إغفاءات… الموت الصغير/غفران الغريباوي/العراق

خلال سنواتي الثلاث الأخيرة، اكتشفتُ عبر إغفاءاتٍ متكررة، ليلةً بعد أخرى، أن الحياة التي نراها في غرف الأحلام لا تقلُّ متعتها الخالصة عن هذا العالم الذي يُدار في الضوء. إنه ما يُسمّونه “الموت الصغير”؛ حياةٌ كثيفة تتطرق للذاكرة وتعيد إلينا الموتى، وتمارس فيها الرغباتُ المكبوتة حريتها بمزاجٍ عارٍ، في غاية الروعة. رغباتٌ قد لا تخضع له في ساعات يقظتنا المطلقة.
ذات ليلة، وأنا أتقلب في أسرّة التعب، وصلتني برقيةٌ من أمي، تحمل لغةً دافئة تُسائلني ان كنت متعبة، فإذا بي أستحضر صباحات الطفولة المشتهاة بكل تفاصيلها. في تلك اللحظة الفارقة، شعرتُ بأنّ الأمان الذي ظننتُ أني فقدته ما زال موجوداً؛ إنه يقيم في حياةٍ أخرى تتمرد على ثقل الوعي، حياةٍ لا تطالها يد الفراق، ولا تُقنّنها جغرافيا الغياب.
ثمّة إغفاءاتٌ أخرى تلوح وكأنها الحقيقة الوحيدة؛ حتى إن فقدانها عند الصحوة يشبه الموت للمرة الثانية. وحين يضيق الواقع وتشتد صفعاته، يمنحنا الحلمُ فسحةً عجيبةً نُعبّر فيها عما تعجز أرواحنا عن احتماله في وضح النهار. فلا شيء هناك أكثر زوالاً من الاستيقاظ نفسه. ولعلّ المنعمين وحدهم يعرفون كيف يعيشون ذلك السكون الغريب، بينما يدفع البقية الثمن باهظاً في الصباح.
لطالما تدهشني تلك اللحظات التي تنبض بملاذاتنا الآمنة، وأجد أنني أتقاسم مع سيلفيا بلاث نفس الشعور والبوح. ففي روايتها “ناقوس الزجاج” تُصفّ لحظة الأمان بأنها “خطيرة”، لأنها تذكّرنا بأننا لسنا في أمان؛ وأن الأمان الحقيقي موجودٌ فقط في الحلم الذي يسبق الاستيقاظ.
فهل للأحلام قدسيةٌ تعيد تشكيلنا من جديد؟



