مَن يُنصف الحكاية …؟حسين عبروس

– ليس التحكيم الأدبي إجراءً إداريًّا ينتهي بإعلان الفائزين، بل هو فعلٌ نقدي تتقاطع فيه المعرفة بالذائقة، والمسؤولية الأخلاقية بالحكم الجمالي، وتُختبر فيه قدرة المحكّم على التمييز بين النصّ الذي يكتفي بقول شيءٍ ما، والنصّ الذي يحوّل قوله إلى تجربة فنية حيّة. وتتضاعف هذه المسؤولية في أدب الأطفال واليافعين، لأنّنا لا نحكّم حكايةً فحسب، بل نقوّم عملًا يسهم في تشكيل خيال الطفل ووعيه وعلاقته باللغة والعالم.
-إنّ النصّ الجدير بالتقدير لا تضمن له فكرته النّبيلة وحدها مكانةً أدبية، كما لا تكفيه سلامة اللّغة أو جمال العبارة؛ فقيمته تتشكّل من تآلف عناصره: أصالة الفكرة، وتماسك البناء، وحيوية الشّخصيات، وفاعلية الحوار، وثراء الخيال، وجمال الأسلوب، وملاءمة الخطاب للمرحلة العمرية. أمّا الرّسالة التّربوية، فتبلغ أعمق أثرها حين تنبثق من صميم الحدث، لا حين تُفرض عليه في صورة موعظة مباشرة.
ومن أجل ترسيخ الإنصاف، تبرز ضرورة اعتماد بطاقة تقييم واضحة، من مئة نقطة، تشمل المضمون والبناء الفني واللغة والأسلوب والشخصيات والرسالة الإنسانية والخيال، مع إعلان المعايير مسبقًا، وتطبيقها على جميع المشاركات، والاستناد إلى شواهد نصية في إصدار الأحكام. فالشّفافية لا تعني كشف كلّ ما يدور داخل لجنة التّحكيم، بل تعني وضوح قواعد المنافسة، واستقلالية القرار، وإمكانية تفسير النّتيجة والدفاع عنها نقديًّا.
ومع ذلك، ينبغي ألّا تتحوّل الأرقام إلى بديل عن القراءة العميقة، وأن لا يُختزل الإبداع في مجموع النّقاط؛ فالبطاقة أداة لتنظيم الحكم، لا آلة لإنتاجه، والذائقة النّقدية ضرورة، شريطة أن تسندها الخبرة والحجة، وألّا تستسلم للأسماء اللّامعة أو العلاقات الشّخصية أو الأحكام المسبقة. وقد لا يكون النّصّ الأقرب إلى ذائقة المحكّم هو الأجدر بالفوز، لأنّ الأمانة تقتضي أن يتقدّم استحقاق العمل على ميل صاحبه أو مكانته.
وفي المقابل، لا ينبغي للمبدع أن يجعل الفوز المعيار الوحيد لقيمة تجربته؛ فعدم التّتويج لا يعني انعدام الموهبة، كما أنّ الفوز لا يمنح النصّ حصانةً من النقد. إنّ المسابقة الناجحة ليست التي تفرز فائزًا وتترك الآخرين أمام صمت النتيجة، بل التي تُرسّخ ثقافة القراءة والتطوير، وتمنح المبدع حافزًا لمراجعة أدواته، وتفتح أمامه أفقًا جديدًا للكتابة.
-إنّ السؤال الحقيقي ليس: مَن فاز بالحكاية؟ بل هل أنصفنا الحكاية؟ فحين يكون التحكيم عادلًا، تصبح الجائزة اعترافًا باستحقاق فني، لا حكمًا نهائيًّا على الموهبة؛ وحين يختلّ الميزان، قد تخسر المسابقة ثقة المبدعين قبل أن تخسر بعض النصوص فرصتها في الفوز. لذلك، فإنّ إنصاف الحكاية هو إنصاف للطفل الذي يستحق أدبًا يحترم عقله ويوقظ خياله، وللكاتب الذي يستحق أن يُقرأ عمله بعيدًا عن اسمه، وللثّقافة التي لا تُقاس حيويتها بعدد الجوائز، بل بقدرتها على اكتشاف الأصوات الجديدة ورعايتها،فالجائزة تمنح نصًّا لحظةَ تتويج، أمّا العدالة فتصون للإبداع حقّه في الظهور؛ وحين ننصف الحكاية، فإنّنا لا نختار فائزًا فحسب، بل نحمي مستقبل الكلمة.



