الترجمة أفقا للحوار :قراءة في استرتيجيات النقل اللغوي في الثقافة العربية القديمة/جواد عامر

لا يمكن لأي ثقافة إنسانية أن تظل حبيسة الأسوار الجغرافية ، لأن الثقافة تميل دوما بطبيعتها نحو الاكتشاف والعبور، إنها لا تحب الاستقرار والثبات في نفس المكان بل تهوى الامتداد ومعانقة الثقافات الأخرى سواء عبر بحثها المتواصل عن روافد جديدة في جغرافيات أبعد ، أو عن طريق احتضانها للروافد الدخيلة عليها وإعادة تركيبها في بوتقتها الحضارية ، ولعل نظرة فاحصة إلى التاريخ الثقافي للمجتمعات العربية والغربية سيؤكد لا محالة أن التثاقف ظل سنة كونية لا غنى عنها ـ كفعل إنساني وحضاري ـ مورس عبر التوسع الجغرافي الذي فسح المجال لدخول ثقافات جديدة وانصهارها في بيئة مغايرة لثقافتها كما حصل في الثقافة العربية حينما تعددت روافدها الثقافية والعرقية من فرس وهنود وزنوج وغيرهم أو عبر الكولونيالية التي مررت ثقافتها إلى البيئة الجديدة واسترفدت هي الأخرى ثقافة المحضن الأصلي ، كما حصل زمن الحروب الصليبية أو إبان الحركة الإمبريالية الأوروبية وما صنعته بالشعوب الضعيفة من استغلال للموارد وكبح للثقافات ومحاولات للطمس تغيت تشويه الهوية وإقصاءها في مقابل بث سموم الإيديولوجيا الاستعمارية وتثبيت دعائم ثقافته داخل البيئات المستعمرة.
حركة الترجمة في البيئة العربية
عرفت حركة الترجمة في المحضن العربي انتعاشا كبيرا ، لانتعاش حركة العلم والأدب والثقافة في مرحلة من التاريخ توسعت فيها الرقعة وتلاقحت فيها الثقافات فكان من أبرز نتائجها اغتناء البيئة العربية بالمعرفة من شتى الصنوف ، وكانت حركة الترجمة من العوامل المسهمة بشكل فعال في إثراء المشهد الثقافي العربي زمن العباسيين ، خاصة وأن الثقافة العربية انتقلت من فعل الرواية إلى الكتابة ما غير سمات المحضن الثقافي الذي فسح المجال للكتابة التي كانت مذمومة من قبل بالحضور في الممارسة الثقافية ، فعل رسخته الثقافة الدينية نفسها ، فقد ورد عن النبي عليه السلام أنه قال : لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه ” وللجاحظ رسالة في ذم الكتابة والكتاب تؤكد مركزية الثقافة الشفهية ، غير أن هذه المركزية ستتلاشى في ظل التثاقف والانفتاح على الحضارات البعيدة فانتشرت صناعة الورق وكثرت الوراقات وبنيت أكبر مكتبة عربية : بيت الحكمة “، وجلبت الكتب من شتى البقاع حتى إن المأمون كان يرسل في طلب الكتاب يجلبه من بلاد الفرنجة ويعطي مقابله الهدايا الثمينة كي يتولى الترجمان ترجمته إلى العربية ، فشهدت الترجمة حركة واسعة تحت إشراف من السلطة وبتوجيه منها حيث خصص الخليفة العباسي مقرا خاصا للترجمة وعني بها كل العناية وبأصحابها من المترجمين الذين عرفوا ببراعة النقل من السريانية واليونانية والسنسكريتية ، ولعل ما شهدته هذه الفترة وما بعدها من غزارة في المنتج المعرفي في شتى الصنوف أدبا ونقدا وشعرا وعلوما حية وفكرا وفلسفة ..