كارل بروكلمان مستشرق بين خصلة الاعتراف وسهام النقد /جواد عامر

كان للاستشراق في صورته المنصفة دوره الكبير في نقل صورة الثقافة العربية إلى الغرب والتعريف بوجوهها الظاهرة والخفية بعدالة نقلت الحقيقة كما وجدت في المحضن الثقافي العربي ، فتعددت مقاربات ومنهجيات المستشرقين بحكم اختلاف الرؤية والتصور والمقدرة على مقاربة العمق المعرفي للقضايا المختلفة التي شملت السياسة والثقافة والتاريخ والآداب وغيرها من أشكال المنتج الإنساني العربي ، فكان نلينو وجولد زيهر وإغناتي كراتشكوفسكي وأوزين ونولدكه وغيرهم من أبرز المستشرقين الذين أولوا للثقافة العربية عناية فائقة أفرزت كتابات هامة عدت مراجع مهمة للمثقف العربي والغربي معا ، ويعد كارل بروكلمان أحد أبرز الوجوه الاستشراقية الألمانية التي حظيت في الثقافة العربية بمكانة خاصة لما قدمه هذا المستشرق من دراسات معمقة ودقيقة للثقافة العربية أفرزت كتابه الموسوعي الشهير ” تاريخ الأدب العربي ” الذي عد مرجعا هاما لما تضمنه من معارف مهمة .
كارل بروكلمان ومدرسة الاستشراق الألماني
لا تقل جهود مدرسة الاستشراق الألمانية عن نظيرتها الروسية في تقديم خدماتها الجليلة للثقافة العربية بكل مكوناتها ، فقد كانت كلتاهما بعيدتين عن فعل الاستلاب الحضاري وخدمة الكولونيالية المدفوعة بالنزوعات العصبية والمذهبية والدينية والعرقية كما فعل الاستشراق الفرنسي والبرتغالي والإنجليزي ، فكانت المدرسة الألمانية من أكثر المدارس إنصافا للجهود العربية وأكثرها كشفا لعبقرية الثقافة العربية فكانت مصنفاتهم شديدة العمق ودقيقة التناول لتمفصلات ثقافتنا فاجتهدوا في كشف المتآكل من المعرفة التراثية العلمية ، ففهرسوا ونشروا الكثير من المخطوطات العربية وأمهات الكتب والمظان وجمعوها في مكتبة برلين الوطنية وجامعة “جوتنجن” جنوب ألمانيا وهي معا تضم آلاف الكتب والمخطوطات العربية الثمينة ، ويعود الفضل للجهود الاستشراقية الألمانية في تحقيق أمهات الكتب كالفهرست لابن النديم والكامل للمبرد وتاريخ الطبري وطبقات المعتزلة لابن المرتضى وغيرها من الكتب ؛ لذا فقد كانت مدرسة الاستشراق الألمانية معبرا جسر العلاقة بين الشرق العربي وأوروبا ومكن من وصول الثقافة العربية من معينها الصافي إلى العقل لغربي المنصف ما يعد ثمرة فضلى لجهود الألمان وخدمة جلى أسدتها هذه المدرسة للنهضة العربية من اجل إعادة قراءة التراث وإحيائه من جديد في سبيل النهوض والتحديث .
