الشاعر مفكرا أو حين َيُشْعِرُ الفِكْرُ/جواد عامر

قد تبدو العلاقة بين الشعر والفكر منفصمة العرى في تصور المتلقي لارتباط الشعر في مفكرته بالوجدان والإحساس ، ما يجعل الفكرة من حيث تكوينها مستبعدة من هذا التمثل الجمالي ، فيحصر الشعر في دائرة العواطف والمشاعر، دون أن ينعتق خارجها إلى فضاء أرحب يعد صانع الفكرة التي تعبر عن ذلك الإحساس ، إذ إن التلقي الذي تحكمه مناخات عديدة في النتاج الشعري من وزن وإيقاع وموسيقية وتلاعبات باللفظ وصنعة ورونق ومخرج وغيرها من عناصر اللعبة الشعرية تجعله رهين محبس وحيد هو الجانب الانفعالي والتأثري ، بما تبثه القصيدة من حماسة أو حمية أو ألم أو شكوى أو غيرها مما يجيش به وجدان الشاعر فلا يلبث أن يتفجر كلمات وصورا لا يأخذ منها المتلقي إلا ما أحسه في داخله فيستجيب عاطفيا دون أن يفكر لحظة في الفكرة التي أنتجت هذه الصناعة حتى حملته على أن يحس ويتذوق الجمال فتهتز أوتاره قاطبة لما ترسله القصيدة من دفقات شعورية .
إن الشعر كغيره من صنوف الثقافة والإبداع لا يمكنه أن ينتج خارج أسوار الفكرة ، لكن طريقة تشكلها في أبنية الشعر صورا وأخيلة وترميزات تحققها صور البلاغة التقليدية إلى جانب الموسيقية ما يجعلها تتقنع بأقنعة جديدة تخفي معالمها التي تتحول إلى طبقات فتحتاج من القارئ إلى الحفر داخلها لاستكناه المعنى وكشف المضمر ، لذا تظل الفكرة نواة الإبداع الشعري يعمد فيها الشاعر إلى إضمارها وإلباسها حللا من الأبنية والتصاوير التي تجعلها غير معلنة بشكل مباشر كما يكون في نصوص خطابية مباشرة ، إنه يمنح الفكرة معنى أنطولوجيا جديدا وجماليات متفردة تخلق الدهشة عبر فعل الاكتشاف والتأويل الذي يمارسه القارئ ،لذا فالقصيدة العربية وهي تؤسس بنيتها على مبدإ الوحدة العضوية واستقلالية البيت في المعنى كانت فيها الفكرة ذات طبيعة مستقلة ينفرد بها كل بيت يستطيع عبره القارئ أن يفحص فيه العلائق ويحفر في طبقات البنية ويفكك الشفرات ليصل بذائقته وموسوعيته إلى المعنى المختبئ ، ولعل هذه الوحدة كانت من أبرز السمات الجمالية للنص الشعري العربي التي جعلت من نسج الأفكار الهم الأكبر الذي واجه الشاعر العربي وهو يحيك خيوط اللعبة الشعرية ، ومن هنا يستشعر المتلقي العربي ذلك الاختلاف العميق بين شعر هذا الشاعر وذاك ، فيدرك أن شاعرا يميز شعره الوضوح والبعد عن التكلف وآخر يمتاز شعره بالغموض وعدم الإلغاز ولعل سؤال أبي العثيميل لابي تمام جلي في هذا الباب ، حينما قال له : لما لا تقول ما لا يفهم ؟ فكان الرد بضرورة الارتقاء إلى النص بقول أبي تمام : ولما لا تفهم ما يقال؟، إن هذه المحاورة التاريخية لا تؤسس لحداثة شعرية فحسب كان أبو تمام يحيك خيوطها فحسب وإنما تحمل في طياتها إعلانا صريحا عن قيمة الفكرة الشعرية باعتبارها نواة التخاطب ، إذ إن وقوف أبي العثيميل أمام شعر أبي تمام وقوف العاجز عن الفهم نابع من رغبته في إدراك المقصد الدلالي من القول الشعري ، بغض النظر عن طبيعة التصوير والتخييل التي كان أبو تمام يأتي بها في شعره مما كان غير مألوف في عصره ، ما جعله يستنكر سؤال صاحبه حاثا إياه على ضرورة إعمال العقل وتفكيك الأبنية وكشف الترميزات لأنها طرق مؤدية إلى تحقيق الفهم .