، لم يكن ليتأتى في المحضن العربي لولا الترجمات التي قام بها علماء متخصصون قدموا المادة المعرفية على طبق من ذهب للدارسين والعلماء من أجل قراءتها وتمحيصها وتدقيق ما احتاج فيها إلى الدقة وتصويب ما لزم التصويب ، فكانت المادة المترجمة سواء الوافدة من اليونان أو الفرس أو الهند ذات أثر كبير على سيرورة الثقافة العربية وتوجيه دفتها نحو تأسيس مشروع معرفي شمل حقولا عديدة ظهرت آثاره واضحة في الثقافة العربية التي شهدت ذلك الثراء المعرفي الذي تفجر من ينابيع العبقريات ذات الأصول العربية أو الأصول الفارسية أو الرومية أو غيرها من الأعراق التي اندمجت وتثقفت بروح الثقافة العربية لغة وعقيدة وخلقا وأدبا ، فكانت لترجمة الأرغانون ( منطق أرسطو) ،والإيساغوجي دور كبير في تطور علوم الآلة، كما استفاد النقد العربي في القرن الرابع الهجري تحديدا من الفكر المنطقي الذي داخله مع قدامة بن جعفر وظهور الموازنة للآمدي والوساطة للقاضي الجرجاني ، واستفاد علم الكلام والفقه وظهر أثر المنطق فيها بشكل جلي ،وترجمت كتب أرسطو نقلا عن اليونانية الى العربية أو من السريانية التي كانت لغة النصارى الذين كان منهم النساطرة ممن كتبوا الفلسفة اليونانية باللغة السريانية وترجمت شروح الإسكندريين عليها ، ونشير في هذا السياق إلى أن الترجمة ابتدأت من عهد المنصور إلى عهد الرشيد أي من ( 136هـ ـ 193هـ ) وتولى الترجمة في هذا العصر ابن المقفع الذي ترجم الكثير من الكتب مثل “كليلة ودمنة “وكتاب ” مزدك ” وكتاب خدينامه “قال د. أحمد أمين : ” وقد ترجم ابن المقفع كتاب ” خداينامه ” وهو كتاب في تاريخ الفرس من أول نشأتهم إلى آخر أيامهم وقد سماه ابن المقفع ” تاريخ ملوك الفرس ” والظاهر أن الطبري اعتمد عليه في تاريخ الأمم والملوك عند كلامه على الساسانيين ” وترجم كذلك كتاب ” آيين نامه ” ومعنى الآيين النظم والعادات والعرف والشرائع ” (1) ، وتمتد الفترة الثانية في زمن المأمون من (198هـ إلى 300هـ ) وأشهر المترجمين وقتها يوحنا أو يحيى البطريق مولى المأمون ويوسف بن مطر الوراق وحنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين وغيرهم ثم توالت الترجمات بعد هذا العصر على يد متى بن يونس ويحيى ابن عدي وابن زرعة وتولوا ترجمة كتب أرسطو المنطقية والطبيعية ركما استفادت الثقافة العربية من المنتج الهندي الذي شكل رافدا مهما أغنى أغنى الثقافة العربية وعبد لها الطريق نحو صناعة معرفية اتسمت بالجدة والتطور ستشكل الدعامات الأساس لتطور المعرفة الإنسانية ، متضفرة مع غيرها من الروافد المعرفية الأخري يقول الأصفهاني : ” إن الهند لهم معرفة بالحساب والخط الهندي وأسرار الطب وعلاج فاحش الأدواء والرقى وعلم الأوهام وخرائط التمثيل ونحت الصور وطبع السيوف والشطرنج والحنكلة وهي وتر واحد يجعل على قرعة فيقوم مقام العود أ ولهم ضروب الرقص والثقافة والسحر والتدجين ” (2).