ولا أريد من هذا الكلام حمله على الصفاء التام فخدمة الكنيسة ورجالها وتمرير الإيديولوجية الكولونيالية كانت قائمة في كل الغرب ، ف “نولدكه” و”بروكلمان” رغم ما قدموه من دراسة معمقة للأدب العربي والتاريخ الإسلامي تلقوا سهام نقد لاذعة من الأقواس العربية التي وجدت في كثير من كلامهم تحاملا كبيرا على الإسلام وتعريضا بالتاريخ الإسلامي ولهذا كان المستشرق “ريسكه” قابعا في الهامش الضيق مرفوضا من قبل الكنيسة ورجال الدين الذين عارضوا فكره الحر وتحليله الصادق لتاريخ الإسلام ما جعلهم يتكالبون عليخه ويمنعونه من الظفر بالأستاذية الجامعية ونشر كتاباته من قبل دور نشر وفي هذا يقول ريسكه : ” إن ظهور محمد وانتصار دينه هما من أحداث التاريخ التي لا يستطيع العقل الإنساني إدراك مداها ” ويقول شوقي أبو خليل : ” لقد أبغض اللاهوتيون ريسكه أشد البغض لأنه مجد الإسلام ولم يوافقهم على أكاذيبهم وافتراءاتهم حول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وحول الإسلام وتاريخ الإسلام عموما وفي ذلك يقول فوك ” لقد كان متهما عند اللاهوتيين بأنه حر التفكير ولم يسايرهم في ادعائهم أن محمدا كان نبيا زائفا وغشاشا وأن ديانته خرافات مضحكة ” لذلك لم يحصل على منصب جامعي وعين مدرسا في إحدى الثانويات وثارت ثائرة رجال الدين عندما اقترح لإدارة ثانوية فنقل إلى متحف للنقود لا يرى أحدا ولايراه أحد ، لا يتصل بأحد ولا يتصل به أحد” (1)، بينما انتشرت شهرة نولدكه وبروكلمان بشكل خاص بعد نشر كتابه “تاريخ الأدب العربي ” الذي طارت شهرته في الآفاق ، ثم كتابه ” تاريخ الشعوب الإسلامية “.
بروكلمان وريادة مدرسة الاستشراق الالماني
كارل بروكلمان رائد مدرسة الاستشراق الألماني بلا منازع ،المولود بمدينة روستوك عام 1868التي تعلم فيها قبل رحيلة إلى استراسبورغ عام 1888، بدت ميوله للغات الشرقية مبكرا يقول : ” وفي الصفوف العليا من المدرسة الثانوية تجلت الميول التي ستسيطر على حياتي بكل وضوح وكانت هناك جمعية للقراءة تجتمع مرتين في الأسبوع وفي يوم الربعاء كنا نقرأ مجلة ” الجلوس : الكرة الأرضية ” وفي يوم السبت نقرأ مجلة العالم الخارجي Ausland، وهاتان المجلتان كانتا أبرز المجلات الجغرافية وكان ذلك الوقت هو وقت الاكتشافات الجغرافية العظيمة في آسية وإفريقية وعن هذا الطريق ارتبط خيالي بالمشرق وكنت أهتم في المقام الأول بما يرد فيهما من أخبار عن اللغات “(2)، فكان هذا هو الطريق الذي فتح لبروكلمان الأفق نحو الأدب العربي منذ المرحلة الثانوية زاد باطلاعه الواسع وشغفه الكبير باللغات الشرقية واليونانية واللاتينية فكان يحضر دروس الأستاذ “نرجر” معلم اللغة العربية ويقول عن نفسه “إنه أتقن العبرية للدرجة التي تمكن فيها من ترجمة نص عبري عن سفر ( عموص) غير مشكول ترجمة “، وكان لتتلمذه على يد تيودور نولدكه (1836ـ1931) شيخ المستشرقين الألمان دور كبير في زيادة تعلقه بالتاريخ الإسلامي والأدب العربي يقول بروكلمان “وعنده تعلمت الكثير جدا وعند نولدكه كنت أنا الوحيد في معظم المحاضرات” فكان من ثمرات جهوده إنتاجه كتاب ” تاريخ الشعوب الإسلامية” الذي يعد مرجعا مهما في التاريخ الإسلامي وكتابه الأشهر والأهم ” تاريخ الأدب العربي ” الذي ترجم في ستة أجزاء نشرت جزءه الأول دار المعارف المصرية آواخر القرن التاسع عشر، بين 1898 و1902، يقول د؟ حسين مؤنس : ” وفي ذلك الوقت كان كتابه المجيد الثاني (تاريخ الشعوب الإسلامية) يترجم إلى العربية وهذا الكتاب ينطق بتقدير بروكلمان للعرب ومشاركته إياهم في كفاحهم للحرية والكرامة والرخاء “(3) ، وهي كتب كان التمهيد لها بما بعدد من الدراسات التي كلف بها نولدكه كارل بروكلمان منها دراسة العلاقة بين كتابي الكامل في التاريخ لابن الأثير وأخبار الرسل والملوك للطبري مابين 1889 و1890 فطبعت كرسالة جامعية في استراسبورغ عام 1890 وكلفه نولدكه بعدها بقراءة ديوان لبيد بن أبي ربيعة ترجمت إلى الألمانية من قبل أنطوان هوبر ثم من قبل هنريش توربكه عام 1891 وانتقل بعده بروكلمان إلى برسلاو ليتحصل على دكتوراة التأهيل للتدريس الجامعي سنة 1893 عن رسالة بعنوان: ” عبد الرحمن أبو الفرج ابن الجوزي : تلقيح فهوم الآثار في مختصر السير والأخبار بحث وفقا لمخطوط برلين ” ، وأعد رفقة ” سخاو ” نشرة نقدية محققة عن طبقات ابن سعد فسافر إلى لندن ثم إسطنبول للبحث وتحقيق الطبقات ولفت نظره كتاب ” عيون الأخبار لابن قتيبة فنسخ منه نسخة تولى تحقيقه عام 1904 في برلين وتم نشره من قبل فيلبر في فيمار ناشرا متعاونا تحمل نفقات الطبع على اساس ان يمده بروكلمان بكتاب أكثر أهمية فحفزه ذلك لتاليف كتابه الأهم ” تاريخ الأدب العربي ” الذي ظهر النصف الأول من جزئه الأول عام 1897 والنصف الثاني عام 1898 والجزء الثاني سنة 1902، أما تاريخ الشعوب الإسلامية فنتج بعد التقاطات مسهبة لما راج عن تارريخ السلام في الكتب الاستشراقية خاصة ما جاء عند نولدكه وفلهاوزن ( 1844ـ 1918) وليون كيتاني المستشرق الإيطالي ( 1869ـ 1936)، فظهر الكتاب على أتم صورة عام 1939وحظي بترجمة الأستاذين منير بعلبكي ونبيه فارس كما ترجم إلى لغات اخرى منها الهولندية والتركية والفرنسية والانجليزية .
تاريخ الأدب العربي موسوعة تراثية
ألفت في تاريخنا العربي الحديث كتب مهمة أرخت للأدب العربي وجاءت بنفس التسميات مثل ” تاريخ الأدب العربي لأحمد حسن الزيات وتاريخ آداب العرب للرافعي وتاريخ الأدب العربي لحنا فاخوري وكانت موسوعة تاريخ الإسلام للدكتور أحمد أمين بدءا من فجر الاسلام فضحى الاسلام ثم ظهر الإسلام كتبا مهمة في تأريخها للإسلام والأدب العربي ، غير أن موسوعة بروكلمان تعد رائدة بالمعنى العلمي من حيث المنهج وطريقة التحليل والتناول والعمق المعرفي فهو عمل بيبيلوغرافي فيه تأريخ لتاريخ الأدب العربي بعيون غربية ألمانية فحصت بدقة عمق المحضن الثقافي العربي وما أنتج فيه من المعارف ، إذ تجاوز بروكلمان طرائق التناول التقليدية التي مازت كتب التأريخ للأدب العربي والتي وسمت بالعرض التلقيني والشحن المعرفي بعيدا عن الطرح الناقد والمعمق لهذا التاريخ ، طرح نجده في البحث الدقيق وعمق الرؤية التي كان بروكلمان يفضح عنها كلما عرضت قضية من القضايا في الأدب أو التاريخ أو الفكر أو غيرها فتجد صوته نافذا وناقدا لعمق الفكرة لا عارضا لمجريات الأحداث أو ناقلا لسيرورة التاريخ كما دأبت على ذلك مختلف كتب التأريخ للأدب العربي خاصة ما نجده عند الزيات وحنا فاخوري.
