تأملات / غفران الغريباوي

يمكنني القول الآن وبعد تنظيف عدستي كاملةً من اندفاعها الطفولي،
فمن دون شك لم يخدع المرء في شيء كما خدعته المبالغة في تقدير الحب والأشياء التي ظن أنها ستمنحه أعظم سعادة ممكنة.
فالخيبة الكبرى لا تأتي فقط من لوم ما نعانيه حقًا، بل من منح الليل العادي بريقًا مكتملًا من متخيّلنا المحض.
هذه المسافة بين الحكمة المرهفة والمرارة الجافة كثيرًا ما تكون فخاخًا روحية، نقف داخلها مملوئين بقسوة يعزّ نظيرها.
تدور في ذهني تلك القاعدة الغوستافية المذهلة: ماذا يفعل الانسياق إلى الخيال المتضخم بمدام بوفاري؟ وما آلت إليه من ألم جنوني افقدها رؤية الانسجام مع نفسها ومع من هم حولها.
بوفاري لم تخنها الحياة بقدر ما خانتها المكتبة المتكدسة في رأسها؛ المثالية القصوى التي رسمتها عن الحب والرجال والحياة. صنعت لها سجنًا لذيذًا بعنادٍ ساحر، ثم تألمت حين لم يتسعه واقعها الباهت.
نسجت في رأسها عوالم رومانسية مستمدة من الروايات التي قرأتها، فارتطمت ببطء وقسوة بصحراء الحياة الريفية المملوءة في يونفيل-لاباي.
لم يكن عشاقها سوى أجزاء عادية من عالم مُلتمع، ثم افرغت شحنات الحزن لأنهم عجزوا أن يكونوا الشمس المطلقة التي حلفت بها.
واجد اسقاطاتها تمامًا على فلسفة العلاقات بعمق، نحن لا نقترب من غيرنا عراةً من تهويل الظنون؛ نقترب منهم وفي أذهاننا لوحة فيلٍ كامل” تخيلناه من ملمس العاج وحده، بينما الواقع لا يمنحنا إلا قطعة منه.
لذا تنطلي حكمة الهروب من المآسي البوفارية لا في اقتناص الدهشة، ولا في إطفاء شمعة الاختيار؛ بل أن نرى الأشخاص مجرد أجزاء لا ككلاً، وألا نحمل الحياة أكثر مما تنبض به. ان نبصر في عين تعي حتمًا أن الإلماع ليس نورًا مطلقاً.
فيما أرفض بشدة نمط التفكير الثنائي عن تحميل الآخرين مسؤولية إكمالنا.
ببساطة لانهم بشر عاديون، وليسوا أبطالاً لروايات.
وقد ألفيتُ نفسي إنسانةً من هذا الطراز.



