الانتظار و المجتمع اللبناني/خديجة جعفر

إن نلتفت لبنانيا الى فلسفة الأمل من الفيلسوف الألماني :” أرنست بلوخ ” في كتابه مبدأ الأمل (The Principle of Hope)، لربما يصب ذلك في خدمة السؤال :” ماذا ينتظر اللبناني من غد آت؟ “.
ينطلق بلوخ من فكرة ان الإنسان لا يعيش في واقعه الراهن فقط، بل يعيش أيضًا في ضوء ما لم يتحقق بعد معتبرا أن الواقع، ليس مكتملًا او نهائيا بل يتضمن إمكانات لم تتحقق بعد ، من هنا يصبح المستقبل عنصرا فاعلا في الحاضر، لأن ما نأمل حدوثه، يؤثر في قراراتنا اليوم ، وفي سلوكنا، وفي قدرتنا على تحمّل الظروف.
في ظل هذا السفر الزمني بين ماض وحاضر ومستقبل، ثمة علاقة تربط بين الإنسان وحالة الانتظار لعيش ما لم يتحقق بعد من مجاهل غد مثقل بالأمل وصور الآتي ، ما يجعل من الانتظار ، قوة تتجاوز إطار الرغبة الخالصة نحو قوة لإنتاج الأمل، و دافعية للتغيير تخطيا لواقع راهن، من ثم يصبح الانتظار آلية لتنظم المستقبل بناء على خطط الحاضر، ومحددا لمعانيه…
فهل يمكن لحالة الانتظار أن تتخطى الإطار الفردي لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية تعكس واقعا إشكاليا ومؤشرا لأزمة؟
أن يمر الفرد في حالة إنتظار فلا بد من خيالات يأمل تحققها من عمليات رسم مستقبله ، سواء على مستوى العمل ، الارتباط، الكسب أو تطوير مهارات الى آخره من الأهداف التي يأمل تحققها حين نضوج اللحظة، ربطا بمساعيه الفردية وجهوزية مؤسساتية تسعف هذا التحقق ، لكنها سوف تبقى في الإطار الشخصي دون أن تطال الجماعة ..
يحدث ألا يقتصر الانتظار على كونه استجابة فردية لزمن لم يكتمل أو حدث لم يتحقّق على مستوى الأفراد في ظروف تاريخية واجتماعية معينة، فيتجاوز حدود التجربة الفردية ليصبح الانتظار قوة تعيد تشكيل علاقة افراد المجتمع بالحاضر وبالمستقبل. فحين تطول حالة الترقّب، وتتكرّر التأجيلات، وتتفاوت قدرة الأفراد على تحمّلها، يغدو الزمن نفسه عاملا في إعادة لتوزيع الفرص والمواقع والطبقات الاجتماعية ، عندئذ يتحول السؤال نحو من يملك القدرة على إنهاء حالة الإنتظار، ومن المخول بدفع فواتير استمراره؟
فإن يكن الزمن فاعلا في ترسيخ حالة التأجيل من قرارات المشاركة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، عندئذ تتجاوز الآثار التي يرتبها الانتظار الفرد ،لتطال المجتمع ككل، وتنتقل حالة الانتظار من الإطار الفردي إلى مخرز ينخر في بنى المجتمع ، فتفقد قدرات الانتظار وظائفها التنظيمية، والتغييرية وقدرته على صناعة وإنتاج الأمل ليصبح الانتظار في عداد الظواهر الإجتماعية التي تؤثر على تدرج وتراتب القيم ، وعلى أنماط عيش الجماعة وأساليب تفكيرها ،كما سيضرب على وتر معايير توصيف مجتمع ما بين التخلف والتقدم مقارتة ببقية الدول.
فحينما تتأجل عمليات الاستثمار بسبب غياب اليقين، تتراجع فرص العمل وتتأثر المداخيل والقوة الشرائية فتهتز الأدوار والمواقع للبعض من الفئات، فيما تتمكن أخرى من تحسين وحماية مكانتها بفضل مواردها أو سطوتها ،بالتالي سوف تتأثر سلبا مستويات التلبية للحاجات الأساسية ويختلف ترتيب الأولويات من الحاجات الأساسية للعيش كالتعليم والصحة والسكن عن الاستقلالية والانتاجية فنشهد تراجع معدلات النمو الاقتصادي وتعثر تقديمات المؤسسات الضامنة مع ما يترتب من تراجع الخدمات كذلك على مستوى مؤسسات العمل نفسها، فتتوقف أحلام الغد رهنا بقدرات الانتاج، ويتراجع مستوى الوعي الجمعي وعمليات التخطيط للمستقبل البعيد، ليحل محلها قيم الحذر والتقشف من تدابير الحاضر وكيفية مواجهة الأزمات الحالية، فتتراجع الثقة بالوعود وتؤجل القرارات ربطا بتكرار تأجيل الحلول، فلا يعود الانتظار مجرد وقت يمضي استعدادا للاتي بل يصبح عاملا يوزع الخسائر بصورة غير متساوية .