لقد شكلت موسوعة بروكلمان مرجعا خصبا لكبار الدارسين والباحثين في التاريخ الإسلامي والآداب العربية فلم يكد كتاب يؤرخ للأدب العربي يخلو من استشهاد بكارل بروكلمان ، حتى موسوعة أحمد أمين كثيرا ما تعرض آراءه التي يقابلها أحمد أمين بالرد أحيانا وبالموافقة حينا آخر ، وفي اتجاهات الشعر العربي حتى القرن الثاني الهجري لمصطفى هدارة يحضر اسم كارل بروكلمان كثيرا ، وفي الفن ومذاهبه لشوقي ضيف حضور قوي لهذا الاسم الألماني وهكذا في كل الكتب التي طالعناها وهي تؤرخ للأدب العربي وللتاريخ الإسلامي يطل علينا المستشرق الألماني بفكره الثاقب وبصره الحديد من نوافذ المنتج العربي ، ولعل ما حواه الكتاب عبر أجزائه من تفصيلات معمقة واستبيانات متدرجة من حيث المنهج هو ما منح كتاب بروكلمان قيمة مضافة ، فالجزء الأول كان عرضا فاحصا لعصور الأدب العربي وأمكنته وألوانه ومذاهبه متقصيا تاريخ الأدب وما ألف حوله من كتب وفي الجزء الثاني حديث مفصل عن تاريخ النهضة العربية شعرها ونثرها متنقلا بين شعراء الشام وبغداد والجزيرة ومصر في العصر العباسي وفيه عرض مطول لمدرسة النثر الفني التي سادت البلاد العربية ممثلة في السرود المختلفة التي شهدها المحضن العربي إلى جانب الشعر وذكر في هذا الجزء علوم العربية ونشأتها ومدارسها كالكوفة والموصل وبغداد وغيرها وما انتعش فيها من حركة علمية دائبة ، وفي الجزء الثالث كان لعلم الحديث والتدوين وكتب الفقه ومدارسه ومذاهبه نصيب كبير عارضا التحولات التي مست جوهر الحياة العقلية في البلاد العربية بظهور الفرق المختلفة والمذاهب وما جاءت به من آراء ، أما الجزء الرابع من الموسوعة فخصصه لبحث أثر القرآن في الأدب وانتعاش العلوم مدققا النظر في أصناف العلوم الناشئة كالتفسير والقراءات والفلك والرياضيات والتنجيم وغيرها وفي الجزء الخامس فقد جعله مختصا بالشعر والنثر الفني والبلاغة العربية وختم موسوعته بالجزء السادس الذي جاء عرضا لتاريخ المدن والدول والأعلام وتواريخ الأنبياء وكتب الأنساب وأدب الأسمار، ما جعل تاريخ الأدب العربي موسوعة تراثية بامتياز استطاعت أن تعرج على كل تفاصيل الثقافة العربية ما أهلها لتكون مرجعا موثوقا به في الدرس الأدبي الحديث ، رغم الهنات والزلات التي وقع فيها بروكلمان وهو أمر طبعي لقيام الكتاب على جهد فردي تنأى عنه الشم من المؤسسات الرسمية ، فقد ظل بروكلمان يثقف وينقح ما ارتكبه من زلات خاصة في الجزأين الأول والثاني حيث تمت إعادة طبعهما سنتي 1943 و1949، دون أن ينتقص ذلك من مكانته شيئا فهو الكتاب الوحيد كما قال عبد الرحمن بدوي الذي ” يعد المرجع الأساسي والوحيد في كل ما يتعلق بالمخطوطات العربية وأماكن تواجدها ” (4) ، وقد ضم الكتاب ذكرا لزهاء عشرين ألف مخطوطة مع ذكر أماكن وجودها وأرقامها ” (5) ، وقد تولى ترجمة الموسوعة الدكتور العلامة عبد الحليم النجار وأتمها بعد وفاته الدكتور رمضان عبد التواب .