الترجمة بين الفكرة والمضمون و استراتيجيات النقل
إن فعل الترجمة في الثقافة العربية كان حتمية لا غنى عنها بحكم اتساع الرقعة وتداخل الأجناس ، غير أن فعل الترجمة نفسه لم يكن ليمارس النقل من منابعه لغة ومضمونا كما تشكل في محضنه الأصلي وإنما كان لابد من الاحتراز من الفكرة قبل الشكل باعتبار الترجمة فعلا يتجاوز حدود النقل اللغوي إلى نقل الثقافة بما تعج به من أفكار ومعتقدات ورؤى من العالم ، ومن هنا تحرى المترجمون كل الحذر في نقل فلسفة اليونان تحديدا وامتنعوا عن مسرحهم لما يعج به من وثنية وميثولوجيات رأى فيها أهل السلام إفسادا للعقيدة فطرحوها جانبا ، وكان هذا من أهم أسباب تأخر ظهور المسرح العربي في التاريخ الثقافي، وطرحوا ما في الفلسفة اليونانية من أبعاد ميتافيزيقية وجدوا منافاتها لتعاليم الإسلام وامتصوا منها ما رأوه في خدمة العقيدة ووظفوها التوظيف الملائم مع اختلاف في ردود الفعل التي ولدتها فلسفات جديدة حاولت أو تفصل بين الدين والفلسفة كما فعل الفارابي فاتهم بالزندقة وصنع ابن رشد لما أرسى فكرة العقل البرهاني فهوجم وحرقت كتبه واتهم بالزندقة ، ورغم هذا التحرز الشديد من المترجمين واعتمادهم على مبدإ الانتقاء والتصفية في نقل المعرفة الفلسفية فإن تيارات معادية للإسلام من أصحاب الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية والرادشتية والمزدكية والحرانية وغيرها حاولت أن تنتصر لفكرها ومعتقدها حاربت الإسلام في عقر داره واجتهدت في تشويهه من الداخل فظهر فرق كثيرة منها الكلدانية والحرانية إلى جانب فرق دينية جديدة تشكلت في المحضن العربي تفرعت عن اليهودية كالقرائين والسامرة واليعاقبة والملكانية عن النصرانية ، كلها تكتلت في مواجهة الاسلام المنتصر فظهرت الغنوصية والأفوطينية المحدثة وانتشرت في البيئة الاسلامية أفكار الزندقة والإلحاد الاتي حاربتها السلطة محاربة شديدة ، يقول د. سامي النشار : إن الفلسفة الإسلامية الحقة لم تتناول أدبا الفلسفة من حيث انتهت لدى الأفلاطونية المحدثة ، لقد تلقى هذه الأخيرة رجال نشأوا في العالم الإسلامي ولم يستطيعوا أن يردوا أنفسهم عن التفلسف ، أما رجال الفلسفة الإسلامية أو بمعنى أدق الفلسيفة المسلمة فقد كانوا في حلقاتهم يضعون تصورا فلسفيا جديدا مما أبعده عن تلك الفلسفة الانتخابية الموفقة التي قذف بها إلى العالم الإسلامي السريان من يعاقبة ونساطرة والصابئة وعاونهم عليها أمراء الترف الحالمون في قصورهم المرفهة المنيفة ” (3) ، ومهما حاولت الفلسفة الإسلامية أن تتملص من البعد الميثولوجي والميتافيزيقي للفلسفة اليونانية عبر الترجمات فإن أثرها كان قويا في فكر فلاسفة كبار أمثال الكندي الذي نسب العقل والنطق للأجرام السماوية كما فعل الحرانيون واليونانيون يقول سامي النشار : ” بالرغم ممنا قلناه من محاولة الكندي الأخذ بالطابع المنهجي للفلسفة اليونانية دون نظرياتها التفصيلية والمطبوعة أحيانا بالطابع الأسطوري فإنه لم يستطع التخلص من بعض النظريات التي تتعارض مع أصول العقل والشرع أيضا “(4) .
لقد كانت الترجمة أمام مواجهات حامية الوطيس احتاجت إلى براعة المترجم وقدرته على فهم المضامين وإدراك الأنساق المضمرة النابعة من عمق الثقافة المسترفَدة ، مثلما كان أمام مواجهة المصطلح العلمي والفلسفي والأدبي وهي مواجهة تمت في اتجاه آخر انضاف إلى واجهة المضمون ، ولعل هذه المواجهة في نظري كانت أعسر من مواجهة المضامين لأن المترجم يمكنه أن يتصرف لغة وتركيبا في نقل المعاني التي يجدها متلائمة مع الفكر العربي أو طرحهها وإقصائها إذا كانت منافية لخصوصيات المحضن الديني العربي غير أن نقل المصطلح بحمولته الدلالية وتركيبته الأصواتية ومرجعياته وإحالاته الثقافية والابستمولوجية ، لذلك سيكون تعامل المترجم مع المصطلح بدهاء كبير.
