حكمة الإحتراق بالألم /غفران الغريباوي

منذ أن دخل الحدادُ قلبي والتهمه ألمُ الفقد التهامًا تامًّا، بمنطقٍ يتجاوز حدود الشعور المألوف، حتى أوشك أن يُضمر كل بهجة تقبل إليه، فحظيتُ باكتشافٍ عظيم لم أكن أعرفه من قبل: ثمة حكمةٌ رفيعة ونادرة لا تولد من الكتب وأروقتها الثمينة، ولا من العزلة الصوفية في أعلى تجلياتها، بل تولد حين تطوي صفحةً كنت تراقب فيها الألم عن كثب، مشغولًا بتجميد اللحظات، ونحتِ تماثيل الماضي بكل لعناته.
ستمثل انعطافة حادة تحرّك الرؤية نحو وضوحٍ مدهش، تتسع فيها المرآة وتستوعب التناقضات، كما لو كنتَ فيلسوفًا متمرّسًا؛ يرمق العالم كما ينبغي أن يكون؛ حيث تتكشف الرومانسيةُ المبتذلة التي كنت تحسبها عشقًا، والسخاء المجنون الذي ظنناه يومًا فضيلة، وكلُّ قطعةٍ متآكلةٍ منحت ثقلًا كتحفةٍ معماريةٍ ثمينة.
ورحلة التحول هذه من كائن مقذوف في بطن العشوائية إلى عارف رصين بالحياة، لا تُمنح إلا لمن تكثّف إحساسُه؛ إن للأمكنة والأصوات والوجوه زمنُ انتهاء صلاحية يستدعي الانتباهَ إلى طزاجة رائحتها كل حين.
وهذا أجمل ما يسطع في مرارة التجربة على الإطلاق؛ لطالما أهدتني الحياة، من منطقها الذي أكرهه، كون الألم قدر جماعي، لكنه يخلق فلسفة بعيدة للحياة تضاهي قدره بؤسًا ووحشة.
تذكرتُ قولًا كنتُ قرأته على لسان لير أحد أبطال مسرحيات شكسبير، والآن لحتى فهمتُ قصده: «طوبى لمن جرّبوا»؛ وإن لم يكن نصًّا حرفيًّا في بعض الترجمات.
نعم أجدني اليوم وبعد هذا الانكشاف المتعالي بالحكمة، أقتنع تمامًا وأكتب بصدق لماذا يصرّ الأدباء الكبار على أن الروح التي لم تُجرَّب لم تبلغ بعدُ إنسانيتها الشديدة.



