقى الأدباء والشعراء يفدون إليها من كل دول العالم العربي، لما كانت تعج به من طاقات علمية وأدبية كبيرة. وهو حديث لا يقف بنا عند المشهد الثقافي في جمهورية مصر العربية وارتباط الطلبة البحرينيين به، يوم كانت رابطة الطلبة البحرينيين ملتقى طلاب هم اليوم أدباء ومفكرون واقتصاديون ودبلوماسيون، وإنما هي شهادة يتحدث فيها الصباغ عن تلك الأيام الجميلة التي عاشها في المحرق والتي تلمس فيها عن قرب مستوى الوعي الثقافي والإنساني أيام الخمسينات والستينات، حين كان الناس في البحرين أمة واحدة لا يفرقهم شيء، أخوة من سنة وشيعة متحابين في الله تسود بينهم روح الأخوة والوطنية.
* فلننطلق من البداية، من البيئة التي تشربت فيها حب العلم والثقافة؟
– أيام الخمسينات كان لوالدي راشد الصباغ دكان في المحرق، وكان في القيصرية التي كانت بها أيضاً المكتبة العصرية لصاحبها عبدالله الجودر، وكنت في ذلك الوقت أشتري منها صحيفة الخميلة والوطن وبقية الصحف التي كانت تصدر في ذلك الوقت. وأتذكر أن والدي كان لديه راديو كان يستمع فيه إلى إذاعة لندن، حيث أن إذاعة البحرين افتتحت في عام 1954، ونحن لم ندرك أهمية إذاعة لندن، إلا حين وقعت هزيمة 1967، حيث كنت أعمل وقتها معيداً في جامعة الكويت، فاتصلت بالوالد وأخبرته بما سمعت فقال لي إنه للتو سمع أحمد سعيد من صوت العرب يقول إن المصريين أسقطوا 400 طائرة. ومن ذكرياتي بخصوص المكتبة العصرية أنه كان بها كتاب في اللغة الإنجليزية كان يدرّس في الجامعة الأمريكية، وقد درسني إياه الشاعر عبد الرحمن المعاودة كدروس خصوصية في مجلسه بالحالة في حي الشيخ عبد الله بن عيسى، تحت رغبة الوالد الذي كان مثقفاً وإن كانت ثقافته تقليدية إلا أنه كان يهتم بتعليمنا.
كانت هناك أيضاً المكتبة الخليفية التي كنت أذهب إليها وأقرأ وقد تعرفت فيها من خلال القراءة على الكاتب الأمريكي آرثر ميلر وأعجبت به كثيراً. وأود أن أشير هنا كي تكتمل الصورة أنه في تلك الفترة كنت تجد الناس جميعاً على قلب واحد، وكنا نحن من السنة ومع ذلك نتقدم المواكب الحسينية ونأكل من عيش المآتم، وأتذكر أيضاً أن محمد حسن الشخص وهو قاض عراقي كان يأتي البحرين أيام الخمسينات ويفد على قريبي عيسى أحمد مطر، ومن ثم نذهب جميعاً إلى مأتم الحياك، أيضاً خال والدي عبدالله راشد الظاعن وكان رجلاً سمحاً وقوي البنية وكريم النفس كان يسكن في سترة، ووالدتي أيضا ولدت في سترة في بيت راشد خليفة الظاعن، وهكذا كنا نذهب إلى سترة في الصيف، ولا نشعر بأي فرق بين سنة أو شيعة.
بدأت مشوار الكتابة عام 1965
* ماذا عن الكتابة، متى بدأ شغفك بها؟
– بدأت الكتابة في عام 1965 وكنت أعمل وقتها مدرساً في ثانوية كيفان في دولة الكويت، قبل أن أعمل معيداً في الجامعة، وأتذكر أن أول مقال كتبته كان عن ديوان الشاعر أحمد الخليفة “بقايا الغدران”، وأتذكر أنني وجدت هناك الشاعر العماني عبدالله الطائي – وكان مدرساً لي في المرحلة الابتدائية – في مكتبه بوزارة الإرشاد والأنباء الكويتية، وكان رئيس تحرير مجلة “الكويت” ودعاني للكتابة فيها، فكتبت فيها عدة مقالات، ثم جمعت مقالاتي في كتابي “كتابات عتيقة”، وكانت عن شعر غازي القصيبي، علوي الهاشمي، قاسم حداد، عبدالرحمن رفيع وعلي عبدالله خليفة، وعن مسرح محمد عواد، وعن قصص محمد عبدالملك التي كانت تعجبني كثيراً، كما كتبت في “البيان” الكويتية، وكنت في 1968 أكتب في “الأضواء” وفي مجلة “هنا البحرين”، دراسات عن القصائد التي كانت تنشر وقتها، وعندما ظهرت أسرة الأدباء والكتاب كنت أنا عضواً فيها مع محمد جابر الأنصاري، ومحمد الماجد وآخرين، وكنت أول من كتب عن علوي الهاشمي.