وقد تنبه المتلقي العربي منذ العصر الإسلامي إلى مسألة الفكرة وكانت شغلا شاغلا لذهنه بعيدا عن طبيعة الأخيلة وألوان البلاغة ، وكأنه كان يتغيى من الشعر تحقيق بعده التواصلي بلغة الكشف الواضحة لا تغليفه بالأقنعة والترميزات التي تذهب بصفاء الفكرة وتحجب عنه رؤيتها لأنها غاية القول ومرماه عنده ، قال عمر في شعر زهير بن أبي سلمى جوابا عن سبب تصييره شاعرالشعراء : ” لأنه لا يعاظل بين الكلامين ولا يتتبع وحشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما فيه ” ، فالملاحظ أن عمر ركز في نقده على جانب مهم متعلق بالفكرة من خلال ما أسماه بالمعاظلة التي تعني عدم الترتيب المنطقي بين الألفاظ عبر التقديم والـتاخير والفصل ما يترتب عنه إخلال بتراتبيتها التي تسبب اضطراب المعنى كما نجد في قول الفرزدق:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني تكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقوله أيضا :
إلى ملك ما أمه من محارب أبوه ولا كانت كليب تصاهره
ففهم هذا البيت يحتاج إلى تأمل وطول نظر لما فيه من التقديم والتأخير بين الألفاظ إذ قصد إلى القول : إلى ملك أبوه ما أمه من محارب أي ما أم أبيه منهم ، ومن المعاظلة السيئة عندهم بسبب تنافر الحروف وما تحدثه من عيب في الفصاحة قول الشاعر :
وقبر حرب في مكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر
وأما حديثه عن الحوشي من الكلام أي ذاك الغريب المعقد المشكل والعقمي فهو سبيل إلى الغموض ونفور المتلقي لما يحدثه من إعاقة لفهم الفكرة، فكان زهير أبعد ما يكون عن إتيان هذا اللون من الكلام في شعره ، لذا كان شعره واضحا سهل الفهم قريبا من الأذهان لقرب فكرته ووضوحها.
إن هذا الحكم الذي أصدره عمر بن الخطاب وهو يعد من الأحكام المعيارية السابقة في تاريخ النقد العربي القديم ، يثبت محورية الفكرة في صناعة الشعر في سياق تاريخي ينسجم مع الذائقة الجمالية للتلقي العربي ، غير أن التحولات التي ستشهدها البلاد العربية بفعل اتساع الرقعة وما أفرزته من مثاقفات مع روافد جديدة خلقت تلك الصراعات المحتدمة بين الفرق الكلامية والطوائف الدينية والسياسية والمذهبية والحزبية ، جعلت المحضن العربي يغتني أكثر بأفكار جديدة ستشكل مواد دسمة للخطاب الشعري ، فظهر الشعر المذهبي والسياسي الذي لم يحتج إلى تقنيع بقدر ما احتاج إلى توجيه الخطاب بشكل تقريري مباشر لأن الشاعر مثل الناطق الإعلامي الرسمي باسم المذهب أو الحزب أو الفرقة الكلامية ، يقول كثير:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف بريا ولم تتبع مقالة مجـــــــــــــــــــــــــــــرم
وقلت فصدقت الذي قلت بالذي فعلت فأضحى راضيا كل مسلم
فهو يمدح عمر بن عبد العزي لأنه على مذهبه ، وهذا علي بن الجهم نجده متهكما بفكرة الروافض في الرجعة فيقول :
ورافضة تقول بشعب رضوى إمام خاب ذلك من إمام
إمام من له عشرون ألـــــــــــــــــــــــــــــــــــــفا من الأتراك مشرعة السهام
وهذا العباس بن الأحنف يعبر عن موقف القدرية وإيمانه به خلافا لمذهب الاختيار فيقول :
إذا أردت سلوا كان ناصركم قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم فكل ذلك محمول على القدر