كارل بروكلمان في الميزان
لم يسلم بروكلمان من سهام النقد التي توجهت إليه من قبل كثير من الدارسين العرب وفي مقدمته صاحب كتاب “كارل بروكلمان في الميزان ” الدكتور أستاذ الحضارة الإسلامية شوقي أبو خليل الذي رأى أن بروكلمان تعمد ترك ينابيع التراث العربي واعتمد في استيقاء معلوماته عن تاريخ الإسلام من مصادر استشراقية في الوقت الذي كان بإمكانه تصفح كتب التاريخ الاسلامي باعتبارها المنهل الصافي للحقيقة التاريخية ، فاعتبر شوقي أن المستشرق الألماني لم يخرج عن دائرة خدمة الكنيسة وفكرها اللاهوتي ما جعل كتاباته تحظى بالقبول والانتشار الواسع والدعم من كل الجهات ، وقد أبان أنه دون عشرات الملاحظات أثناء قراءته لتاريخ الشعوب الإسلامية مثبتا أن بروكلمان افترى على تاريخ الاسلام وتعامل مع كثير من الأحداث والمواقف بسخرية واستهزاء لا تخلو من الحقد وينقل أبو خليل مجموعة كبيرة من الآراء التي ساقها بروكلمان في كتابه ويستدل على حمولتها الساخرة يقول : ” ولما كان الإسلام الرشيد ينهى عن تصوير الكائنات الحية فلم يكن بد من ان تغطى روائع الفسيفساء الذهبية التي تزين العقود وتمثل الفن البيزنطي أحسن تمثيل بطبقة من الكلس “(6)، هذا بعض هزئه وسخريته مع أن الإسلام لم يكن ينتظر كارل بروكلمان ليتحدث عن بركاته وآلائه ولم يكن ينتظر ليقول عنه إنه رشيد فالإسلام عرفته الدنيا قبل بروكلمان وبعده ، عرفته تشريعا ما جاراه تشريع آخر في إحقاقه للحق وتنفيذه للعدل ونظرته للإنسان إنسانا بغض النظر عن جنسه ولونه وعقيدته . إنه رشيد لأنه استطاع أن يقضي على جذور الوثنية في نفوس أتباعه فأبعدهم عن الخضوع لغير الله عز وجل فحقق الوحدانية التي هي أساس الديانات السماوية بينما نجد العالم حول الإسلام غارقا في بحر من الوثنية المقنعة من عبادة بشر وتقديس لأوثان وصور” (7).
لقد رأى شوقي أن بروكلمان انطلق في مقاربته لتاريخ الاسلام من منظور الشك والتنقيص والرفض العشوائي مرتكزا على غالب الروايات الشاذة ومسقطا فلسفات الأقوام المغايرة على الثقافة الإسلامية كما رأينا في رفضه لطمس التصاوير غير مدرك أن فلسفة الثقافة الإسلامية هي غير فلسفة بيزنطة والفرس وغيرها ولا يمكنها أن تكون موجها ناظما لحركة الفن في الإسلام لما يمتاز به من خصوصية تجعلها متفردا عن غيره من العقائد.
لقد قدم بروكلمان دراسة مجدة لتاريخ الاسلام لكنها دراسة مسيجة بإيديولوجية الكنيسة ومدعومة بمباركتها فطوع أحداث التاريخ العربي الإسلامي لما يناسب فكرته وفكرتها يدس في تاريخ الرجال والطبقات والتراث ما يراه ملائما للكنيسة مرضيا لها، فجاءت كثير من آرائه في هذا الكتاب غير متوافقة مع السياق التاريخي فقد أورد شوقي أبو خليل نقلا عن تاريخ الشعوبة الإسلامية ص 38ما يلي : وفضلا عن ذلك فقد كره أفراد هذه الطبقة الحاكمة أن يروا إلى محمد وهو الذي ينتسب إلى بيت دون بيوتهم مقاما على رأس جماعة تشكل صغرها دولة ضمن دولة ومن هنا كان عليه صلى الله عليه وسلم أن يدفع كيد خصومه في آيات تزايد عنفها مع الأيام حتى لقد انتهت إلى أن تصبح لعنات عليهم ولقد سمى عمه أبا لهب نفسه في إحداها ” يعلق أبو خليل قائلا :” إن تناقضا واضحا في هذا القول يتجلى عند القراءة الأولى ، كيف يعتبر بروكلمان أن هناك طبقة حاكمة ناقمة على محمد صلى اله عليه وسلم الذي ينتسب إلى بيت دون بيوتهم مقاما لأنه شكل ما يشبه دولة ضمن دولة فكيف يكون عمه ابو لهب وهو من بيت محمد صلى الله عليه وسلم وليس من بين الطبقة الحاكمة إلأى جانب تلك الطبقة ولم يكن إلى جانب ابن بيته وابن طبقته ؟ ونحن مع بروكلمان على علم بما كان عليه العرب من عصبية قبلية وعصبية عائلية !!” (8).