كما وقد يتحوّل الانتظار من حالة فردية إلى ظاهرة اجتماعية قابلة للملاحظة والقياس عندما يتجاوز كونه تجربة شخصية مرتبطة بظروف فرد معيّن، ليصبح تجربة مشتركة بين أفراد جماعة واسعة، تتشابه أسبابها، وتتكرر مظاهرها، وتترك آثرا يمكن رصده على مستويات الفكر والعمل والسلوك والتطلّعات والعلاقات الاجتماعية.لكن هذا التحوّل لا يتحقّق بمجرد أن ينتظر عدد كبير من الناس الحدث نفسه، بل عندما يصبح الانتظار عاملًا مؤثرًا في تنظيم حياتهم اليومية، واتخاذ قراراتهم، وتحديد ما يتوقعونه من المستقبل. فتتحول ظاهرة الانتظار إلى سلطة تمتلك قدرات توجيه السلوك والتفكير نحو الحاضر المنفصل عن المستقبل لتستقر المجتمعات عند مرحلة التكرار نفسه في حالة من فقدان شهية التخيل، وفقدان الثقة بالأمل، فقدان الدافعية لغد مغاير ،لتراوح مكانها في جمود، وحين طارئ ،سوف تفقد أكثر فتتخلى أكثر وتتدحرج هبوطا أكثر فأكثر، فيفقد الانتظار طابعه المؤقت والمرتهن بحدث ينهيه ليصبح حالة مفتوحة لا يملك الأفراد تحديد نهايتها، مما يضطرهم إلى إعادة تنظيم حياتهم ، وتعليق أهدافهم، وتعديل قراراتهم ، وتغيير أنماط عيشهم وسلوكهم، وفق واقع ينسجم مع التأجيل، لحين تتحسن الظروف، فيتخلى الانتظار عن كونه ظرفا عابرا نحو ما يمكن تسميته بنية اجتماعية للزمن المعلّق، وهي حالة تعني كيفية استخدام الناس لوقتهم، وفرصهم المتاحة ، وقدرتهم على الانتقال من وضع اجتماعي إلى آخر ليجد أفراد المجتمع أنفسهم عالقين في واقع يترقّبون تغيّره، بينما تتوقف مصالحهم أو تتعطّل تطلّعاتهم على أحداث أو قرارات لا يملكون السيطرة عليها.
ان حالة الانتظار الجمعي لا تتوقف آثارها على طول المدة فقط، بل تطال الطريقة التي يتعامل بها أفراد المجتمع مع الزمن فيتم تعليق الحياة الفردية على حدث مرتقب وتتأجل القرارات الشخصية والمهنية على ما قد يطرأ لاحقا من تحسن اقتصادي أو تسوية سياسية أو استقرار أمني أو صدور قرارات تعيد إليهم حقوقهم ،فتصبح عمليات التكرار في الوعود دون نتائج ملموسة وتطول مدة الانتظار حتى تصبح مكتسبا وأسلوبا للحياة، تتراجع معها قدرات التخطيط للمستقبل وتنتشر لغة التسليم، والاستسلام، والعجز عن مواجهة الحاضر ( فلننتظر حتى يتحسن الوضع- ماذا يمكن ان نفعل- ليس في اليد ما يمكن فعله- كيف سنتدبر أمورنا – لا حياة لمن تنادي- ننتظر إلى حين تستقر الاوضاع..)
وتكتسب هذه اللغة دلالتها حين تتحوّل من تعبير عابر إلى نمط دائم في التفكير واتخاذ القرارات
على حساب لغة التخطيط لغد مغاير يحفظ حقوق الأجيال ، فتبدأ الأفراد بخفض مستوى التوقعات وتعديل المطالب حتى تتوقف تماما مقابل مصاعب المعاش اللحظي في انتظار ما لن يأتي..
هذا المسار الطبيعي الذي تفرضه حالة الانتظار الجمعي يتخطى توصيف أن يكون خللا، ليصبح أمرا مألوفا ، تتراجع معها حالة الإستغراب من فقدان الحلول ليحل الاقتناع بالمتوفر والمتاح. تتوقف المبادرات الفردية والتعليم والقيم ليقوى ربط الأمل بفرص الخارج سواء إتخذ شكل الهجرة أو الانتماءات فيتغيب ما تبقى من رواسب المواطنة نحو التسليم بقدرات آخر غيبي ديني حينا ودولي خارجي احيانا بعدما تفقد الجماعة ثقتها بقوى التغيير المحلية .. يحدث الأخطر حين لا يستجيب الجميع بالطريقة نفسها فبعضهم يواصل الإنتظار، وبعضهم يبحث عن فرص خارج بيئته، وبعضهم يتمسك بالمطالبة بالتغيير، وقد يكشف هذا التباين عن اختلاف الموارد والفرص والقدرة على تحمّل كلفة الانتظار وردم آثاره بالتحول عن المطالبة نحو الإنقسامات الداخلية لتنتهي رحلة الأمل التي وضع أسسها بلوخ …
لبنانيا، تكتسب المسألة بُعدها الاجتماعي الأعمق، بعد ملاحظة ما راح إليه الكثيرين من خفّض تطلّعاتهم بسبب ظروف مشتركة، فقد تغيّر ما اعتبره المجتمع مستوى مقبولًا للحياة، وما توقّعه من مؤسساته، وما اعتبره حقًا أو امتيازا..