فترجمة مصطلحات مثل الأرغانون بعلم المنطق واللوغوس باللغة والعقل والاحتكام إإلى المنط والإيتوس المتعلق بشخصية الخطيب اوالباتوس المتعلق بإثارة العواطف والتأثير في المتلقي والتراجيوس والكوموس ونقلها إلى العربية كان من أشق الأمور على المترجم لانه كان يأخذ وقتا أكبر في تحري دقة النقل ليبقي على وظيفة الاصطلاح كأداة ومفتاح للمعرفة ، إنه وعي إبستيمي تشكل في عمق فعل الترجمة في ثقافتنا العربية مكن من تأسيس فعل الاصطلاح الذي أخذ يشق طريقه في ثقافتنا في مختلف صنوف المعرفة نحوا وصرفا وبلاغة وعروضا ونقدا وعلوما حية ، إذ إن أي إخلال بالمصطلح من شأنه أن يخل بالمفاهبيم المعرفية ويشوه النقل ويسقطه مخرجا إياه عن دوره الذي وجد لأجله ، ولهذا تحرى المترجم العربي الدقة المصطلحية أكثر من غيرها ، فسلك لأجل ذلك استراتيجيات عديدة في النقل اللغوي سواء للمتن أو للمصطلح محاولا أن يظل وفيا للنص بما فيه دون مساس بسمات الثقافة الدينية ، إذ بنى المترجم استراوتيجية فعل الترجمة على أساس الإيمان بالذات رغم أن دافع الترجمة يكون دوما تحصيل المنفعة من الآخر المختلف يقول : ” سايغل ” : إن الترجمة تنشأ من الحاجة إلى ربط مصلحة أحدهم بمصالح الآخرين والتعبير عنها بصورة مناسبة وما تشتمل عليه الترجمة في هذه الحالة لا يقتصر على قدرة المرء أن يتكلم لغة أخرى غير لغته بل يتعداه إلى القدرة على إعادة صياغة أفكاره وأفعاله على نحو يتسق مع الأشكال المقبولة وهي تتوافق مع الحاجة إلى الخضوع للأعراف القارة في نظام اجتماعي معين وإذ يذعن المرء لأعراف الكلام والسلوك ( التي تسبق نواياه ومقاصده ، كونها أعرافا على وجه التحديد ) فإنه يقر في حقيقة الأمر ما يبدو على أنه يتخطى الذات ويتجاوزها ” (5) ، لذا فالترجمة العربية وهي تؤمن أن فعلها ليس مجرد نقل للغة أخرى وإنما أفق حواري منفتح على ثقافات جديدة تتفاعل معها أثناء النقل وتتحاور مع شبكاتها المركبة يتولد عنها سجال بين الأنا والآخر يحاول كل منهما أن يفرض مركيته وهيمنته عبر اللغة والمصطلح والأفكار ما يخلق نوعا من الصراع الفكري بين المترجم والنص لحظة النقل ، صراع عمد فيه المترجم العربي إلى إثبات حضوره عبر الانتقائية والإقصاء الاتي لم تقتصر في نظري على الأنواع فقط كما ذهب إلى ذلك جملة من الدارسين العرب والمستشرقين ومنهم جرونباوم الذي قال عن الحضارة الإاسلامية : ” كأنما تلتهم كل ما تصادفه ولكنها مع ذلك كانت تتخير غذاءها تخيرا دقيقا ومن ثم فقد رحبت بفنون الجدل الإغريقية ومنهج التأويل الرمزي وسيكولوجية الزهد المسيحي كوسائل توسع بها دعامتها الأساسية ” (6) وتشييد صرح لغوي جديد للمصطلح الفلسفي والعلمي بمهارة عالية مكنته منها قدرات العربية الاشتقاقية والتوليدية وأعا نه عليها وعيه بضرورة الحفاظ على اللغة والاسلوب بعيدا عن منطق ترجمة الكلمة مقابل الكلمة كما حذرا منها كل من شيشرون وهوراس، يقول شيشرون : لم أر ضرورة لأن أتـرجم كلمة مقابل كلمة بل حافظت على الأسلوب العام وقوة اللغة ” (7) ، إن ما يهم هنا هو نقل المعنى كما أنتجته الثقافة الأصلية حتى لا يسقط المترجم في مذهب هوراس المرفوض وهو النقل الحرفي الذي