إن أمثلة من هذا النوع كثيرة في كتاب بروكلمان وقد تقصاها الدكتور شوقي أبو خليل بدقة متناهية كاشفا نواقصها وتناقضاتها ومواطن الاستهزاء التي مارسها بروكلمان في كثير من آرائه ما جعل نظرة شوقي إلى منجز بروكلمان تتسم بالدونية مقابل الإعلاء الذي وجده من بعض الدارسين أمثال الأستاذ عقيقي في كتابه ” المستشرقون ” يقول عن بروكلمان: ” اشتهر بروكلمان بجم نشاطه وغزارة إنتاجه الذي اتصف بالموضوعية والعمق والشمول والجدة مما جعله مرجعا للمصنفين في التاريخ الإسلامي والأدب العربي إذ قل من لم يستند إليه أو يتوكأ عليه في مصنفاته”(9) .
لقد قدم كارل بروكلمان نتاجا عظيما استوعب مسارا تاريخيا طويلا في ثقافتنا العربية ـ رغم النقود التي لا يسلم منها أحد ـ شمل مختلف المناحي الاجتماعية والأدبية والفكرية والعلمية والسياسية والاقتصادية فتناول جميع فروع المعرفة بروح نقدية عالية وبصيرة فاحصة متقدة ، وبمنهج تاريخي دياكروني احترم التعاقبية التاريخية للعصور مع ذكر أماكن تواجد المخطوطات وأرقامها وطبعاتها يقلب الآراء ويفحص الأقوال ويتقصى ما كتب عن الأدب العربي ويبحث بعمق وجدية عن الصواب والخطأ فيوازن ويحلل ويدقق بروح الباحث الحية ليخرج للعالم العربي والغربي معا عصارة هذا الفكر الثاقب كتاب موسوعيا حافلا بتاريخ الأدب العربي ينضاف إلى سجلات ما كتب في التاريخ القديم والحديث وينضاف إلى جهوده الفكرية والعلمية في شتى الصنوف المعرفية نحوا وصرفا وبلاغة وأدبا وتاريخا وفكرا تدل عليها مؤلفات مثل :” كتاب المفصل في علم النحو والصرف المقارن للغات السامية” و”ملاحظات شتى عن تاريخ الآداب العربية ” و” تاريخ الاسلام من بدئه إلى الوقت الحاضر ” و”فهرست المخطوطات الشرقية ” و”الآجرومية العربية لسوتسين” وغيرها من المؤلفات التي تعبد الطريق إلى التراث لقراءته بعين نقدية حداثية للنهل من ينابيعه وتطوير سبل المعرفة الحقة.
الهوامش:
1.شوقي أبو خليل كارل بروكلمان في الميزان دار الفكر المعاصر بيروت لبنان / دار الفكر دمشق سورية ط 1 سنة 1987 ص 6
2.عبد الرحمن بدوي موسوعة المستشرقين دار العلم للملايين ط 1 سنة 1992 ص 57 عن الترجمة الذاتية ص 20 نشر الترجمة روودلف زلهيم الاستاذ في جامكعة فرانكفورت والمشرف على مجلة Oriens
3. حسين مؤنس مجلة العربي بروكلمان مستشرق أسدى للفكر أجل الخدمات ع 139 ص 39
4.عبد الرجمن بدوي موسوعة المستشرقين دار العلم للملايين ط 1 سنة 1992 ص 98
5.محمود السيد الدغيم مشكلات فهرسة التراث العربي المخطوط والمطبوع 2 مارس 2017 على موقع واي باك مشين
6. كارل بروكلمان تاريخ الشعوب الإسلامية ترجمة نبيه فارس ومنير البعلبكي دار العلم للملايين بيروت ط 5 سنة 1973 ص 432
7.شوقي أبو خليلب م.س ص 10
8. نفسه ص.ص 40 .41
9. نفسه ص 7