رأيت صدام حسين وكان شخصاً غامضاً
* حدثنا عن المرحلة الجامعية في حياتك، والذكريات التي تحتفظ بها؟
– لقد كانت دراستي في مصر عن طريق بعثة، وكانت الحكومة تعطينا 14 جنيهاً، وكان الطلبة في ذلك الوقت معدودين ولا يشترط المجموع للحصول على البعثة، ففي مصر مثلاً لم يكن عدد الطلبة البحرينيين يتعدى الأربعين طالباً في جميع التخصصات، وكانوا يبتعثون جزءاً إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وجزءاً آخر إلى جامعة القاهرة وجزءاً إلى جامعة بغداد. هذا طبعاً إلى جانب وجود طلاب كانوا يدرسون على حسابهم الخاص، مثل فريد بن مبارك بن أحمد مطر الذي درس في الجامعة الأمريكية على حسابه وتخرج في تخصص الكيمياء العضوية، لكنه لم يحب العمل في الحكومة فاتجه إلى التجارة، ومن الوجوه التي أتذكرها من تلك المرحلة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، الذي كان يأتي دائماً إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وكان دائم الصمت ويشعرك بأنه رجل غامض، وأتذكر في تلك المرحلة رابطة الطلبة البحرينيين التي كانت تضم طلبة بعثيين وقوميين، لكني أنا شخصياً وحتى هذه اللحظة كنت أكره الانخراط في أي شيء حزبي، لقد كنت مستقلاً ومنصرفاً إلى الدراسة والثقافة.
بعد ذلك التحقت في عام 1958 بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وهي كلية كانت تسمى من قبل بكلية فاطمة إسماعيل، ثم تغير اسمها إلى كلية الآداب، وكانت الدكتورة بهية الجشي زميلتي في كلية الآداب وقتها، حيث تخرجنا في عام 1963، وكان هناك أيضاً الدكتور غازي القصيبي وعبدالرحمن رفيع والشيخ عيسى بن محمد بن عبدالله الخليفة، وهؤلاء كانوا في كلية الحقوق التي كانت تقابل كلية الآداب، وقد حرصت طوال دراستي في مصر على عدم التقوقع سواء بالتواجد مع الطلبة البحرينيين أو في تخصصي وهو الأدب، لذلك كنت حريصاً على حضور بعض المحاضرات الجيدة التي كانت تلقى في الكليات الأخرى، فكنت أحضر محاضرات كان يلقيها أحمد كمال أبو المجد، والشيخ الدكتور محمد أبو زهرة وكان من خيرة علماء الشريعة، وكان يدرّس الشريعة في جامعة القاهرة، والدكتور رشاد رشدي وهو رئيس قسم اللغة الإنجليزية في الجامعة، أيضاً محاضرات جمال حمدان هذه الشخصية العلمية الكبيرة – وكان مدرساً لمادة الجغرافيا.
كنت أحرص على حضور صالون العقاد
* وماذا عن صالون العقاد، أعلم أن لك ذكريات جميلة بشأنه؟
– لقد حرصت طوال فترة تواجدي في القاهرة منذ بداية دراستي وحتى تخرجي في عام 1963 على التواجد في صالون العقاد، وكنت أحضر صالونه كل جمعة، من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الساعة الثانية ظهراً، وكنت أتجشم عناء الطريق الطويل حتى أصل إلى صالونه، وكنت أسكن في منطقة العجوزة وكان يسكن معي الأخ المهندس إبراهيم المؤيد، بينما كان صالون العقاد في مصر الجديدة، فكنت أستقل ثلاثة باصات حتى أصل إلى الصالون، واحد من العجوزة وآخر من شارع 26 يوليو إلى باب الحديد، ومن باب الحديد آخذ الباص أو مترو يصل بي إلى مصر الجديدة حيث صالون العقاد في 13 شارع السلطان سليم. ومع استغراب الطلبة البحرينيين من حرصي على الذهاب إلى صالون العقاد، كنت غالباً ما أذهب وحدي إلى صالون العقاد، وأحياناً كنت أذهب برفقة الشيخ عيسى بن محمد آل خليفة. كان العقاد رجلاً كريماً وكان يقدم قهوة وعصير الليمون وكان رجلاً طويل القامة وأتذكر أن تمثال البومة كان دائماً على مكتبه، حيث كان يكره التشاؤم بالرقم 13 وكان رجلاً يرحب بالجميع، حيث كانت أجواؤه جميلة، فكنت أجد هناك مثلاً أنيس منصور وكمال الشناوي، وكان العقاد مبهراً بالفعل، فجميع من يؤم صالونه من المفكرين وذوي المراتب العلمية والثقافية الكبيرة فهناك عالم الذرة وأستاذ الجغرافيا والأدباء والشعراء ومن مختلف الأطياف، وقد حزنت كثيراً عندما توفي العقاد في يناير 1964 وكنت وقتها أعمل في بابكو بعد تخرجي في مايو 1963.
ذكرني القصيبي في “شقة الحرية”
* وهل في رواية “شقة الحرية” للشاعر غازي القصيبي أضواء على تلك المرحلة؟
– في شقة الحرية كان هناك أربعة أشخاص: غازي القصيبي، عبد الرحمن رفيع، محمد صالح الشيخ، ومحمد كانو وكان زميلنا في ثانوية البحرين، وقد ذكرني غازي القصيبي من بعيد في الرواية، وذلك أنه في عام 1961 أعطاني عشر نسخ من ديوانه الأول “من أغاني البحرين”، فأعطيت نسخة منه إلى سهير القلماوي، محمد شكري عياد، حسين نصار وشوقي ضيف، وقد كتب عن الديوان محمد شكري عياد كما أعجبت سهير القلماوي بالديوان، وذكر غازي في “شقة الحرية” أن فؤاد أصدر رواية وأثنى عليها أساتذة في القاهرة، وبعث لي غازي بهذه الرواية وقال لي إنني عندما أقرؤها سأجد في ثناياها اسمي.
نشر لأوّل مرة في صحيفة الوطن البحرينية.