رحلة الانتظار اللبناني ليست وليدة اليوم، والأمل اللبناني لم ينحر منذ الأمس القريب على الرغم من
الفرق بين جذور الانتظار من التجربة اللبنانية، التي بدأت محملة بالمطالب والاصلاحات ثم تحوّلت إلى حالة انتظار شاملة و واسعة ، لتترسخ لاحقا نمط حياة، بحيث خُذِل الانتظار اللبناني تاريخيا مرات عدة، بدءا من صراعات الحرب الأهلية حين انطلق متأملا بتعديلات قانونية وخدماتية وسلسلة حقوق انسانية تعيد الاعتبار لمعايير الحياة الأفضل ، وصولا الى مرحلة إعادة بناء الدولة والحياة ما بعد الحرب، وما رافقها من تطلّعات ،إلى الاستقرار والإعمار والمصالحة. حتى مرحلة ما بعد عام 2000 : حيث برزت بصورة أوضح أزمات التعطيل السياسي، والتجاذب حول تشكيل الحكومات و استمرار الشلل المؤسساتي وتأجيل الاستحقاقات، لا سيما مع الأزمة المالية والأزمة النقدية من المصارف، في 2019
ما رسم خلاصة الخذلان العام مع تفاقم المشكلات للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ظل غياب المشروعات السياسية دون مسار واضح للتعافي.
فأزمة النفايات سنة 2015 لم تكن مجرّد مشكلة خدماتية، بل حملت عناوين لاحتجاجات ربطت تعثّر الحلّ بمشكلات أوسع في الحكم والخدمات العامة والفساد. لتتوج عام 2019 ، بأزمة مالية ومعيشية واسعة جعلت الانتظار مرتبطًا مباشرة بإمكانية تحصيل الودائع المصرفية، والقدرة الشرائية، والعمل، والهجرة، ومستقبل الأسرة ، فبدأ الانتظار يتكرر على نطاق واسع و أصبح جزءًا من القرارات اليومية ، بدأت معها مؤشرات التغيّر مما يتوقعه الناس من المستقبل.
فالمسألة ليست أن اللبناني انتظر حلولًا للازمات، لكن خلال هذا المسار الطويل لم يتمكن الحفاظ على نفس المستوى من التوقعات والطموحات المستقبلية ترافق ذلك مع تغير النظرة الى الحاضر كمنطلق نحو التغيير، بدأ التعطيل والتأجيل للمشروعات والمشاركات والقرارات في أجواء من اللا تكيف العام، تكاثفت الحاجات، التي لبتها أموال المغتربين بدل الدولة الحامية، فنشطت الهجرة وتتالت الانقسامات، وانتقل الإنتظار اللبناني من حالة استجابة مؤقتة للظروف إلى نمط من التكيّف الاجتماعي مؤثرا على تطلّعات الأفراد وتصوراتهم لوجهة التغيير..
يصعب الحديث عن الإنتظار كظاهرة إجتماعية بمجرد نسبه إلى عامل الزمن دون الرجوع إلى ما يتركه من آثار، سواء لجهة شمولية الفئات الاجتماعية، أو لكونه مؤثرا في تنظيم العلاقات والقرارات والمشاركة الاجتماعية ، فلا يعود مجرد تجربة شخصية، بل يتحوّل إلى نمط اجتماعي تتقاطع فيه التوقعات والمخاوف واستراتيجيات التكيّف. ولا يعود رؤية ترقب فردية بل يصبح خللا واضحا في العلاقة الجمعية مع المستقبل، علاقة متغيرة مع الأمل والحراك و امكانات الفعل والتنظيم مع واقع طال أمده، يمتد أثره ليطال إعادة تشكيل علاقة الأفراد بالعمل والاستقرار ، وواقعًا مشتركا يعيد تشكيل السلوك والقيم والتوقع والقرار ونمط التفكير في حدود ما يراه اللبناني ممكنا بعيدا عما يطمح إليه من تغيير للواقع المعاش، والذي قد يتضاعف سوءا، ان يستمر في الانتظار لأنّه عاجز عن تغيير واقعه أو لأنّ اللبناني لم يعد يتصور بديلًا عنه.