يجعله ضعيف الفؤاد في دعوة منه إلى ممارسة المحاكاة الحرة التي نادت بها نظرية الترجمة الحديثة يقول هوراس : ” من العسير معالجة موضوع مطروق على نحو جديد ولأنت أدنى إلى الصواب لو شطرت قصة طروادة إلى فصول ، مما لو أنتجت قصة غير معروفة ولاىعهد للناس بها . ولعلك تجعل العالم ملكا خاصا ، ما دمت لا تتسكع في الطريق المعبد الممهود ، ولا تعنى بالنقل الحرفي كالمترجم ضعيف الفؤاد ولا تنتهي بك المحاكاة إلى الوثوب في حفرة يقعدك الخجل أو طبيعة الإنتاج ذاته عن تحريك ساكن للخلاص منها ، ولا تبدأ كما بدأ كاتب الملحمة قديما : سأغني قصة بريام والحرب المشهورة ” (8) ، إنه تأسيس لمملكة المترجم خارج أسوار النص الأصلي كان من الاسترتيجيات التي عمد إليها المترجم العربي نقلا عن الفلسفة اليونانية تحديدا والميثولوجيا الإعريقية حيث أعاد النص بمعناه وفق النسق اللغوي والأسلوبي العربي ما زاد من جناليات النص بعد تلبيسه لغة جديدة موسومة ببااغاتها العليا واسلوبيتها الفريدة .
النص المترجم وأفق البلاغة
من المؤكد أن نقل النص من لغة إلى أخرى لا يعني البتة نقل الألفاظ وترجمة التراكيب إلى لغة جديدة مع الحفاظ على المعاني فحسب وإنما هي نقل ثقافي لمحضن مغاير يتلبس بلبوس تلفظي جديد تسيجه البلاغة ، لذا فإلباسه حلة لغوية جديدة كالعربية بما تحويه من بلاغات وبيان وأساليب ، يكسبه خارج أسوار اللغة الأصلية وأنساقها النحوية والتركيبية معدنا جديدا يزدان به ، لا لأن اللغة / الأصل تفتقر إلى مقومات الجمال الأسلوبي وإنما لأن إخراج النص من محضنه الثقافي إلى محضن جديد بهوية مختلفة يعيد تشكيله جماليا خاصة حينما يتلعق الأمر بالمحاكاة الحرة التي شملت نصوصا كثيرة في التاريخ العربي كالإلياذة والأوديسة ونصوص صوفوكليس وأسخيلوس وغيرها مما أنتج خارج قواعد الحقل الفلسفي المتسم بصرامتة الموضوعية وطبيعته المتمنعة على المحاكاة ، ما استلزم من المترجم الوقوف عند حدود النص بمفاهيمه وأفكاره ومصطلحاته والالتزام بما جاء فيه من المعطيات دون تشويه أو تزييف مع ممارسة انتقائيته لما يتوافق مع المعتقد الإسلامي وطرح ما يخالفه حفظا للعقيدة والقيم الدينية كما جاء بها الوحي الذي ظل محتفظا بمركزيته في الثقافة العربية.
لقد منح التركيب العربي ببلاغته وبيانه وسمحت المعجمية العربية بغزارتها ومكنت الطبيعة الاشتقاقية والتوليدية للعربية المترجم من الأدوات المعرفية والجمالية لصناعة نص مترجم لا يخرج من دائرة الصناعة الجمالية التي تسم العربية ، ما جعل تلقي النص المترجم في الثقافة العربية تلقيا شديد التفاعل يضاهي النصوص المنتجة من قبل الأدباء والسعراء في ثقافتنا العربية ، خاصة وأنه نص جديد محمل بثقافة وفكر جديد خلق دهشة فلسفية أمام المتلقي العربي الذي أخذ يسترفد ثقافات جديدة وبدأ ينفتح على الآخر المختلف ليتغذى من روافده المعرفية وتتجسر العلاقات أكثر مع الشعوب الأخرى وتمكن الترجمة من تشكيل أفق كبير للحوار أثرى الثقافة العربية وأسهم إيجابا في تطور المعرفة وبناء حضارة عربية إسلامية شهد لها القاصي والداني بالمكانة العلمية الراقية الي بلغتها بفضل الترجمة والتلاقح مع الأعراق المختلقة .
