مِن اليَابان ألف حِكَايَةٍ وحكاية/الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

هكذا أصبح المواطن العربي محاصرا بغير قيود أمنية أو قوانين قسرية تفرض حواجز مادية بعينها بينه وبين حريته بفعل التناحر والتصارع الراهن لاسيما في منطقة الخليج العربي ، تماما مثلما كان العربي محاصرا في بيته كنتيجة حتمية وضرورية حينما حاصرته جائحة كورونا منذ سنوات ليست بالبعيدة ، وفي ظل حمى متسارعة من التصريحات السياسية المضطربة التي باتت بالفعل خائبة وتدعو إلى الإحباط والاكتئاب أكثر مما تدعو إلى الطمأنينة لوقف التناحر العربي العربي أو العربي الإيراني أو الإيراني الأمريكي أو حتى الصراع الروسي الأوكراني المستدام بغير توقف ، أصحبنا في فلك النصائح الواهمة التي تدغدغ المشاعر بأن الشفاء من التناحر والحروب القائمة أصبح وشيكا رغم ما تفعله بعض الدول الأكثر وباء بالحروب والصراعات السياسية والطائفية مثل العراق ولبنان ومؤخرا في سورية وإصابة بعض الدول مثل السودان وليبيا بالفيروس التصارعي مجددا بأنها في الطريق إلى إعلان الاستشفاء التام من الاقتتال ، نلجأ إلى وصايا الفيسبوك غير المعتمدة سياسيا أو استراتيجيا ، ونسارع صوب بعض الأقارب الأكبر سنا وخبرة غير علمية أيضا لمعرفة كيفية مزج السلم بالحرب بالخل الأبيض غير النقي أيضا من أجل تطهير المنطقة العربية من صراعات وأزمات سياسية وعسكرية لا خروج منها حتى وقت الكتابة .
وسط هذا التصارع العسكري والسياسي ، كانت النصيحة أن العلة والحكمة من وراء هذا الخوف والقلق الشديد من أننا نرجع قليلا للوراء من أجل تدبر أمورنا الدينية والدنيوية أيضا ، أما الدينية فالله وحده أدرى وأكثر علما بعباده الصالحين منهم والمخطئين والخطائين أيضا ، والدنيوية فالمشهد الراهن أبصرنا بحقائق كثيرة أبرزها الحالة الحقيقية لمجتمعاتنا العربية التي أفرزت أجيالا من مستهلكي الأخبار والتكنولوجيا أيضا ، وأنتجت عشرات المراكز البحثية السياسية والاستراتيجية بمئات الباحثين الأكاديميين الذين يمكن الاستغناء عنهم بتوقيع واحد في وقت زمني قصير لأنه بالفعل كتبوا شهادات وفاتهم في التحليل السياسي والاستراتيجي الخاص بالمنطقة العربية وسط هذا الفشل والفوضى التي نحياها.
كان الدرس هو تصحيح المسار الثقافي والتنويري والتعليمي لا الاكتفاء بالشعارات التي نرددها صباح مساء بغير فائدة أو تطبيق مباشر لها ،والاهتمام بتجارب الدول الرائدة الحكيمة التي سبقت شعوبنا العربية ، والتي أخلصت العمل في قطاعات التعليم والصحة والسياسة كذلك ، ورغم ما مر بنا جميعا من محنة فإن تجارب الأمم تظل رائدة وكاشفة لنا .
وإذا كنت عزيزي القارئ من هواة الاستماع إلى الحكايا قبل النوم فإن هذا المقال لا يهتم بك في الأساس ، أما إذا كنت من أولئك الذين يطمحون في التميز والانفراد والترقي فهذه السطور خُصصت إليك وحدك دون غيرك من المتهوكين والذين استمرأوا اللامبالاة والميل إلى استخدام العبارة المصرية الشهيرة ( سوف أعيش مثلما كان أبي يعيش ! ) .
والحكاية من اليابان وهي ليست خرافية وإن كان مدلولها تخييلياً بالنسبة للعقلية العربية التي استسلمت للتشابه دون الاختلاف المتميز ، ففي عام 1868 أقسم امبراطور اليابان مييجي الذي حققت البلاد في عهده سقوط النظام الإقطاعي، وانتهاء حكم شوجونات ، وهي أسرة توكو جاوا التي ظلت تتوارث السلطة الحقيقية في البلاد لمدة مائتين وخمسة وستين عام ، أمام شعبه نص القسم الرسمي بأن يعمل على تغيير الشعب ويعمل على إصلاحه ، وكان في نهاية القسم عبارة أخيرة بليغة لا يمكن ألا نتوقف عندها بالصمت والتدبر ولو لبرهة قصيرة ، هذه العبارة هي : ” سنبحث عن المعرفة في جميع أنحاء العالم ” .
ومنذ قسم الإمبراطور أصبحت سياسة اليابان مختزلة في تعلم كل ما يمكن تعلمه من الشعوب الأخرى ، وهذا يجعلنا ندير أذهاننا للخلف من أجل تذكر حقيقة تاريخية معروفة عن اليابانيين مفادها أنهم شعب يعتز بنفسه لدرجة أنه لا يقبل وجوده في موضع التلميذ أمام أستاذه الأجنبي مهما كان سيعلمه هذا الأستاذ من معارف ومعلومات ذات قيمة عالية ، لكنها اليابان التي نراها اليوم فائقة في كل شئ ولا تماثل أحداً لأن الأحد هذا بالقطع يصعب وصوله إلى الدرجة التي يقف عليها هذا الشعب الاستثنائي .