إن فحصا لمثل هذا الشعر وهو كثير في ثقافتنا العربية يؤكد بلا منازع أن الفكر الشعري ليس نتاجا ذاتيا صرفا وإنما هو إعادة صياغة للأفكار التي تنتجها الثقافة في سياقات تاريخية تتحول معها القصيدة إلى إيديولوجيا تعتاش في البنية الفوقية وإلى وسيلة دفاعية يمتلكها المذهب أو الحزب أو غيرهما لتوجيه ضربات قوية للمعادي وقصف المناوئ لهم قصف محارب في أرض المعركة ، من هنا تستمد الفكرة في الشعر قوتها التعبيرية والتبليغية والتأثيرية سواء تعلق الأمر بالقطب الفني المنتج أو القطب الجمالي الذي يمثله التلقي ، ما يخلق مواجهة حامية بين الأفكار يبحث لها الشاعر العربي عن وسائل الدعم والقوة التي تشد أزرها خارج نطاق الصنعة والبلاغة لما يرومه هذا اللون من الشعر بسبب طبيعة الفكرة فيه من تحقيق لبلاغة الإقناع ، ولا يعني هذا الكلام أن طغيان الرغبة في تبليغ الفكرة السياسية أو المذهبية أو الكلامية عموما يقصي الجانب الإبداعي والحس الجمالي للقصيدة ، فالشعر يظل دوما مرتديا عباءة الشعر بما فيه من التصوير والتخييل والموسيقية رغم تشبعه بأفكار المذهب والاتجاه يقول إبراهيم النظام المعتزلي :
وشادن ينطق بالطــــــــرف يقصر عنه منتهى الوصف
رق فلو بزت سرابــــــــــيله علقه الجــــــــــــــــــــــــــــو من اللطف
يجرحه اللفظ بتــــــــــــــكراره ويشتكي الإيماء بالطرف
أفديه من مغزى بما ساءني كأنه يعلـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ما أخفي
فقد كان النظام ذا شعر رقيق ودقيق المعاني وهو شيخ المعتزلة ، فلم يغب الجانب الفني والجمالي عن شعره كما لن يغب عن شعر أبي عبد الرحمن العطوي الذي ظهر أثر الكلام في شعره كبيرا وكان شعره خفيفا رشيقا يقول في إحدى القصائد :
فيئي إلى أهدى السبلْ قولا وعلما وعـــــــــــــــــــــــــــــملْ
قائلها الله لقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد سامتكما إحدى العضل
تقول هلا رحـــــــــــــــــــــــــــــــــلة تنقلنا خير نقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل
أخشى عــــــــــــــــــــــــلى جائلة م الآمال جوال الأجـــــــــــــــــل
فهذه الأبيات ومثيلها كثير تدل على حرص الشاعر العربي على جانب التصوير والموسيقية حرصا كبيرا ما جعل النص لا يخلو من بعده التخييلي والجمالي بسبب الفكرة الشعرية التي لم شكلت بؤرة محورية للنتاج الشعري على الرغم من أثر الصنعة والتنميق والزخرفة التي أظهرها شعراء مجددون في مرحلة لاحقة من تاريخنا الشعري كان فيه التلاعب بالألفاظ سمة تظهر عبقرية الشاعر كما كان عند المجددين في تاريخنا الشعري من أصحاب الصنعة من أولئك الذين حذقوا في تنميق أشعارهم وجعلوا صنعة اللفظ والشكل ذات قيمة أعلى على جانب الفكرة ، فإن هذه الأخيرة تظل محورية رغم محاولات الشاعر إقصاءها لأن تشكلها يكون سابقا على الهيكل وإلا لما كانت المعاني سابقة على اللفظ ولما كانت الألفاظ خدما للمعاني كما قال إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني ، فلا تحتاج إلا إلى أخيلة مجنحة يأتي بها شاعربارع يجعل الفكر يتكلم شعرا .