الترجمة والتلقي في المحضن العربي
لم يكن المتلقي في ذهن المترجم خارج ممارسته وإنما ظل حاضرا في تفكيره وهو يرسم خطوات الترجمة ويعيد تشكيل اللغة والأسلوب ويبحث بجهد عن مقابلات للمصطلحات اليونانية ، فجاء أسلوب الترجمات في فن الشعر ” والخطابة ” والأخلاق النيقوماخية ” والأرغانون ” والجمهورية ” مثلا وكتاب خدينامه لابن المقفع وكتاب السند هند وغيرها على السنن العربي المبين ، إذ كان المترجم على وعي تام بطبيعة المتلقي الذي يتميز بذائقته اللغوية العالية وحسه اللغوي المرهف والذي شكلته مدونة الشعر والنثر معا على امتداد قرون ، لذا كان من الصعب للمترجم أن ينحدر باللغة إلى أدنى المراتب فيسفها إسفافا في وقت من التريخ كانت للغة فيها علة كعب وللذائقةة شأن أعظم ، فكان قلم المترجم يقف ليتخير أجود اللفظ وأنسبه وأحسن التركيب وأبدعها مما يهب النص جماله التعبيري ويكسوه بحلة أنيقة من الأسلوب الممتع الجميل خاصة وأنه ينقل ثقافة جديدة وفكرا مغايرا للثقافة العربية ، فكان تحريه النقل على أتم ما يكون التحري ، دقة وأناقة وتخيرا للألفاظ والعبارات الموافقة للمعاني تخيرا يراعى فيه التلقي ويوافق ذوقه العربي .
خاتمة
لقد كان فعل الترجمة في الثقافة العربية فعلا استراتيجيا ولم يكم جرد نقل من محضن لآخر، نهج فيه المترجم خططا محكمة نمت عن وعيه الابستمولوجي المبكر بفنون الترجمة وفقا ما بلغته ال’ن نظرية الترجمة في العالم ، خالقا جسورا متينة للحوار البناء مع الثقافات الوافدة والدخيلة ، افاد من منهلها الكثير وبنى على ارضيتها صنوفا من المعارف التي مكنت الإنسان بعد عصور من تطوير المعرفة الإنسانية والرقي بها إلى أعلى المدارج ، ما جعل الترجمة فعلا إنسانيا موسوما ببعده الكوني الذ يجعل من المعرفة مشتركا إنسانيا يحتاج إلى نهج محكم ومضبوط عند التثاقف لصناعة أفق أرحب للحوار بين الثقافات .
الهوامش
1.أحمد أمين ضحى الاسلام ج 2 دار الكتاب العربي بيروت لبنان ط 10 د.ت ص 177
2.الأصفهاني محاضرات الأدباء تهذيب ابراهيم زيدان مطبعة الهلال بالفجالة مصر 1902 ص 93 وانظر ضحى الاسلام ج 2 ص 234
3. علي سامي النشار نشأة الفكر الفسفي في الاسلام ج 1 ص 192
4. رسائل الكندي الفلسفية ص 254 و255
5. Siegel, james t. (1986) Solo in The New Oreder: Language and Hierarchey in an Indonesian Cikty , Princeton: Princeton University Press.
6. إيخنباوم حضارة الاسلام ترجمة عبد العزيو توفيق جاويد مكتبة مصر طبعة منقحة يناير 1953 ص 407
7.دوغلاس روبنسون الترجمة والامبراطورية نظريات الترجمة ما بعد الكولونيالية ترجمة ثائر علي ديب دار الفرقد ط 2 سنة 2009 ص 96
8.Horace Quitus Horatius Flaccus 20B.C.E.?Poetica ‘;translated by E.C.Wickham as ‘The Art of pietry in Hazard Adams ed Critical Theory Since Plato ,68- 75 New york