واليابانيون ظلوا عقوداً بعيدة قبل قسم الإمبراطور مييجي لا يثقون في الأجانب بل وصل الأمر بهم إلى حد الكراهية والاستعداء أيضاً ، لكنهم أقوياء العزيمة والإرادة ولأنهم صادقون في التغيير قرروا تنفيذ العبارة التي اختتم بها الإمبراطور قسمه . ولكن تبقى معلومة مهمة أو لربما تكون هي المعلومة الأهم ونحن بصدد الحديث عن تولي (مييجي) عرش اليابان وهي أن الذين قرروا تبني سياسة التغيير وتعلم المعرفة والبحث عنها في كل بقعة من بقاع الأرض كانوا قليلين ، هكذا هو حال من يصنع التاريخ ويسجل اسمه بحروف من نور في كتاب الإنسانية ، أما هؤلاء الذين يتشابهون في اللون والطعم ونسبة الكراهية والرتابة أيضاً فهم كثيرون جدا مما يجعل الأمر صعباً في عد أسمائهم وذكرها من ناحية ، وفي استضافتهم ولو بصورة مؤقتة في سجلات التاريخ من ناحية أخرى .
ويروي ( جيلبرت هايت ) في كتابة الماتع ( هجرة الأفكار ) قصة أحد العقول النافذة التي اهتمت بالبحث عن المعرفة من أجل تغيير اليابان ، حيث الشاب اليافع ( هيرو يومي إتيو ) الذي أقنع سيده الإقطاعي الذي كان يدعى ( كوشو ) بأن يهجر السهام والأقواس التقليدية ويستخدم البنادق والمدافع ، وبسبب ذلك ارتكب وأربعة آخرين جريمة قتل كانت عقوبتها الإعدام ، لكن هؤلاء الشباب رحلوا بعيداً فقضوا سنة كاملة في لندن ، وفور عودتهم للبلاد أصبحوا زعماء للحزب التقدمي هناك .
وفي عام 1882 تم تكليف ( هيرو يومي إتيو ) بإعداد دستور لليابان التي لم تكن تعرف من قبل الدستاتير ولا غرابة في ذلك فمصر نفسها صاغت أول دستور لها في السابع عشر من سبتمبر عام 1882 في عهد الخديو توفيق ، أما اليابان فكانت قبل دستورها الذي سيعد تعيش في ظل فوضى العصور الوسطى ، وتحيا ممزقة بفضل الحروب الأهلية الطاحنة ، ومقهورة بسبب ديكتاتورية الحكام .
المهم أن ( إتيو ) هذا اصطحب معه عدداً من الشباب المتلهف للمعرفة والبحث وطاف معهم عدداً كبيراً من البلدان الأوروبية من أجل تعرف دساتير العالم ونظم الحكومات الدستورية ، وبعد سبعة أعوام كاملة أي في سنة 1889 استطاع ( إتيو ) بعد مناقشات وحوارات تمهيدية طويلة جدا أن يقدم دستور اليابان الجديد للإمبراطور الياباني . اليابان هي الدولة الاستثنائية الوحيدة فعلا التي أفادت من بعثاتها التعليمية بعد مشروع محمد علي باشا في مصر والذي أجهض بسبب تركيا التي طلت مجددة على المشهد المصري الداخلي وكأن مصر سببت لها عقدة تاريخية مزمنة وعصية على العلاج ، لكننا مصابون بفقدان الذاكرة وليت المصريين يدركوا أن تركيا هذه هي التي وقفت بالمرصاد إزاء مشروع محمد علي النهضوي والذي سعى فيه إلى استقلال مصر التام والكامل وإلى نهضة تعليمية تمثلت في المدارس والمدارس العليا والتوسع النسبي في التعليم الأزهري ، لكن ظلت تركيا تسعى لإجهاض أية محاولات ترمي إلى قوة مصر وإضعاف الحكام بالقوانين والشروط وغض الطرف عن قصد وعمد تجاه ممارسات الطامعين في مصر المحروسة .
لكن اليابان استطاعت أن تتجاوز محنة محمد علي فلما أوفد اليابانيون بعثاتهم إلى أوروبا لجأوا مباشرة عند عودة تلك البعثات إلى إنشاء وإقامة ترسانات عسكرية برية وبحرية ومدارس للتدريب العسكري ، في الوقت نفسه الذي لجأوا أيضاً إلى ترجمة كل ما تقع أعينهم عليه من كتب وأوراق حتى قصاقيص الورق ، ويكفي أن يذكر كتاب التاريخ كيف استطاع جيش مكون من الفلاحين والعمال والفقراء في تحطيم الأسطول الصيني الرهيب .
ومثلما فكر اليابانيون في إرسال بعثاتهم إلى أوروبا استقدموا 1200 أمريكي بهدف التعلم على أيديهم في كل المجالات ، ولأن هذا الشعب قرر بالفعل التغيير ، ارتضى طواعية لأن يغير لقب المستأجر الأجنبي من اسم ( ياتوي ) إلى اسم ( أو ياتوي ) الذي يعني الأجانب المستأجرين الأجلاء ) ، هكذا كانوا يرون معلميهم وأساتذتهم ، ولك أن تعرف كم كان اليابانيون ولا يزالوا متلهفين على المعرفة والنيل من مصادرها الأصيلة الرئيسة .
أ.د/ بليغ حمدي إسماعيل
أستاذ المناهج وطرق التدريس
كلية التربية ـ جامعة المنيا



